جاسم المطير
الأثنين 27/10/ 2008
نقرة السلمان
(31)جاسم المطير
فكروني .. أم كلثوم في نقرة السلمان ..!
أول أمس وصلتني رسالة كريمة من والدتي ومعها مبلغ نقدي مقداره خمسة دنانير .
الرسالة تقول أنها مريضة لم تستطع المجيء بالموعد المقرر رغم أنها استحصلت الموافقة من مديرية السجون العامة على المواجهة الشهرية .
مشكلتها الرئيسية هي البريد الحزبي وبعض الصحف كانت جاهزة . ما العمل إذاً ..؟
لا مشكلة طالما الأمهات جاهزات .
جاءت أم شاكر محمود بدلاً عن أم جاسم مطير . بل جاءت تحمل جنسية أم جاسم وهويتها وورقة الموافقة الرسمية على زيارة نكَرة السلمان .. الموافقة كانت بأسم وردة عباس التي هي أمي . . الزائرة الحقيقية هي بدرية أم شاكر..
من بين جمع غفير من المواجهين كان وجهها يطل بحزمة ضياء شعرت به يجذبني بسرعة نحوها . قبلت جبين سموها الحزبي وأحتضنت محيط جسدها النحيل فشممتُ منها رائحة المنشورات الحزبية ورائحة والدتي ورائحة أبنتها الحبيبة سميرة .
بسرعة انتشر خبر وجودها .. وجود أم شاكر محمود البصري الهارب من سجن السلمان ..
يا للمخاطرة .. راح جمع من المواجهين يتهامس ويحدق بوجه هذه الأم الجسورة ..
أستثارت فضولهم المرأة القصيرة القامة لكن المهيبة صاحبة المقام الأرفع بين المواجهين لأنها أم سجين هارب ولأنها بلا شك تحمل بريد الحزب الشيوعي أو توجيهاته . . طفق بعضهم يشرأب إليها ليقتنص منها نظرة أو لمحة أو أبتسامة .
لأول مرة أرى أم شاكر محمود البصري دائمة الابتسام خلال فترة مواجهتي لها . أول سؤال سألتها :
ــ كيف حال صاحبنا ..؟
ــ لا يزال يناضل ..
هذا هو جوابها الدائمي لكل من يسألها عن حال أبنها . حتى الشرطة حين يستفسرون منها عن أخباره وهو مختفٍ عن أنظارهم ، لا تجب على أسئلتهم بشيء غير : لا أعرف عنه شيئاً .. لكنه يناضل ..
لم تذرف دمعة واحدة كما في مواجهات سابقة . كانت معنوياتها مرتفعة قليلاً . صافحتني وقبلتني بحرارة مرات عديدة ومحبة كأنها تريد التعويض عن وجود والدتي ثم راحت تؤكد باختصار صحة الاخبار التي انتشرت بين المواجهين بعد دقائق من دخولهم بأن أطلاق سراح السجناء بات وشيكاً ، وقد قلبت هذه الاخبار السجن كله رأساً على عقب .
شكرتها بعد أن زودتني بالبريد الحزبي ، ومن يد الى يد ، دخل البريد ( السري ) كالعادة الى السجن خلال دقائق معدودات بينما أبقينا كل أشكال البريد العلني بما فيه الصحف البغدادية الى حين دخولنا ، ومعها اليوم وجبة غذائية مهمة شاهدت من بينها قنينة عسل . يا ألهي كم أحب العسل وها هو يأتيني من جديد بعد انقطاع طويل .
دامت المقابلة اربع ساعات عرفت منها كل شيء عن البصرة ونهوض التنظيمات الحزبية وعن استمرار ضغط الوفود النسائية على السلطات المسؤولة لإطلاق سراح السجناء السياسيين . وغير ذلك من أخبار بغداد .
كتبت ، على عجل ، رسالة جوابية الى والدتي وقبلتُ وجنتي أم شاكر وودعتها بعد أن نزلت دمعتان من عيني . . قبل مغادرتها بقليل جاء سامي أحمد لتوديعها ثم سلمها رسالة صغيرة الى قيادة الحزب في بغداد ..
الصحف لا تصلنا بالبريد . لذلك فأن المجموعة التي ارسلها لنا الحزب أو شاكر محمود كانت غير قليلة أطلعنا عليها بنهم شديد متناقلة من قاووش الى آخر ومن يد الى أخرى كأنها الشيء الحبيب الى جميع نفوس السجناء لا يقدر بثمن .
قضيتُ هذا الصباح في أجراء الامتحان الأسبوعي لطلابي الذين أدرسهم في صف ( الأقتصاد السياسي ) . أنه أمتحان مختلف عن الاشكال التقليدية في المدارس والكليات . أمتحان أبتدعته بنفسي يجبر الطالب على تسريع الاستيعاب وتحفيزه . امتحان شفهي وتحريري في آن واحد . أستقبله الطلاب كنوع غريب في البداية لكنهم سرعان ما وجدوه قادراُ على تنشيط ذهنية الدارسين .
كان يقال سابقاً أن الامتحان أمر غير محبوب للطلاب لكن طلابي صاروا يلحون على الامتحان اليومي بالطريقة المبتدعة ..
اليوم وزعت شهادات النجاح للفصل الاول من السنة . كان المتفوق سليم الفخري ، والناجح الثاني كان شاكر محمد العبد الله من أهل البصرة . ونجح جميع الطلاب ( عددهم 15 طالباً ) من دون وساطة ولا ( قوبية ) . هذا ما جعل الجميع يعتقدون أن وقت السجناء لا يذهب سدى .
أكثر ما يواجهه السجين هو ( ضيق النفس ) واسوداد النظرة الى المستقبل ، والتشاؤم إزاء كل شيء ومن كل شيء ، خاصة إذا ما كان وقت الفراغ طويلاً .
في أوقات الفراغ يساورني ، مثلما يساور كل سجين ، الكثير من الأفكار التي تقود وتؤدي الى حالات اليأس والانكسار الشخصي والألم الداخلي الحاد ، وألأنطواء على النفس .
في بعض الاحيان يكون الغم طاغياُ على السجناء . ويكون هذا الغم عنيفاً وعدوانياً في بعض الاحيان وقد يؤذي السجناء إذا مارسه أحدهم ، لهذا السبب أو ذاك . وقد حدث ذلك عدة مرات .
حالات الغم تصعد الى سطح العلاقات اليومية بعدوانية ، إن صح التعبير ، بعد أوقات المواجهات الشهرية بين السجين وعائلته أو بعد سماع أخبار تحبط آمال اطلاق سراح السجناء السياسيين أو لدى السجناء الذين تصلهم أخبار ومشاكل ومعاناة عوائلهم ، النفسية أو المالية أو علاقاتهم الزوجية . ففي مثل هذه الحالات يجلس السجين ، لوحده أو مع أقرب أصحابه ، يتحدث عن حربه ضد الطغيان متفاخراً بتاريخه النضالي ، وهو دائم الابتسام ويصر على حمل مدفعيته على ظهره الى حين تغيير الأوضاع في المستقبل من أجل الحرية والديمقراطية .
بعضهم يهز رأسه . يلوم نفسه ويلوم عبد الكريم قاسم وعلى كل ما فات . يلقون اللوم على الحركات السياسية التي لم تتصرف أزاء الأحداث التي مرت بالبلد من دون وعي أو بوعي ناقص .
كثير من اللوم يلقى على عاتق الحزب الحزب الشيوعي ، أيضاً ، الذي ارتكب أخطاءً وبعضهم يعتبره تساهلاً مع سياسة عبد الكريم قاسم المترددة . كثير من السجناء العسكريين يوجه النقد الشديد للحزب الشيوعي الذي كان خلال الفترة 59 ــ 63 يرفض اقتراحاتهم باستلام السلطة من عبد الكريم أو أجباره بالقوة على تغيير سياسته باتجاه تحقيق الديمقراطية للشعب . العسكريون يقولون أن بامكانهم استلام السلطة بدون اراقة دماء . كثير من السجناء لا يغمض لهم جفن حين يسمعون انتقادات من سجناء الى حزبهم . أنا أيضاً أنزعج منها لكنني لا اغلق الأبواب بوجهها. أصغي اليها حتى ولو يطرق الناقد بشدة على اقفال السياسة الحزبية في زمن الردة التي احدثها عبد الكريم قاسم قبل ردة البعثيين . الحقيقة أنني أسمع قصصاً ووقائع وخاصة من الرفاق العسكريين وكأنها حكايات واردة من بلاد الجن.
كل هذه الافكار وغيرها من مثيلاتها تنعكس بسلبياتها على أعماق السجناء فيستولي عليهم سأم قاتل . بأختصار أن أغلب الهم والغم والكآبة يأتي الى السجين مستورداً من خارج السجن ، من العوائل نفسها ، عبر الرسائل والمواجهات ، أو من أخبار سلطة وجمهورية عبد السلام عارف التي تتحدث زيفاً وزوراً عن الحرية والديمقراطية بينما هي مطبقة على آلاف السجناء ترفض تحريرهم بعناد وشدة .
بعض العوامل الطبيعية تؤثر على الوضع النفسي والصحي والاجتماعي . بل أن بعضاً من هذه العوامل يزيد حياة السجناء بشاعة وقساوة .
في الصيف مثلاً تشتد المعاناة بسبب ارتفاع درجة الحرارة الى معدل يقل بدرجة أو درجتين عن الخمسين مئوية . لا يطاق العيش في ظلها بأي صورة من الصور . في هذا الوقت يندف السجناء الى التأوه والتذمر والشعور بمرارة الاوضاع كلها . لا يسمح للسجناء لا باستخدام أجهزة التبريد صيفاً ولا باستخدام المدافيء شتاءً حتى حين تنزل درجات الحرارة تحت الصفر . تواجه الصحراء التي نحن في وسطها أوقاتاً كثيرة يكون فيها الغبار مسيطراً على الجو لأيام عديدة يحيل فيها حياتنا الى جحيم حقيقي . من خلال مراقبتي للجو أكتشفتُ أن العواصف الترابية تأتينا بهجومين رئيسيين في السنة الواحدة . الهجوم الأول يشن علينا في نيسان حيث يكون الغبار كثيفاً بعد الأسبوع الأول منه ويستمر حتى نهايته إذ يبدأ الجو بالتحسن والانكشاف تدريجياً فتصحو السماء بعد ذلك الى درجة تكون فيها النجوم في السماء واضحة حتى لضعيفي النظر . يقال عن عواصف نيسان الترابية في ثقافة أصدقائنا من البدو بأنها من تأثيرات " غياب الثريا من السماء " .
أما الهجوم الترابي العاصف الثاني فيأتي خلال أيام شهر آب حيث يستمر أسبوعين وأكثر . الغبار فيه كثيف أيضاً لكنه يميل الى اللون الأحمر العميق كلون الغرين في نهر الفرات . ويقول البدو أن العاصفة تأتي ترحيباً بــ"طلوع الثريا " وفعلاً نراها معلقة في وسط السماء حالما يصفو الجو في أوائل أيلول . في الهجمتين يعاني السجناء المرضى بالربو حالات خطيرة من الاختناق مما يزداد معه نشاط الاطباء السجناء ليلاً ونهاراً لأنقاذ حياة السجناء ، وبعضهم ينقلون الى مستشفى الديوانية .
الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن العناصر المعيشية السيئة والأزمات الفردية ووجود أو قيام بعض الصراعات الداخلية بين السجناء وطبائع ومزاجات بعض الأفراد أو بعض عاداتهم السيئة والجافة والعنيدة في بعض الاحيان ، كلها تكون مصدراً للضعف وقتامة الرؤية وحالات البؤس واليأس والكآبة والضجر والصراخ وحتى العراك بالبوكسات ( أحياناً ) وحالات النوم القلق والتعرض للأمراض السايكولوجية العنيفة أو العدوانية وغيرها من الحالات التي يسهل اكتشافها ويصعب علاجها .
كل شيء صعب هنا ويزداد قساوة كلما مرت الأيام من دون اطلاق سراح السجناء .كل قساوة تولد أخرى . لكن ما يخفف ذلك هو وجود ألوان أخرى زاهية في طيات الحياة السجنية ذاتها . مما يخفف الآلام حقاً هو نشاط اللجنة الثقافية بتنظيم الندوات الأسبوعية ووجود مكتبة في طور النمو تضم منتخبات مهمة من الأدب الكلاسيكي ، ومن المصادر السياسية الرئيسية . ومن كتب ماركسية وشيوعية عديدة . توجد بعض الكتب الدينية ، القرآن والكتاب المقدس موجودان أيضاً . إضافة الى ذلك فالراديو الذي يتوفر بكثرة بأيدي السجناء يحرصون على إخفائه عن أعين وأسماع السجانة بصعوبة بالغة هو وزميله " المسجل " الممنوع دخولهما الى السجن منعاً قطعياً لا تتجاوزه إلاّ " الرشوة " المدفوعة الى بعض السجانين الطيبين المتعاطفين مع السجناء . بصورة عامة أقول أن للراديو دوراً في تخفيف بعض الثقل النفسي من على كاهل السجين .
أنا شخصياً أبتعدتُ عن اجترار الآلام وتكديس الهموم داخل النفس . ما فائدة الأجترار والتكرار .. ما فائدة تكديس الآلام ومراجعتها ونحن في هذا المكان فليس في ذلك غير رؤية أرتال كبيرة من الجراد في سماء السجن إذا ما أمعن السجين في النظر الى آلامه . التكديس في مثل هذا المكان ليس فيه لنا أي قدرة على تغيير حياتنا . ليس بأمكاننا غير تبادل الأسئلة والأجوبة التي لا توصلنا بالنهاية لغير العجز أمام المجهول .
المنظمة الحزبية لم يغب عن بالها هذا الجانب فتقوم بين آونة وأخرى بحملات تثقيفية .لأطفاء غضب الغضبات الهوجاء التي تنطلق بين فترة وأخرى نتيجة تصريح لعبد الناصر أو عبد السلام عارف لا يرضاه السجناء .
انتهجتُ لنفسي مذهباً خاصاً .. أصاحب كل سجين . أصغي لكل رأي . أهديء كل خاطر . هو في الحقيقة نفس سلوك سامي أحمد ، وخضير عباس ( أبو ماجد ) كما أنه بنفس مرونة كاظم فرهود ( أبو قاعدة ) . اتعلم منهم ومن الجميع كل الصفات المحمودة وبذلك أجد أغلب الآلام تنهزم من روحي بالإنهماك في الاشياء التي تبعث سروراً عميقاً في داخلي من خلال الارتباط مع الآخرين بمودة خالصة . أنني أجد في الكتاب خير سلوى وخير وسيلة للتخلص من السأم . اللذة التي أشعر بها خلال القراءة هي لذة خفية طالما طافت بي وبقلبي وطوفتني بأحلام كثيرة .
أعتقد أن هذه الليلة ستكون " ليلة خاصة " تمر بنا مرة كل شهر عبر إذاعة القاهرة .. إذ يذهب عنها الجو الليلي الخانق المعتاد والمتكرر . ربما يذهب عنها الغم لبعض الوقت عن أغلب السجناء . من يدري ربما يأتي أثناءها الى بعض أو أغلب السجناء . عموماً سيذهب بعض الغم وبعض الشر .
في تمام الساعة الواحدة ظهراً وقفتُ بباب المطبخ . فأنا اليوم مسؤول ، بحكم واجبي الأسبوعي ، عن استلام وجبة الغذاء في سطلين نظيفين حصة القاووش رقم 4. الأول مخصص لنقل الرز . الثاني مخصص للمرق . أما الخبز فنستلمه قبل الواحدة بربع ساعة .
نقلت وجبة الطعام من المطبخ الى القاووش بصعوبة ، بسبب مرضي ، وقد رفضتُ مساعدة المتطوعين من الرفاق والاصدقاء الذين غالباً ما يتكرمون فيعرضون علي " عونتهم " ومساعدتهم لأنجاز شأن من شئوني الشخصية .
سلمتُ وجبة الغداء الى مسئول القاووش الرابع الذي وزع الأكل بالمساواة التامة بين السجناء . وتذكرتُ ، مرة أخرى ، أن السجن هو المكان الوحيد الذي يتساوى فيه غذاء الفقراء والأغنياء . تناولتُ الغداء على الفور مع مجموعتي المتكونة مع أربعة رفاق آخرين . إذ يلذ لكل واحد منا تناول الأكل الجماعي .
جرى حديث المائدة حول الحفلة الغنائية الشهرية لأم كلثوم . تم الأتفاق بين مجموعتنا على قضاء سهرة الليلة مع الأغنية . نفس الحديث ونفس الاتفاق قد تمّا بين مجاميع كثيرة مثلنا . بدا لي من التحضيرات والاستعدادات إن أغلب السجناء قرروا مصاحبة ام كلثوم سيدة الغناء العربي ، كما كان بعضهم يسميها . أكثر السجناء يتذوقون اغاني أم كلثوم . بعضهم يهوى أغانيها القديمة . آخرون يحبون سماع اغانيها الحديثة فقط . لكل سجين هواه الخاص . حتى الفلاحون السجناء يجدون في الاستماع لأم كلثوم متعة حقيقية برغم ان آذانهم لا تؤججها غير اغاني داخل حسن وناصر حكيم وحضيري ابو عزيز ومظفر النواب وسعدي الحديثي .
بدا السجن رحيباً متحركاً طوال النهار .
اضطررت ان اترك إكمال كتابة هذه الصفحات كما تركت الى الغد مشروع كتابة رسالتي الجوابية البريدية الى والدتي . كل شيء يتحرك اليوم بسرعة داخل جميع القواويش . كثير من السجناء يتحرك بفرح ومرح .
نظرت الى كل زوايا السجن الكبير ، والى جوانبه ، والى ساحاته المتعددة . من حركة السجناء استوحيت شيئاً من الفرح الحقيقي على الوجوه ، ومن السعادة الحقيقية في القلوب كما أظن .
ها هم يبتسمون .. كل واحد يتحدث مع الآخر ويتذكر مواهب الفنانة وقدرات صوتها التي لا تحدها حدود في الغناء العربي كله . آخرون يتحدثون عن أغانيها الوطنية عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر . كما لم تسلم من شتيمة بعض السجناء عن تسرعها في عمل اغنية خاصة يوم 8 شباط بعد استلام البعثيين لسلطتهم بطريق الغدر والقتل .
حديث اليوم كله يجري عن الفن عموماً ..
كثيراً ما أثارت أم كلثوم بأغانيها الشهرية جدلاً وأختلافاً بين السجناء مثلما يحصل خارج السجن أيضاً . لكل مستمع نظريته وأفكاره عن الأساس المعتقدي لموقفه في نقد أغانيها أو الدفاع عنها .
عدد آخر من السجناء له مواقفه الجانبية المحددة خارج المنظور الواقعي لمحاولات أم كلثوم ودورها في تطوير الأغنية العربية . بعضهم يعتقد أن اغاني ام كلثوم ، مثلما هو اعتقادي ، إن اغاني أم كلثوم هي أداة صغيرة لأرضاء النفس وإيقاف زحف الكآبة على السجن والسجناء . بعضهم يجد في اغانيها أداة كبيرة لجلب الكآبة واستيرادها من مصر الى سجن نقرة السلمان . آخرون وربما هم أقلية يعتبرون الساعة التي تغني بها أم كلثوم ليست سوى مضيعة للوقت وخالية من احتمالات المعالجة النفسية لأي سجين . بعضهم يقول بتطرف أن أغانيها تافهة لا قيمة لها غير صرف الجماهير العربية عن النضال الحقيقي، فأم كلثوم هي المخدر العربي الذي تسمح باستعماله جميع الحكومات العربية ، التي تؤذي عند نهاية المطاف الحس والذوق والصبر وكل النوافذ المفتوحة امام المعارف المنقولة الى دواخل السجين السياسي الذي لا يعترف بحقيقة أن الأستماع الى صوت ام كلثوم هو أحدى وسائل المتعة ليس غير.
لم أرغب في التعمق لدراسة هذه الأفكار ، ولا أرغب في دراسة تفاصيلها . أكتفيت فقط بتحديد مشاركتي مع الرفاق والاصدقاء في سهرة الليلة ، كما كنا نفعل في بداية الخمسينات أيضاً أيام كنا مطلقي السراح في البصرة حيث نستمتع بصوتها وبالكؤوس الصغيرة من البيرة والواين والويسكي في جلسات صغيرة داخل بيت من البيوت ..
الميزة الاساسية للأستعدادات التي جرت صباحاً وظهراً أكدت ظهور مشاعر إيجابية واضحة لدى الأغلبية من السجناء . هذه المشاعر اصبحت بمثابة التوكيد العملي والانساني في محاولة السجين للتوجه الى الفن ، والموسيقى ، والشعر المغنى كواحد من وسائل الخلاص من الفراغ .
خلال جوالي بين الأصدقاء وجدت كل واحد يروي لصديقه قصة من قصص الغرام أو الحب . قد تكون الروايات خالية من التنسيق ، لكن القلوب تضطرب إذا كان في القصة فاجعة عنيفة شخصية أو غير شخصية . كل خيال يتحرك بقوة أمام القصص غير الاعتيادية . أحياناً أدرك أن عنصر الخيال يموت في السجن ، وأحيانا ألمس انه ينمو مع المحبة والصبر .
في الشوط الأخير من الجوال والمشاهدة توصلت الى أن خيال السجين الشيوعي يحمل دلالات واسعة لتغيير الواقع والحياة الانسانية كلها ، مثلما يحمل رغبات وآمال متعددة .
احتفلت الغالبية من السجناء بعيد أغنية أم كلثوم ( فكروني ) . وضعت الراديوات بأقل صوت ممكن كي يستمع اليها السجناء الساهرون من دون التأثير على راحة الآخرين غير الساهرين . أثار انتباهي أن أغلب السامعين ترقرق الدمع بعيونهم رغم أن الأغنية أطربتهم .
الاغنية لم تصنع معجزة فنية أو معجزة شعرية ، لكنني واثق بأن مشاعر السجناء تصادمت مع ذكرياتهم المتنوعة فقد خضع الجميع لحركة الضرورة الشاملة في استذكار ما مضى من الايام ، سواء في سعادتها ، أو مرارتها ، مع الحب والاحباب والمحبين .
الاغنية بديعة حقاً .. خلبت الألباب . شعرنا جميعاً أن شيئاً ما من خارج السجن قد أقتحم قلوبنا بالذات . شعرنا أن الطيور غردت بكلمات الحب في هذا الصباح .. اغصان حديقتنا الصغيرة بجانب قاووشنا تنشر ، الآن ، من كل شكل بهيج ومن كل لون بديع .
قبل قليل كان خالد حبيب قد زارني معيدا بعض الكَلاصات التي اخذها مني في الليلة البارحة وهو يرتدي بيجاما جديدة كنت قد اهديتها له قبل شهرين.. كان فرحا بثلاثة اشياء بالسهرة والبيجاما وبالحديث عن ام كلثوم التي تحدث عنها مسرورا عن زيارتها الى العراق عام 1932 حيث احيت خلالها عدة حفلات غنائية في بغداد وذكر ان الشاعر جميل صدقي الزهاوي حضر حفلتها الاولى وحياها بقصيدة مطولة اعجبتها كثيرا ..
انشد خالد حبيب بعض ابياتها كان قد كتبها بورقة اخرجها من جيب البيجاما :
يا أم كلثوم إنا أمة رزحت تحت المصائب أجيالاً فسلينا
حملت ما يعجز الفتيان محمله وما أبن عشرين صنو لأبن سبعينا
أني دخلت جحيمي قبل آخرتي وذقت في العيش زقوماً وغسلينا
بل جننا بلحن قد شدوت به وقبل ذلك ما كنا مجانينا
ماذا علي اذا آليت في كبري إلاّ أغازل ..إلاّ الربرب العينا
يا أم كلثوم حيينا مغردة حيي الملائك منا والشياطينا
بعد انتهاء الاغنية فجر أمس جلت في ساحة السجن مع خالد حبيب لأكثر من ساعة أنهينا فيها خفارتنا في الحراسة الداخلية للسجن . تحدثنا كثيراً عن أم كلثوم وأغانيها ، وعن الأغاني العراقية القادرة على تحريك عواطف الناس ومنهم السجناء .
ثم عاد النهار حاملاً آلام السجناء من جديد ..
يتبع
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)