| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 17/11/ 2008



نقرة السلمان
(44)

جاسم المطير

اهتمام الروح بالروح ..!
لم أتعرف على ساعات أمتع من ساعات المجادلة والحوار بين المئات والآلاف من سجناء نقرة السلمان . كل السجناء أعضاء في خلية واحدة أو في جمعية واحدة أو أبناء قرية واحدة .

لا تزداد الأحوال سوءا مع مرور الأيام بل يؤكد جميع السجناء انهم سعداء ..!

هكذا يقولون لأهلهم أثناء المواجهات الشهرية وهكذا يكتب أغلبيتهم في رسائلهم لذويهم ..! هل هو نوع من المكابرة أم من الكذب أم التحدي أم الصبر أم الصلابة ..؟

من الجليد في أعالي الجبال يتحرر نهرا الرافدين بفضل ربيع كل عام كي تخضوضر الأراضي في كل مكان ابتداء من أراضى الجوز واللوز في كردستان في أقصى الشمال وانتهاء بحقول النخيل والحناء في مدينة الفاو حيث يتم تصدير النفط إلى العالم كله من بين تلك الحقول .

من بوابات الشيوعية يستلهم الشيوعيون وأصدقائهم في نقرة السلمان آمالهم كلها ، في كل يوم ، ولذلك فأنهم لا يكابرون بل يندفعون رغم الكآبة والعذاب والصعاب لمجابهة سحب الشتاء بالتشمس كل يوم في فضاء الساحات المكشوفة حتى يبدو حصن نقرة السلمان بلا أسوار بل يستهزئون بالعواصف السياسية من خلال أشعارهم وتمثيلياتهم وأغانيهم الممجدة للشعب الحر والحزب الحر والنضال الحر .

تحولت نقرة السلمان إلى أول جمهورية اشتراكية ، بلا حرب وبلا انقلابات وبلا اشتباكات وبلا تشججات . في هذه الجمهورية يسمع الحكام والسجانون أغنيات أزمنة السلام والحب .. يحلم بها سكانها حتى ولو بعد قرن من الزمان .. كلهم يشعرون أن الظلام ينهزم والسجون ستنهزم والشواطئ الجديدة ستترنح ذات يوم في قابل الأيام والسنين بأغنية واعدة عنوانها وطن حر وشعب سعيد تخترق الأثير سائرة في طريق جديد إلى أفلاك جديدة فيها غبطة من نوع جديد إذ لا بد أن يأتي يوم ينتخب فيه شعب الولايات المتحدة الأمريكية رجلا أسود ليكون رئيسا للبيت الأبيض ولا بد أن يأتي يوم آخر ينصب فيه تمثال في وسط صحراء السلمان لشاب اسمه صلاح الدين أحمد . العالم يتغير حتما .

وجد السجناء أنفسهم مع مرور الأيام والأعوام أمام ضرورة أن ينالوا علم الصبر من السجناء السابقين . عليهم أن يديروا ظهورهم لظلام البعثيين وما بعدهم وأن يضعوا عيونهم في عيون المستقبل فالشمس دائما صادقة في سطوعها. لم يرتجف سجناء نقرة السلمان لا من برد الشتاء ولا من حرارة الجلد والسياط ولا من الكهوف المظلمة ، بل اثبتوا مع مر الزمان أنهم قادرون على اجتياز الممر المظلم الذي يشتعل الجحيم حوله وفي فوهته الضيقة التي أغلقها الحكام الفاشيون كي لا يرى الأحرار منها أو عبرها أي أمل .

صار سجن السلمان بوجودكم مسرحا لأغنية يحفظها الناس الطيبون ..!

بهذه الكلمات عبّر مدير أوحش سجن في الأرض العربية حين حضر ضيفا ومستمعا إحدى احتفالات السجناء بمناسباتهم الوطنية داخل هذا السجن البغيض . لمعت عيناه بفرح حقيقي وهو يستمع إلى قصائد مظفر النواب وأغاني سعدي الحديثي . كان يتحدث أمام سليم الفخري وصادق جعفر الفلاحي وعبد الوهاب طاهر وعباس بغدادي.

لم أكن أعرف سعدي الحديثي من قبل ولم أسمع باسمه قبل مجيئي ومجيئه إلى سجن النقرة . ولم أتعرف إليه داخل السجن إلا بعد حين .

كانت ليلة جميلة حقا غنى فيها سعدي الحديثي مجموعة من أغان ٍ سحرتني . أول مرة استمع فيها إلى صوت بدوي يغني شعر البداوة وكلام الريف العراقي في ليلة واحدة وفي حفلة واحدة .

تعلقت بصوت المغني مسرعا كما تعلق به غيري من السجناء .

خلال ساعتين أخرجنا الشاب سعدي من ظلمات السجن .

حرك حواسنا كلها ووضعها في المكان السليم .

كانت وفرة أغانيه وشراكته مع مظفر النواب في سماع أشعاره نعمة حقيقية استولت على السجناء كلهم وعلى السجانين الواقفين على ربايا السجن يحملون بنادقهم باطمئنان .

شق صوته طريقه عبر الصحراء ، كأنه ينقل صرخة السجناء : أيتها الأشباح المنحوسة في حكومة عبد السلام عارف لن تستطيعوا تحويل حياتنا إلى عذاب .

وكان السجناء يقولون أن صوت سعدي الحديثي أقوى من هموم القضبان.

كل السجناء في تلك الليلة ارتدوا انظف واجمل بجاماتهم لحضور الحفل والاستماع إلى ما ينشده مظفر النواب وكنت مثلهم فقد أهداني نصيف الحجاج بجامة جديدة لا زالت محفوظة في علبتها كانت والدته قد أرسلتها له قبل ثلاثة أسابيع . حين ارتديتها لسعني في رقبتي أحد دبابيسها بعد أنغرازه في جلدي .

كان سعدي الحديثي في تلك الليلة مختلفا في ملابسه عن جميع السجناء . ارتدى دشداشة جديدة وكوفية بيضاء جديدة وعقال اسود جديد مع عباءة سوداء مطرزة بالخيوط والكرار يش ذات اللون الذهبي ..

يا للأناقة ..

كم جميل هذا الشاب وكم هو وسيم ..!

وكم رائع هو صوته يشدو في صحرائنا داخل السجن فيصل صوته إلى أسماع بدو الصحراء خارج السجن .

في اليوم التالي قلتُ لنفسي : لا تحاذر من صداقة هذا الشاب ، الساحر في غنائه ، الساحر في طريقة حديثه ، الساحر في جده ومزاحه ، الساحر في ما يحمله من ثقافات البدو وهو أفندي ، الساحر في قصصه عن غرام الصبايا البدويات وإخلاصهن لعشاقهن ..

سألتُ نفسي أيضاً : ترى هل أن الشيوعية رفعت صوته إلى سماء نقرة السلمان أم أن سعدي الحديثي رفع اسم الشيوعية إلى السماء ..؟

ختمت حديثي مع نفسي بالقول :

من يتطلع إلى وجهه يجد فيها نظرة المخلص إلى الشعب وهي نظرة الشيوعية ،فلم أكن أدري إن كان شيوعيا هو أم لم يكن ، وفي عينيه يجد الإنسان روحا لطيفة هي روح الشيوعية ، وفي كل الأحوال فأن الشاب سعدي الحديثي هو رمز لا يمكن وصفه . هو كنز من الفن ينبغي الرجوع إليه لمن يريدان يظفر بسلطان الراحة وهو في سجن ، والسجن صحراوي ، والصحراء متوقفة عن الحياة .

استشعرت برغبتي في مصادقة هذا الشاب الجميل الموهوب . فأمتع ما يراه السجين هو أن ينقذ نفسه من الملل وليس هناك مثل سعدي الحديثي من قدوة فنية – أدبية مثلى للخلاص من الملل . يستمع منه السامع بالعقل والإحساس والوجدان كل ما يدهش من حديث يجعله يفغر فمه متعجبا مسرورا ومستفيدا .

في اليوم التالي ذهبت إليه كتلميذ يطلب منه الآذن والسماح باستخدام عباءته وكوفيته وعقاله لتصوير نفسه أمام الكاميرا .

أسرع هو بتزييني بملابسه ثم استثمرتها بإنجاز عدة صور في بضعة دقائق أرست بيننا قاعدة صداقة أظن أنها سوف تستمر إلى الأبد .

مرت الأيام والأشهر والسنين في نقرة السلمان وهي تجمع بيننا كل يوم صباحا ومساء . كنت دائما أسأل نفسي هذا السؤال : هل سعدي الحديثي شاعر أم مطرب أم مناضل من نوع خاص ..؟

كنت راغبا في معرفة الينبوع الأصلي الذي استقى منه جراره في الموهبة والإبداع .. وجدته مملوءا بهموم الشعب ومملوءا بصور مزهرة للتعبير عن تلك الهموم كما وجدته مملوءا بقدرات كثيرة في الكلام والحديث لتحويل ما هو غريب في حياتنا إلى شيء مألوف في الكلام والواقع معتمدا في صقل مواهبه على خزينه في التراث البدوي وغيره من تراث العرب .

هل هو مطرب أم متحدث ..؟

هل يشدو بكلام البدو أم الحضر ..؟

هل تتسع موهبته للنضال الشيوعي ..؟

قررت ُ مع نفسي منذ اليوم الأول لصداقتي معه أن أحاول معرفة أزهار هذا الشاب المبدع بقطع أوراقها وريقة وريقة لمعرفة أصولها وفروعها . وبقينا معا زمنا طويلا نتبادل الكلام والحديث فعرفت من دون وساطة أن رأسه يحفل بعلم غزير عن التراث وكنت أشعر بالخجل أمام غزارة معلوماته الكثيرة والنادرة عن واقع حياة جزء كبير من شعبنا القابع في الصحراء من دون أن أعرف عنه شيئا عميقا مثلما يعرفه سعدي الحديثي بالعقل والعاطفة ، وسألتُ نفسي عدة مرات : هل هو شيوعي بدوي أم بدوي شيوعي أم شيوعي حضري مركب على البداوة .. هل ان الشيوعية قادرة على تحقيق التغير الفجائي او التدريجي في عقول الناس من شباب البدو ..؟

توصلت مع نفسي إلى ضرورة معرفة بعض جوانب حياة هذا الشاب من دون أن اسأله ، مباشرة . كنت متمسكا بعملية تزويد أفكاري بالمفاهيم والمعارف في عالم يتحول بسرعة يتغير بسرعة كما تنبأ كارل ماركس وكما أكد خروتشوف . وبهذا الضوء أفسر تجارب حياتي بلغة المدينة المبسطة في حين وجدت سعدي الحديثي يفسر كل شيء منطلقا من تجربة الحياة المحيطة به وبلغته ِ الخاصة ، لغة الأداء المنغم ، وهي لغة لها أصول كثيرة وفروع كثيرة .

قال ذات يوم بعد حديث طويل : حين يريد الإنسان أن يعبر عن أفكاره وعواطفه تقصر " اللغة الاعتيادية " عن نقل ما يريد فيستعين بـ" الأداء المنغم " ..

هذه إذن الفكرة الأساسية التي جعلت منه " مغنياً " وليس " مطرباً " .. أي انه حوّل نفسه من إنسان ساكن إلى إنسان متحرك كما تسعى الشيوعية نفسها في إطارها العام وكما يتمنى الحزب الشيوعي في إطاره الخاص ..

تراكمت عنده تجارب الغناء كي يحول " الكلام الضاغط " إلى " أغنية مشحونة بالعواطف" مستندا إلى استخدامات وموارد تراث الجاحظ عندما وضع بعض تجربته على قول الجاحظ (( معنى الطرب لا تقدر عليه إلاّ القلوب )) . من هذه الحرارة العاطفية المستندة على العلم والبحث والعقل جدد سعدي الحديثي نفسه فقد استطاع أن يجمع رابطة الشجاعة بين ثلاثة علاقات اجتماعية :

العلاقة الأولى مع الصحراء حيث يطل بيتهم عليها في نهايته .

العلاقة الثانية مع الريف حيث واجهة بيته تطل على حقول مزروعة .

العلاقة الثالثة مع المدينة حيث درس وتعلم وعلـّم وحيث سجنه السجان وعذبه السجانون .

هذه العلاقات الثلاثة منحته موهبة الشعر وحفظ " القصيد " ومنحته موهبة الجود بالغناء حتى نادى المنادي ذي الوجه القبيح في 8 شباط 1963 فانطلقت التنانين الفاشية تنشر أجنحتها الرهيبة في كل مكان من صحارى العراق ومدنه واريافه لتبصق القتل والنار في كل ارض فوقع الشاب الموهوب في قبضتهم بعد ثلاثة أيام من الانقلاب . لم تقبض عليه الشرطة بل تنانين الحرس القومي بإشارة من بعض الطلبة البعثيين ممن كانوا يعرفون كل جميل فيه وكل قول حر عنده وكل نشاط خلاق يسر الآخرين يمتلكه عقله .

اقتادوه إلى مركز شرطة راغبة خاتون القريب من الكلية التي كان يدرس فيها . حيث قضى فيه تفاصيل الأشهر الثمانية عشر المليئة بالأحداث المتناقضة. فمن أعماق الممارسات المؤسية التي مارستها لجان التحقيق واجه أبشع أيام العذاب في أجواء الإصرار والصمود . ومن ثم إلى قاعة المحاكمة التي أرسلته إلى السجن.

وبدون مقدمات، قرأ المدعي العام داخل المحكمة لائحة الاتهام فاكتشف بعد كل هذه الفترة من التوقيف أن تهمته هي الانتماء إلى منظمة حزبية غير قانونية، وأن العقوبة القصوى هي ستة أشهر فقط. لم يتقدم أي شاهد ضده ولم يرد أسمه في التنظيمات الحزبية التي كُشفت بقهر الآخرين وتعذيبهم .

تهامس رئيس المحكمة العرفية شاكر مدحت السعود مع هيئة محكمته، وفي الحال أضاف له مادة جديدة هي " تهديد أمن الدولة " وأعطاه حكماً بعشر سنوات في سجن نقرة السلمان. أنهى قرار الحكم بغمزة لم يفهمها إلا حين انهالت عليهَّ عشرات الأيدي بالضرب وكان هو وهيئة محكمته يراقبون بزهو كيف تداس كرامة الإنسان . لم يكن الضرب يعني سعدي الحديثي بقدر ما كان يحاول إخراج رأسه من بين تشابك الأيدي ليشتم رئيس المحكمة ويبصق عليه ويكرر عبارة صار زملاؤه ومنهم الدكتور صلاح الخز رجي وكاظم هاتكة يتندرون بها وهي : احكموني تسعين سنة، لكنكم تظلون سفلة . . أيها السفلة.

ظل صوت سعدي الحديثي مسموعا في الصحراء ،

والمدن ،

والأرياف ،

ينطلق من نقرة السلمان .

صوتٌ خالدٌ ، يسأل ويتدافع ويسرع مملوءا بحب الشعب ليقول للناس أجمعين من يعطي حياته يبقى وحده سعيدا إلى الأبد ..

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (43)
¤ نقرة السلمان (42)
¤ نقرة السلمان (41)
¤ نقرة السلمان (40)
¤ نقرة السلمان (39)
¤ نقرة السلمان (38)
¤ نقرة السلمان (37)
¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)  
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس