| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 10/11/ 2008



نقرة السلمان
(37)

جاسم المطير

العسكريون في النقرة

لا توجد في سجن النقرة معلومات أو دراسة كاملة عن السجناء والمعتقلين الذين دخلوا إلى السجن كسجناء أو كموقوفين أو كمحتجزين . لم يقدم لنا احد أي دراسة أو إشارة لضبط الإعداد الحقيقية حول ضحايا الدكتاتورية في هذا السجن . أدركتُ هذا النقص واركتُ أننا ما زلنا لا نعير اهتماما لقيمة الأرقام في كشف جرائم الحكومات المتعاقبة التي اتخذت من السجون وسيلة متواصلة للقمع والاضطهاد . هذه إحدى المفارقات التي يثار حولها جدل متواصل بين عدد من السجناء في النقرة ، عسكريين أو غيرهم . حتى لا يوجد أي ضابط عسكري اهتم بمثل هذه الإحصائية لما يتعلق بالضباط والعسكريين الذين دخلوا السجن وخرجوا منه ، مثلما كانت المنظمة الحزبية السجنية مقصرة في تعداد السجناء وفق مهنهم .

كم عدد السجناء الفلاحين ,,. لا احد يدري .
كم عدد العمال ،
كم عدد الطلاب ،
كم عدد المعلمين والمدرسين ،
كم عدد العلماء والأكاديميين وأساتذة الجماعات
كم عدد المحامين والأطباء ..؟
لا احد يدري .

لا يوجد هنا أي باحث اهتم بموضوعات كهذه مع أنها ضرورية جدا لاستكشاف العوامل والصراعات والمعاناة السيكولوجية للسجناء جميعا .

حين تحدثت مع احد قادة المنظمة السجنية مبديا وجهة نظري حول هذا الأمر لم أجد منه أي استجابة . فقد أثنى على رأيي وملاحظاتي لكنه لم يساندها فعليا أو عمليا بأية مبادرة ، بسبب أن الوقت قد مضى ، كما يعتقد ، وان من الصعب الرجوع إلى سجلات السجناء الداخلين والخارجين لمعرفة مهنهم . ذكر لي مثلا . عندما تضخم عدد السجناء في النقرة بلغ عدد السجناء والمحتجزين العسكريين أكثر من ألف ضابط وضابط صف وجندي أما الآن ، في هذه اللحظة ، فأن عددهم يقل عن الثلاثمائة .

العسكريون في النقرة متنوعون وبمستويات وعادات مختلفة أو متنوعة فيهم الهادئ الطباع وفيهم المتواضع والطيب وفيهم المتعجرف وفيهم العدواني فيهم من يحب ويحترم الثقافة والمثقفين وفيهم من لا يحب هذه ولا يحترم ذاك . الشيء الحاد الواضح في سمات العسكري العراقي هو شعور الضابط وثقته بـ"القوة " باعتبار " القوة " هي رمز من رموز الشخصية العسكرية وهي الوسيلة الوحيدة لمخاطبة الناس الآخرين تماما مثلما كان قادة الجيش يخاطبون الجنود الشباب من فوق الدروع أو كما كان الزعيم عبد الكريم قاسم يخاطب الشعب العراقي من على منصات وزارة الدفاع .

التنوع الحاد في ثقافة وصفات السجناء العسكريين إلى جانب تكوينهم النضالي الطيب داخل صفوف الحزب الشيوعي أو قريبا منه وضع التنظيم الحزبي في السجن أمام مهمة كبيرة لكي تجري بين الجميع مسرات مشاعر شيوعية وإنسانية سامية . كان هدف المنظمة الأول هو نشر شعور الطمأنينة والمحبة بين السجناء جميعا ، عسكريين ومدنيين، فكل قلب داخل السجن هو قلب حزين وكل عقل فيه هو عقل متوتر . الحزن والتوتر يبدآن عند السجين مع غياب حمرة الفجر حتى نهاية وجود الشمس في سماء النقرة حيث تستولي الكآبة على الوجوه .

من طبيعة الرجل العسكري ، خاصة الضابط ، هو شعوره بالقوة منذ أول دخوله إلى الكلية العسكرية ويتزايد الشعور بالقوة كلما ازداد عدد النجوم على كتفيه والنياشين على صدره . هذه القوة تشعره دائما بالمغامرة الشجاعة في وقت الحرب أو في وقت السلم ومن هنا فان أخطر العواصف السياسية التي تمر بها بلادنا أو بلاد العالم الثالث يمكن أن تنتهي بانقلاب عسكري على ملك أو لإزاحة رئيس جمهورية ومن ثم تبدأ صراعات القوى والقوة للسيطرة على دست الحكم وقد شاهدنا مثل هذه الصراعات بعد ثورة يوليو في مصر وبعد ثورة تموز في العراق .

من صوت هذه القوة نجد أن السجناء العسكريين ليسوا نظراء تامين لسلوك السجناء المدنيين . إنهم ــ العسكريون ــ يشعرون بكونهم متميزين بصورة خاصة رغم وجود استثناءات في العديد منهم من مختلف الرتب قادرين على مناجاة آلام السجن والصراعات السياسية بالهدوء والحوار وعلاقات المحبة . هذا البعض من السجناء العسكريين لا يمارس في السجن قوته الآمرة التي كان يمارسها في المعسكر لفرض شخصيته ومكانته على الجنود . هذا البعض ، وفي مقدمتهم عسكريون شيوعيون ، صار يشعر داخل السجن أن قوته هي جزء من قوة المجموع ، فقد ألتزم هذا البعض بوقار بروح الشيوعية وجوهرها حيث واجب الفرد خدمة الجماعة .

من هذا البعض انطلق التنظيم الحزبي لإبقاء تيار الحياة اليومية في النقرة مستقرا بين الجميع وأن يعمل من اجل أن لا تتموج العلاقات أو تتصدع بين العسكريين والمدنيين. وقد نجح التنظيم فعلا في الإمساك بحركة الزمان داخل هذا المكان بعد حدوث عدة أحداث ومصادمات بين سجين مدني وسجين عسكري كما هو الحال الذي جرى بين الضابط العسكري الدائم التوتر والعصبية (عبد الرزاق غصيبة ) والمدني الهادئ ( معين النهر) إذ تحول الحوار بينهما إلى مشكلة يومية متصاعدة أجبرت معين النهر على تقديم طلب إلى إدارة السجن بعزله منفردا عن جميع السجناء . كذلك الحال الصعب الناشئ بين السجين العسكري( حامد المقصود ) ومسئول حزبي ( سامي احمد ) وظلت تسود بينهما علاقة متوترة حتى تم نقل حامد المقصود إلى سجن الحلة ومنه نال حريته بالهروب بمساعدة وخطة التنظيم الحزبي في سجن الحلة .

مثلا لم يسلم السجين العسكري جمعة اللامي ( ضابط صف ) من نسيج التوترات الناشئة من الصراعات الفكرية والسياسية بين السجناء خاصة عندما تتوالى أخبار سلبية في موقف الحكومة من قضية إطلاق سراحهم أو نتيجة التضييق على أهاليهم فيسود جو سلبي عام داخل السجن ، وكان السجين العسكري جمعة اللامي في تلك الفترة يحرص على التحول نحو التعلم والثقافة ويحرص على استظهار كتب الفلسفة ومتون أفكار ومؤلفات الوجودية وغيرها وكان محصوله من التحصيل الثقافي والأدبي داخل النقرة سريعا ووفيرا مما أدى إلى تغيير لاحق في حياته السياسية إذ انقلب هذا الشاب العسكري انقلابا ثقافيا كبيرا وصار من الأدباء الذين يستهلون حياتهم اليومية بعبارة : في البدء كانت الكلمة .

هنا في النقرة لا يبقى السجين على حاله وعلى صفاته فكل شيء يتغير، في كل يوم ، نحو الأحسن بالعكس مما يريده الحكام ، من أولئك الذين يأمرون بالسجن ومن يمسكون مفاتيحه بيدهم . يريدون من السجين أن يكون ضحية منهكة خلف القضبان . يريدونه أن يشعر بقشعريرة القيود دائما . يريدونه أن يركع أو يجثم أو يوقع صك البراءة من الشيوعية لأنهم يعرفون أن السجين يعاني داخل السجن مآسٍ كثيرة تهز كيانه فيزيدون الضغط عليه .

فهل تغلب السجان على السجين في النقرة ..؟
هل انتاب السجين الهذيان في نقرة السلمان ..؟

لقد أهانوا كل سجين وأهانوا السجناء العسكريين من حاملي الرتب الكبيرة والصغيرة أكثر وأكثر بعد أن اخذوا منهم حريتهم فهل انصاعوا ..؟

شيئا فشيئا ويوما بعد آخر كان السجناء العسكريون يتعرفون على صوت الصبر و التواضع العذب ويعملون يدا واحدة مع الجميع في خدمة الجميع للتخفيف عن عذابات النقرة . صاروا جميعا يحرصون على تحويل بقعة السجن إلى حديقة واسعة يرون فيها الصبح صبحا مليئا بالعمل بدون تردد .

هذا هو الطيار خالد حبيب يعمل بفرح وسرور ليلاا ونهارا من أجل الجميع .
هذا هو أديب جورج يعمل ليلا ونهارا من أجل توفير حاجات السجناء الى الماء والغذاء .
وهذا هو يونس مجيد .

وذاك سليم الفخري والحاج عارف وذنون سلطان ومحمد منير وعربي فرحان ومئات آخرين كلهم يعملون في تزويد السجن بالماء وفي طبخ الغذاء وفي أعمال التنظيف وفي الحلاقة والبناء والصباغة والنجارة . صار السجن بيتا موحدا لكل السجناء ، مدنيين وعسكريين .

لا احد في سجن النقرة يمكن أن ينسى ليلة وداع وعد الله يحي النجار حين وقف في المساحة القائمة بين القاووش رقم 3 والقاووش رقم 4 حاملا وجها بنور أزلي ليلقي بالطغمة الحاكمة في الظلمة الأبدية حين قال في كلمة قصيرة ، نبيلة وشجاعة ، أنه يأسف لمغادرة نقرة الأخوة والكفاح والأفكار متوجها للصعود إلى المشنقة ، مؤكدا أن عمر الطغاة قصير مهما طال زمانهم . انه الوداع الأخير إذ غدا يسفـّر إلى الموصل لتنفيذ حكم الإعدام وإنهاء حياته.

كانت معنويات وعد الله النجار عالية لم يعكر صفاءهاالذهاب إلى المقصلة بل وجدناه متميزا بحبه للسير بنفس الطريق إلى آخر لحظة من حياته وكأنه يريد خلال الساعات القادمة أن يقصر المسافة نحو الشهادة والبطولة .

تلك الساعة كانت تحمل رنين زمن الشيوعية المليء بالتضحيات كما حملت نغمة عذبة حين اصطف السجناء كلهم ليودعوا هذا السجين الذاهب إلى المشنقة ولتوجيه اللعنة الأبدية للظلم والحكام الظالمين سيطر هذا الموقف على إحساس الكثير من السجناء العسكريين حين ارتفعت قبضاتهم مودعة وحين امتلأت عيونهم بالدموع.

انتهى لقاء الوداع الأخير مع السجين المدني وعد الله النجار بعهد أكيد من السجناء المودعين بأنه سيبقى في قلوبهم وبأنهم سيواصلون النضال لبناء الحزب الشيوعي بقوة أعظم .

بإحساس واضح تغنى الضباط المودعون بأناشيد ودموع رأيتها تنهمر بحكمة عنيفة وبانفعال شديد من عيون خالد حبيب ويونس مجيد واحمد درويش وغيرهم .

كنا نحس أن واقع صدمة السجن على العسكريين كان كبيرا جدا لا يخلو من التأثير على نفسيتهم فقد كانوا منذ تخرجهم من الكلية العسكرية قد تعودوا على سعادة المناصب والرتب العسكرية في الدولة وفي جميع المعسكرات لكنهم الآن يعانون اضطرابا نفسيا بعد صدمة الانقلاب العسكري الذي قام به البعثيون يوم 8 شباط 1963 وهاهم يعانون من ردود أفعال تلك الصدمة في مواجهة شرطة البادية . لقد لاحظت الكثير من السجناء العسكريين يعانون من أمراض المعدة وصعوبة التنفس وانعدام الشهية للطعام والكوابيس أثناء النوم رغم أنهم تحملوا بشجاعة آلام التعذيب في أقبية الحرس القومي لكنهم يعانون الآن بقسوة رد فعل الهزيمة أمام الانقلابيين البعثيين الذين سيطروا على أمور الدولة وهم ليسوا غير أفراد قلائل معزولين عن الشعب ولا يحملون مطامحه .

السجن بطبيعته وبوجوده يعدم الزمان والمكان في عيون السجناء بما يحمله من مرارة وعذاب ولا تستطيع الايديولوجيا وحدها أن تحدد الفكر الجامع لعقول وسلوك السجناء جميعا غير أن الجهود المبذولة من الجميع ومن منظمة السجن في المقدمة أحدثت تغييرا كبيرا في العلاقة اليومية بين السجناء كما أثمرت الجهود الثقافية المتواصلة بإحداث تعديلات مجريات الواقع المر في النقرة ومعطياته وقد تصدى السجناء العسكريون والمدنيون لتأسيس مقولة : وحدة السجناء قوة جبارة .

ذات يوم جاء وفد من حكومة بغداد ضم وكيل وزير الداخلية ومدير السجون العام ومعاون أمن الديوانية في جولة تفتيشية لمنطقة السلمان وقد أصر ممثلو السجناء على ضرورة اللقاء بهذه المجموعة الحكومية لعرض مشاكل السجن والسجناء عليهم بقصد إيجاد الحلول لها وقد تم سريعا في اجتماع الهيئة الإدارية للسجن تشكيل وفد مناسب لمقابلة وفد الحكومة .

هل يتشكل وفد السجناء من العسكريين كما اقترح احدهم أم يضم الوفد عسكريين ومدنيين كما اقترح احد الرفاق من السجناء العسكريين ..؟ أصر العسكريون أن يكون الوفد من العسكريين والمدنيين .

هكذا ضم الوفد كل من المقدم إبراهيم الدبوني والدكتور فاضل الطائي والعامل النقابي عباس المظفر وكذلك عباس بغدادي كما ضم الوفد اللواء إبراهيم الجبوري وطرح وفد السجن مشاكل السجن والسجناء إذ تحدث الدكتور فاضل الطائي عن المشكل الصحية وقضايا علاج السجناء المرضى كما تحدث المقدم إبراهيم الدبوني عن أسس العلاقات بين السجناء وبين إدارة السجن كما تحدث عباس البغدادي عن مشاكل مياه الآبار وعدم تلبية حاجة السجناء بالكميات الكافية وتحدث الآخرون عن ضرورة الحصول على موافقة إدارة السجن لبناء المزيد من الغرف داخل السجن لإغراض الدراسة والتعليم وكذلك الموافقة على بناء ملحقات ضرورية للقاعات لاستخدامها كمخازن وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالمواد الغذائية والبريد اليومي .

بهذه الصورة وبغيرها تم صنع الوحدة المتينة بين السجناء . كان إصرار الجميع ، مدنيين وعسكريين ، قويا في بناء تجربة من العلاقات الأخوية رغم أن كل يوم من أيام السجن والحوار داخله كان يتبلور عن موقف الاختلاف بين السجناء حول سياسة الحزب الشيوعي وحول حكومة عارف وحول نهج جمال عبد الناصر وهوسه لتحقيق مكاسبه في العراق وكذلك حول مواقف الدول الاشتراكية والاتحاد السوفيتي المؤيدة لنظامي عارف وعبد الناصر .

في هذه الأجواء كان غالبية العسكريين ، شيوعيين وغير شيوعيين ، يتحركون بتطرف نحو اليسار في كل اجتماعات النقاش والحوار لكن مع ذلك فان زجاج العلاقة الرفاقية داخل السجن لم يتكسر بل كان الجميع يشمرون عن سواعدهم من اجل وحدة الموقف تجاه الدولة والطغيان والعبودية .

كل شيء يتغير داخل السجن وصارت فيه أعظم الأنشطة الإنسانية حين سادت علاقات جدلية بين الجميع .

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)  
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس