| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الخميس 30/10/ 2008



نقرة السلمان
(32)

جاسم المطير

كلهم مسرورون إلاّ أنا ..!!
لا أدري لماذا تضغط عليّ الكآبة ، هذا المساء ، بينما المفروض أن أكون مسروراً . غداً يتحرر زهير الدجيلي وخمسة سجناء آخرين من قيود نكَرة السلمان ، فقد وردت برقية من بغداد بإطلاق سراحه وسراحهم . يبدو أن الحملة العالمية تثمر بعض الشيء ولو ببطء .

هل من الصواب أن أشعر بالخسارة إذ يغادرني صديق مثل زهير الدجيلي إلى الحرية ..؟

صحيح أنا الخاسر الكبير من عملية إطلاق سراحه . فقد كان لي عوناً في كثير من الأشياء التي احتجت لها بهذا المكان .,. أقرب من أخ وأكثر من صديق . كنا كشخص واحد اسمه زهير المطير أو جاسم الدجيلي ، كما كان يقول بعض الأصدقاء من محبي المزحة .

ثم شعرت أن زهير هو الرابح الأكبر من الحرية وعليّ أن أكون أنا أكثر مسرة وفرحاً من غيري من السجناء .

في آخر الليل وجدتُ نفسي في صحو يدفعني إلى كتابة شيء عن يوم فراق أخي وصديقي ورفيقي زهير الدجيلي الذي تعرفتُ عليه ، جيداً وعميقاً ، أوائل عام 1960 حين انتدبني مكتب لجنة المنطقة الجنوبية للحزب أن أشرف على اللجنة المحلية للواء الناصرية بصورة مؤقتة لمدة شهر واحد لتحسين وضعها التنظيمي فأكملت المهمة معيداً بناء التنظيمات على أسس قوية كما كان رفاقي في لجنة المنطقة يعهدون فيّ كفاءة تنظيمية .

منذ أول لقاء في بيت زهير توطدت علاقة نموذجية بيننا كرفيقين في حزب واحد وكصديقين . لا زلت أتذكر طعم مرقة البامية والباذنجان التي عملتها أم زهير في أول عزيمة غداء دعتني إليها . كان فيها الدهن كثيراً وكان مذاق الطرشي شديد الحرارة .

أصيب هو الآخر بالكآبة التي أعانيها الآن ، بعد أن علم بقرار عودتي إلى البصرة فور إكمال مهمتي في الناصرية خلال شهر أو أقل بيومين .

لكنني ، بسبب حظي أو حظه ، سرعان ما عدتُ إلى الناصرية بعد أيام قليلة من مغادرتها مستصحباً معي زوجتي سميرة لقضاء فترة لا تقل عن السنة كمسؤول عن تنظيم اللجنة المحلية في لواء الناصرية بناء على قرار صادر من لجنة التنظيم المركزية مؤيداً من اللجنة المنطقية الجنوبية أيضاً ..

استأجرت بيتاً قريباً من أكبر معمل للطحين في مدينة الناصرية . بيت متواضع لكنه جديد ونظيف ورخيص . الإيجار قدره سبعة دنانير ، وهو إيجار لم أتوقعه ولم يتوقعه الرفيق ( كريم ) الذي وجد لي البيت فمن المستحيل أن يقل مبلغ إيجاره عن 15 ديناراً إن لم يكن أكثر . سألتُ نفسي : لماذا هذا الرقم الرخيص إذن ..؟

في أول يوم عرفتُ السبب .

كان صوت ماكينة الطحين يحرم سكان هذا البيت من النوم . معمل الطحين بظهر البيت ، أي أن البيت بظهر جدار المعمل ، لا فرق ، فصوت المعمل داخل البيت من المساء حتى الصباح ومن الظهيرة حتى المساء ، هكذا ديدنه كل يوم . ما أن ينزل ساكن البيت الجديد حتى ينهزم سريعاً بسبب عدم قدرته على قفل عينيه لنيل إغفاءة الراحة فالبيت يهتز كأنه جزء من المعمل ..

هذا التقرير وصلني من ( كريم ) في أول ساعة بعد استقراري في البيت الجديد . كانت جارتنا أم سبع ، بائعة الحصران هي التي نقلت لنا واقع الحال .

لا يهمنا هذا الاكتشاف لعدة أسباب :

أولاً أنني أنام حتى لو كانت المدافع ترمي قرب رأسي . من عادتي أن أغمض عيني حتى أنام بعد لحظات ..

ثانياً : أننا في أثناء فترات النهار غير موجودين في البيت ، فأما أن أكون مشغولاً باجتماعات حزبية وأما أن أكون مسافراً إلى أحد الأقضية أو النواحي ، وأحياناً لا أعود مساء .

وثالثاً : أن سميرة كانت مشغولة هي الأخرى بعدة أشغال فهي مسئولة عن تنظيم اللجنة النسائية الحزبية ومسؤولة عن تنظيم استلام وإرسال البريد مع البصرة ( بريد الجنوبية ) وكذلك عن استلام وتسليم بريد أقضية الناصرية وتنظيماتها . حتى عندما تكون في البيت فهي متعبة وسرعان ما تغفو ..

لابد من اختصار الموقف عن عيب صوت معمل الطحين المجاور بالقول أن بإمكاني المبيت في أي بيت آخر في مدينة الناصرية . فقد قال لي سعد خزعل بالحرف الواحد : كل بيوت الرفاق وأصدقائهم مفتوحة أمامك في الناصرية كلها .. كان هذا القول مجرب عمليا إذ سرعان ما وجدت أن غالبية المواطنين في الناصرية طيبون إلى درجة خيالية غير متوقعة . لا احد يقف في طريق الغرباء . الكل يقدمون الأمن والعون لهم . خلال أسبوع أو أسبوعين أحسست أن مدينة الناصرية هي بلدتي وان الناس فيها هم أهلي . وقد كان الجيران جميعا يلذ لهم أن يتحدثوا معنا أو يزورونا لتقديم العون لنا باعتبارنا قادمين جددا لمدينتهم كما كانوا يشعرون بالسعادة إذا ما قبلنا دعواتهم لتناول وجبة غداء أو عشاء . الكرم على قد الحال يعلو عندهم على كل شيء .

أهم من كل شيء كان موقع البيت ممتازاً من الناحية الأمنية وبعيداً عن أنظار الشرطة . للدربونة مدخلان يساعداني على المجيء من جهة والذهاب من جهة أخرى وتلك ميزة مهمة لصيانة البيت الحزبي . الشيء الأهم أننا وجدنا في سطح البيت مكاناً مناسباً جداً لوضع الجرائد والمنشورات والرسائل الحزبية وإخفائها كأجراء احتياطي لوقايتها من الوقوع بأيدي الشرطة في حالة تفتيش البيت . كان البيت بالنسبة لي وللعمل الحزبي السري مثل خبز باب الأغا ..!

أقرب شخص إلى زهير كان المعلم سعد .

سعد خزعل الدجيلي شخصية طريفة وغريبة الأطوار نوعاً ما .

فهو لم يكن شيوعياً منظماً لكنه يقدم خدمات للحزب الشيوعي قل نظيرها حتى من شيوعيين . أخبرني زهير من أول مرة تعرفتُ فيها على سعد ، بضرورة عدم السلام عليه أو الوقوف معه إذا صادفته بالطريق ، لأنه معروف من جميع أفراد الشرطة والأمن . الشخص الوحيد في مدينة الناصرية يحظى بلقب : أشهر من نار على علم ..! يعرفه ليس فقط كل فرد من أفراد الأمن بل يعرفه أيضاً كل فرد في الناصرية من الناس الطيبين أو الشريرين وخاصة من المعلمين والطلاب .

حين سألته عن السبب عرفتُ أن سعد نذر نفسه لمساعدة كل موقوف في مركز الشرطة وأصبح بنظر الجميع معروفاً عند الحكومة والشعب أن سعد خزعل ( مسؤول عن متابعة حقوق المعلمين الموقوفين ) يتابعهم في المركز خطوة خطوة ، يكتب العرائض لمن يشاء ليقدمها إلى قاضي التحقيق . يتصل بهذا المحامي أو ذاك لتوكيله عن هذا الموقوف أو ذاك . يساعد هذا أو ذاك من الموقوفين المحتاجين بمساعدات بسيطة تصل إلى حد أثمان الجكاير أو وجبة كباب ..! أحياناً يقدم بجامته لموقوف لا يملك مثلها . يقوم بنقل الرسائل السرية والعلنية بين الموقوفين وأهاليهم .

لا يوجد أحد من سكان الناصرية لا يعرف صلة سعد بمركز الشرطة وكأنها صلة رسمية . حتى أن الشرطة أنفسهم يكلفون( سعد ) بالكثير من حاجات الموقوفين سواء في الذهاب معهم إلى المحاكم أو المستوصف ، أو في أبلاغ أهل الموقوف بحاجته . ظل عمله كرئيس للجنة الدفاع عن حقوق المعلمين التابعة إلى نقابة المعلمين إلى حين اعتقلوه وزج في سجن العمارة وصار المعتقلون في الناصرية بعد ذلك بلا نصير .

كان سعد يتابع احتياجات كل سجين مهما كان انتماءه حتى المعلمين والطلاب وغيرهم من البعثيين يلبي حاجاتهم ويدافع عن حقوقهم يوصل إليهم الطعام والملابس والسيكاير . لم يتخلف حتى عن تقديم المساعدة إلى صلاح عمر العلي وطه الجز راوي اللذين أبعدا إلى الناصرية .

كل صلة يحتاجها الموقوف مع مأمور المركز تتم عن طريق سعد .

كل صلة يحتاجها المركز مع أهل الموقوفين تتم عن طريق سعد .

هذا ما تذكرته الليلة وأنا أفكر بموعد مغادرة زهير الدجيلي في التاسعة من صباح الغد .

إنها محنتي الشخصية أكثر من أي شيء آخر ، إذ ستكون خسارتي كبيرة بإطلاق سراح زهير خزعل الدجيلي ..! .

كان زهير شخصية من نوع خاص مختلف عن سعد ليس فقط بمستوى ثقافته السياسية أو الحزبية ، بل من ناحية خطورته على الحكومة وعلى إجراءاتها القمعية اللاديمقراطية .. فالشرطة السرية في الناصرية تراقبه ، وتراقب صلاته خاصة في الليل . لذلك كنا نلتقي ، معاً في النهار بحذر شديد وببيوت غير معروفة للشرطة ولا مكشوف نشاط أصحابها ، أما لقاءات الليل في الاجتماعات الحزبية أو غيرها فقد كانت حركة زهير مصحوبة أو مسبوقة بإجراءات تمويهية . الحاجة ماسة إلى حركة واسعة من الاتصالات والاجتماعات لإعادة بناء التنظيمات التي اهتزت وتفركش بعضها بسبب الهجوم البوليسي الضاري على عدد من مناضلي تنظيمات الأطراف في سوق الشيوخ وفي الرفاعي والشطرة وغيرها . وإثر الهجمة وما صاحبها من دعايات حزب البعث والقوميين والإقطاعيين وبعض رجال الدين بأن الشيوعية ستفنى بالناصرية عن بكرة أبيها بعد صدور فتوى الأمام محسن الحكيم وغيره ممن أعتبر الشيوعية كفراً وإلحادا ..

انقطاع الرفاق عن تنظيماتهم كان ظاهرة واضحة وواسعة و كثيرة ، وقد دب الخوف بين بعض الأوساط ، كما كانت ترد بعض الاستقالات من الحزب أيضاً . كانت هجمة خطيرة من السلطة ، واسعة شملت تنظيمات الحزب في مدن العراق كافة . وبدأت أثر ذلك انسحابات كثيرة من الحزب بحجج مختلفة إلى جانب التأثير السلبي في بعض سياسات الحزب أو مواقفه من سلطة عبد الكريم قاسم .

ما يتعلق بهذه الظاهرة كانت في الناصرية قد شاعت ظاهرة الاستقالة من الحزب ، سرت بين أوساط المدرسين والمعلمين وبعض المثقفين أيضاً . أورد بهذا الصدد مثال استقالة عزيز السيد جاسم الذي كان زهير الدجيلي منشغلاً بها في نفس الوقت الذي وصلتُ فيه إلى الناصرية . في تلك الأيام وما قبلها شغل عزيز مسؤولية اللجنة الطلابية وهو الفتى النشيط والمثقف القادم من مدينة الرفاعي للدراسة في دار المعلمين بالناصرية وكان شأنه شأن أبناء الريف الآخرين يرتدي الدشداشة حتى في المدرسة ، لكنه متوقد الذهن يواصل القراءة ليلاً ونهاراً ومعه ثلاثة أو أربعة من الطلاب الآخرين يتمتعون بحس جدالي ورغبة مستمرة في مناقشة ما يسمعونه ويقرءونه من آراء قد تكون مخالفة لرأي الحزب أو متعارضة مع سياسته . رفع عزيز رسالة ، أو أكثر ، ينتقد فيها سياسة الحزب إزاء نظام عبد الكريم قاسم معتبراً موقف الحزب مهادنة لأخطاء وكوارث البورجوازية الوطنية والاستسلام لسياستها ويعتبر أي تحالف مع عبد الكريم هو موقف خاطئ . لم تنفع جهود اللجنة المحلية معه ولم ينفع اجتماع معه عقده موفد المنطقة الجنوبية شاكر محمود البصري ، كما لم ينفع اجتماعي معه في آخر الأيام على ثنيه عن موضوع الاستقالة والرجوع عنها ، فأصر عليها منقطعاً عن التنظيم ولم يخلو ذلك من تأثير سلبي ولو محدود على تنظيمات اللجنة الطلابية في الناصرية وعلى التنظيمات الفلاحية في الرفاعي فقد كان ( السيد ) أي عزيز معروفاً في أوساطهم رغم صغر سنه .

إذن أن مهمة الرفاق الأربعة الذين يكونون أصغر لجنة محلية تقود العمل الشيوعي في الناصرية وسط مصاعب حقيقية بعد اعتقال طعمة مرداس وانتقال صاحب حميد إلى البصرة .

أول مهمة هي إيقاف البراءة من الدخول إلى مركز الشرطة حيث يرتفع عدد المعتقلين كل يوم وهم مهددين إما بالتوقيع على صك البراءة من الحزب الشيوعي وأما السجن في نقرة السلمان أو في سجن بعقوبة .

كان زهير الدجيلي نشيطاً في لقاء هذا أو ذاك من الشيوعيين الهاربين من أنظار الشرطة وكان دائم الاستهانة بغباء الشرطة العلنية وحتى السرية . قضينا أياماً وليالٍ طويلة في عمل مشترك تحول إلى صداقة يحسدنا عليها الجميع من الرفاق الآخرين ، كما امتدت صداقتنا وتعززت في سجن نقرة السلمان كذلك أمتد ( الحسد ) إلى هنا أيضاً ..!

في ليالي الناصرية تلك ، وقد أحببتُ الناصرية وأهلها حباً حقيقياً ، تعرفتُ إلى حياة الفتى النشيط السريع الحركة ( بالمناسبة أقول أنني ما شاهدتُ زهير في أي يوم يمشي بطيئاً ) . لقد واجه في أوائل فتوته شجاعة الوقوف أمام محاكم نوري السعيد . أول مرة حكم عليه بالحبس وهو يسخر من جلاوزة الشرطة السرية الذين طالبوه بالتوقيع على صك البراءة فرفض بإباء في مواجهة قضاة المحكمة يوم عيد نوروز في 21 /3/1954 مفتخراً بدخوله إلى سجن بعقوبة المركزي ليمضي في عذاباته مدة سنة ونصف .

ما أن قضى فترة قصيرة بعد إطلاق سراحه حتى عاد تحت رقابة البوليس رافضاً رجاءات وتوسلات أهله بمغادرة المدينة الصغيرة الناصرية المكشوف وجهه فيها لكل شرطي ، ليضيع وجهه في بغداد المدينة الكبيرة ، مؤكداً لوالدته ولأهله كلهم أنه لن يغادر الناصرية ولا شط الشطرة .

كانت أحداث تأميم قناة السويس تتصاعد حتى وصلت إلى حد العدوان الثلاثي على مصر في أواخر عام 1956 وكان صوته يدوي بأولى قصائده الشعبية في الشارع وخلال المظاهرات التي عمت شوارع العراق كافة بما فيها شوارع الناصرية ومدارسها .

ألقي القبض على الفتى زهير الدجيلي دون أن تحصل أجهزة الأمن على أية أدلة لحبسه أو تقديمه إلى المحاكمة فسيق مجنداً مع غيره من مئات الطلاب الشيوعيين والديمقراطيين إلى معسكر خاص في راوندوز في قلعة حجرية تقع بين جبل راوندوز وواديها ، وهو شكل مبتدع من أشكال سجن أو حجز من لم تتوفر أدلة كافية لحبسه .

تحسين الأوضاع المعيشية والصحية ومطالبة آمري المعسكر بتحقيق مطالب الطلاب ، وحين لم لم يستطع زهير الدجيلي أن " يكَعد راحة " حسب تعبير مدير القلعة إذ كان نشيطاً داخلها من أجل يتحقق ذلك أعلن إضرابه عن الطعام حتى الموت محرضاً الآخرين على الإضراب فتم اعتقاله مع عشرين طالباً آخر وتم تسفيرهم عام 1957 إلى سجن صحراوي صغير يقع بين مدينة الرمادي و H3 ولم يكن هذا السجن غير ثكنة عسكرية صغيرة مهجورة قيل أنها من مخلفات القوات العسكرية البريطانية حين احتلت العراق .

كانت الثكنة الصغيرة المهجورة عذاباً كبيراً بسبب موقعها الصحراوي ، قاسياً ليس فقط للسجناء السبعة والعشرين طالباً ومدرساً من خريجي كلية التربية آنذاك ، بل كان عذاباً أيضاً حتى لمدير الثكنة والجنود العشرة الذين أنيطت بهم مهمة حراسة السجن .

غير أن المعاناة المشتركة للسجناء وحراسهم جعلتهم أصدقاء يتبادلون الأفكار والرؤى والأخبار السياسية . كان من نتيجة ذلك الاتفاق ، لأول مرة في تاريخ السجون بالعراق ، بين السجناء جميعهم وحراسهم جميعهم ، على الهرب إلى الشام .

كعادته " لم يكَعد راحة " فقضى ليلته في نظم قصيدة شعبية محرضاً على نيل الحرية بواسطة الهروب ، ألقاها على تجمع الإفطار الصباحي بين السجناء والجنود فكانت مشجعاً على قرار الفرار الفوري من القلعة . وقد اتخذ القرار بإجماع الرأي والأصوات ونفذوه على الفور .

لم يسعفهم الحظ حيث ضيعهم دليلهم في الصحراء بين H3 ومدينة الزرقاء الأردنية التي كانوا على مسافة قصيرة منها حين طوقتهم قوات من الجيش العراقي التي كانت منتشرة في الصحراء للبحث عنهم بعد اكتشاف أمر هروبهم . ألقي القبض عليهم جميعاً بعد ثلاثة أيام من التيه والضياع في صحراء شاسعة مصحوبة بالعطش والجوع ورمال الصحراء العاصفة تعرضوا بعدها إلى سلسلة من التحقيق والتعذيب في القاعدة العسكرية H3 حيث كان يعسكر فيها الفوج الأول من اللواء 15 بقيادة عمر علي وهو يجري تمارينه ( فرضيات ) العسكرية فقرر إرسال السجناء إلى معسكر القاعدة الجوية في الشعيبة بالبصرة ليصبحوا سجناء جدداً في أحد المعتقلات تحت الأرض .

صدعت ذات يوم أركان السجن صبيحة 14 تموز 1958 بالهتافات ممجدة الثورة وارتفعت أصوات الطلاب والجنود مطالبين بإطلاق سراحهم فوراً . ولكن لم يطلق سراحهم إلاّ في 9/11/ 1958 أي بعد أربعة شهور من قيام الثورة .

من السجن في الشعيبة إلى وزارة الدفاع في بغداد لمقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم بناء على طلبه . نزل أليهم الزعيم من سلم مقره العلوي في الوزارة وهو مبتسم ومسرور فصافحهم واحداً واحداً وهم ما زالوا في تراب السجن والسفر . وقف خلفه بعض مرافقيه كان منهم المقدم الركن سليم الفخري . حياهم وحيا نضالهم مانحاً عشرة دنانير لكل واحد منهم أجرة الوصول إلى أهاليهم .

عاد زهير الدجيلي إلى الناصرية من جديد لمواصلة مرحلة أخرى من النضال الحزبي ليكون مسؤولاً عن مدينة الناصرية تحت أسم ٍ حزبي سري ( جاسم ) ليصل فيما بعد عام 1961 مسؤولاً عن اللجنة المحلية في لواء الناصرية .

أول لقاء عابر لي مع زهير الدجيلي كان في البصرة يوم اجتماعي بعدد من الكوادر الحزبية في المنطقة الجنوبية في ألوية ( البصرة والعمارة والناصرية ) العاملة في المجالات العمالية ، كان من بينهم زهير الدجيلي الذي تعرفتُ إلى ثقافته التراثية المفيدة في العمل الفلاحي بأكثر من فائدتها بالعمل العمالي . وحين عينني الحزب للعمل في الناصرية كان الوضع الفلاحي في الناصرية بحاجة ماسة إلى إعادة بناء تنظيمي وجماهيري وتعبوي بعد أن تراجعت السلطات آنذاك عن قرارات كثيرة تتعلق بقانون الإصلاح الزراعي ومشاكل الفلاحين ومطالبهم إذ بدأت معاناة الفلاحين من هذه ( الردة ) والبعض منهم ومن وجوههم القيادية راح يشك بسياسة الحزب الفلاحية وكفاحه من أجل قضيتهم العادلة .

أول أتفاق مع زهير الدجيلي كان زجه في العمل الفلاحي فراح يجوب مناطق الناصرية ، وسوق الشيوخ ، والعكيكة ، وكَرمة بني سعيد ، والشطرة ، والرفاعي حتى أطراف الهور في الدواية . كانت يوميات علاقاته مع فلاحي تلك المناطق من الحزبيين ومن الفلاحين الثوريين الفقراء تنطلق من قدرته التأثيرية العالية المليئة بالفولكلور الفلاحي والأمثال الشعبية والشعر والحكايات مما كان له الأثر الكبير في نجاحاته التي حققت إعادة علاقة الحزب مع الفلاحين وإعادة التنظيمات الحزبية في الريف .

لم يتركوه مواصلاً " قراءة أبوذيات " في أرياف الناصرية منسجماً مع عادات الفلاحين وموروثهم الفولكلوري وطائعاً لتقاليدهم فاعتقلته الشرطة في 1962 وحكم عليه فوراً بالسجن أربع سنوات اقتيد مثقلاً بها إلى سجن بعقوبة بينما كانت زوجته حاملاً . لم يمنعها الحمل من الاشتراك في مظاهرات تلك الفترة التي كانت تطالب بإحلال السلم في كردستان وبإطلاق سراح السجناء السياسيين فألقت الشرطة القبض عليها هي أيضا فسجنتهاً وولدت لهما أبنته البكر ( هدف ) داخل السجن .

وهكذا صارت أم زهير الدجيلي تبحث من سجن إلى سجن ومن موقف إلى آخر ترعى أولادها وحفيدتها وتتابع عذاباتهم لتخفف عنهم . كانت تحمل لأولادها ليس فقط المواد التي يحتاجونها بل غرضها الرئيسي هو إدخال المعنويات إلى قلوبهم بما كانت تنظمه من قصائد الشعر الشعبي الحماسي . فهي شاعرة تقول الأهازيج فطرياً معروفة في الناصرية وكانت لها علاقة قديمة مع الحزب الشيوعي تقرأ بياناته وكانت تروي لنا بعض الحكايات القديمة عن نضال الحزب في الناصرية وتوزع منشوراته . بعد إعدام الرفيق فهد كانت أهزوجتها في تمجيد سكرتير الحزب الشيوعي آنذاك :

يمهنّه وعرسك جدّامـــــــــــك كف الدنيه اتحنّه أبدمّك
تتراصف نجمــــــات ارفاكَك وياهن يتراصف نجمك
ما ننساها …. ها ها .. ها ها .. ما ننساها
هذي الهلهولة الصتّاها
شعب الشايل نعشك بيده .

عملت كعنصر نشيط في اللجنة الوطنية لأنصار السلام في الناصرية وشاركت في وفد حركة أنصار السلام الذي اجتمع مع عبد الكريم قاسم وكان الوفد برئاسة عزيز شريف . اعتقلت هي وأبنتها وولدها سعد عام 1963 فسجن في سجن العمارة ..

كان زهير الدجيلي قد وضع في زنزانة انفرادية غير بعيدة عن قسم من أقسام السجن يضم بعثيين من الذين أعتقلهم عبد الكريم قاسم بسبب إضراب الطلبة آنذاك .

ثم حصل انقلاب 8 شباط فمرت عليه وهو في سجن بعقوبة ليالٍ شديدة القسوة وهو يشاهد بعينيه مجزرة ضباط معسكر سعد في بعقوبة من الذين قاوموا الانقلاب ، يقتادونهم للتعذيب ليلاً وعند طلوع النهار يكونوا قد قضوا نحبهم. يسمع بأذنيه آلام المعذبين وصرخات المعدومين في قسم آخر من السجن ملاصق لزنزانته .

تلك أيام ثقيلة عليه كان يواجه نهاره بين الحد والحد ، يستفسرون عنه وعن سجناء آخرين لا يلعب في دور الحياة أو الموت بالنسبة لهم غير حد الحظ وليس غيره . وكان زهير الدجيلي من أصحاب الحظ لسببين : الأول أن الحرس القومي المسيطر على سجن بعقوبة لا يعرفون عنه شيئاً ، والثاني أن مدير سجن بعقوبة كان صديقاً لوالده وكان طيلة فترة وجوده وفياً لصداقته فأولى عنايته بزهير منذ دخوله السجن .

بعد الانقلاب كانت تتوارد البرقيات على مدير سجن بعقوبة ، كما السجون الأخرى ، سائلة عن زهير الدجيلي وغيره من أسماء كوادر الحزب الشيوعي حاملة الاستفسار عن مصيرهم ، وفي حالة إجابة أي سجن عن وجود الكوادر فأنهم ينقلون فوراً إلى مقرات الحرس القومي لتعذيبهم وقتلهم أو انتزاع اعترافاتهم .

كان مدير سجن بعقوبة ينفي وجود زهير الدجيلي مثلما نفى وجود شيوعيين آخرين . ونقل زهير إلى سجن الرمادي.

كانت أم زهير وأخته في موقف الناصرية . يسألونهن عن زهير فكان جوابهن أمام الحرس القومي : لا نعرف ..

كذا الحال مع زوجته التي كانت في سجن النساء ببغداد لها نفس الجواب : لا أعرف .

انقضت الشهور التسعة الرهيبة فنقل في بداية عام 1964 إلى سجن نقرة السلمان فحط فراشه وأغراضه في القاووش رقم 6 بادئاً من جديد اهتمامه بنظم الشعر الشعبي الذي كان يلقي غالبه في ندوات يوم الاثنين التي كان يديرها فاضل ثامر بينما يلقي مظفر النواب أغلب قصائده في ندوات يوم الخميس التي يديرها الفريد سمعان .

عادت علاقتي به إلى سابق عهدها في أيام الناصرية نتحدث عنها وعن معاناتها وآلامها حتى صدور قرار اللجنة الحزبية السجنية بتشكيل ثنائي كتابي متكون من جاسم المطير وزهير الدجيلي لانجاز مشروع خاص .

ما المشروع أيها الرفيق سامي ..؟

هكذا وجهنا السؤال إلى سامي احمد العامري .

بعد يومين جاء جوابه في اجتماع خاص : أن الحزب يوكل إليكما مهمة جمع المعلومات من جميع المعتقلين وكتابة القصص عن قضايا التعذيب والموت والإعدام في سجون ومقرات الحرس القومي ، لكي تذاع من إذاعة صوت الشعب العراقي أولاً ومن ثم توثيقها لدى المنظمات والمحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان وبقضايا السجناء السياسيين في العالم أجمع .

في حديث سامي احمد معنا أورد ذكر الفنان النحات جواد سليم واهتمامه بقضايا السجين السياسي العراقي فذكر لنا عن مشاركة جواد سليم في أول مسابقة دولية للفنون التشكيلية أقيمت في لندن عام 1952 أفلح فيها الشاب العراقي جواد سليم بنيل الجائزة الرابعة عن تمثال قدمه بعنوان ( السجين السياسي ) وقد نال بوقته أعجاب ثلاثة آلاف فنان من أنحاء العالم شاركوا بالمسابقة إضافة إلى صدى التمثال على عشرات الآلاف من المشاهدين الآخرين .

وضح الهدف من تذكير سامي أحمد فلا بد من إيصال صوت السجين السياسي العراقي في هذه المرحلة إلى العالم كله ولينطلق الصوت من أعماق سجن " نكَرة " السلمان .

هذا هو المطلوب يا سامي .. أليس كذلك ..؟

نعم هو المطلوب بذاته .

بدأنا العمل ونحن مخولين بأخذ المعلومات من جميع السجناء الذين مروا بقصر النهاية أو بالسجون والمعتقلات الأخرى .

أول أنجاز تم خلال أسبوع كان عنوانه : نداء الحقيقة .

أذيع ( نداء الحقيقة ) من إذاعة صوت الشعب العراقي . النداء مصحوب بكراس صغير تضمن معلومات إحصائية عن السجناء السياسيين في العراق وأوضاعهم المعيشية والصحية المتدهورة .. أنه نداء القلب صادر من سجناء نقرة السلمان موجه إلى قلوب الأحرار في كل أنحاء العالم . قام مكتب الفيلسوف البريطاني برتراند رسل بترجمة النداء ونشره في أنحاء مختلفة من العالم .

وصل صوت السجناء قوياً معززاً بحقائق الجريمة المرتكبة بحق أحرار العراق المنتشرين تحت ظلام السجون إلى أحرار العرب والعالم .

الحمد لله أننا أنجزنا عملنا المشترك في الأسبوع الماضي .

هي خلاصة تقارير السجناء أنفسهم .

وعلى ضوء عملنا المشترك بدراسة تقارير ورسائل ويوميات كثيرة كتبها السجناء بأنفسهم عن مشاهداتهم لإجراءات التحقيق والتعذيب التي مروا بها أو شاهدوها بأم أعينهم وصار فخرنا ، أنا وزهير ، انجازاتنا القصصية التالية :

ــ كتابة 150 صفحة عن معتقل قصر النهاية بعنوان ( مقاصل قصر النهاية ) تضمنت روايات رهيبة عما جرى في قصر النهاية من يوم 8 شباط 1963 حتى يوم 18 تشرين الثاني 1963 زمن حكم الفاشية البعثية .

ــ مجموعة قصصية بعنوان ( عشر نساء في غابة ) عن مقتل وتعذيب عشر نساء اعتقلن في قصر النهاية ..

ــ قصة طويلة بعنوان ( دماء على بلاط القصر ) وذلك عن تعذيب الشهيد سلام عادل ( 80 صفحة )

ــ 200 صفحة فولسكاب بالحرف الناعم عن تعذيب 25 شيوعياً وديمقراطياً في مقرات مختلفة من مقرات الحرس القومي عنوانها ( عاصفة الجريمة ) .

وغيرها من عشرات الصفحات المكتوبة بالأحرف الناعمة التي نستخدمها في المراسلات الحزبية السرية .

كلما نسمع ما يذاع أو ينشر أو يكتب عن نداءات الحقيقة التي حفرنا سطورها بليل النقرة ونهارها كنا نغدو ، أنا وزهير الدجيلي ، أسعد إنسانين في العالم .

هذا هو زهير الدجيلي أمامي وأمام الآخرين المحتفلين بخروجه غداً من الظلام إلى الحرية إلاّ أنا كنتُ مغموماً إذ لا يوجد بعده شريك حميم لهمومي في هذا المكان .

ولكن ، أيتها الحرية كم أنت جميلة .. زهير أمانتي عندك ..

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)  
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس