جاسم المطير
الثلاثاء 4/11/ 2008
نقرة السلمان
(34)جاسم المطير
آلام لا تزول بالصابون ولا بالرمال
تألمت كثيراً للنبأ الذي حملته رسالة من والدتي عن وفاة ( حليمة ) وهي أمرأة عجوز ومقعدة من أقارب والدتي كنت اسميها جدتي . وهي تظن أنني أبن أبنها . كانوا يقولون عنها انها خرفة ، لكنها كانت تقارع الجميع بذاكرتها الحادة أحياناً . لم تتح لي فرصة الألتحام بذاكرتها ( عمرها 100 سنة ) لأن أكثر وقتها تقضيه بالنوم . أوقات صحوها هي نفسها أوقات تناول وجبات طعامها ونظافتها . أحياناً تتحدث عن الأنكَليز الذين دخلوا البصرة وأحياناً تتحدث عن المعابد والأضرحة المقدسة . وأحياناً تتحدث عن ازدياد الشحاذين كلما ازدادت اعمال الناس وتحسن مقامهم ولباسهم وغذائهم .
كانت أمرأة طيبة وشجاعة .
ها أنا ذا أجلس اليوم في الزاوية اليمنى من حديقة السجن محاولاً قراءة بعض المجلات اللبنانية التي وصلتنا مؤخرا لكن فكري سرعان ما يسرح نحو حليمة . أتذكر أنها تسمي الدينار درهماً . تسمي كل الأموال مهما عظمت بالدراهم .
تكرر دائما قولها المأثور عندها : لا يأخذ الأنسان معه بالنهاية الى قبره الصغير غير دراهم معدودات هي قيمة الكفن ليس غير .
افكارها قبل أن ( تخرف ) وبعده كانت بسيطة ، حرة ، صادقة .
ثم تركتُ قراءة المجلات وأمسكتُ بالقلم لأخط لوالدتي رسالة خاصة عن حليمة معزياً أياها بوفاة قريبتها ، وطلبتُ منها عدم الكتابة لي عن أخبار الموتى في رسائلها بالمستقبل .
ليس بأمكاني أن أقف وأنا داخل السجن وقفة الحزين أمام الأموات . يكفيني ما اسمع هنا آلاف القصص عن الذين ماتوا أو قتلوا خلال الأيام والسنوات الماضية . أنها قصص محزنة فلا أريد سماع المزيد لان الحديث عن الموت لا يقدم منفعة ولا سرورا . طلبتُ منها أن تزودني بأخبار الأحياء الذين يحبون مدينتنا الطيبة الذين يضحون بجهدهم ووقتهم وحتى بحياتهم من أجلها .
كان العقل الكبير داخل هذه النكَرة متميزا بقوة الصبر في تدوين كل شيء عن الأحياء الموتى فيها هو عقل سامي احمد العامري . رغم همومه الشخصية لكن يتمتع بذاكرة قوية عن اغلب السجناء القدامى والجدد ، كما أنه يمضي كثيرا من الوقت في تدوين كثير من الملاحظات عن السجن والسجناء . يحتفظ بدفتر خاص عن ألوان من المتناقضات وألوان من القلق والجنون التي شاهدها في سجن نقرة السلمان بعد ثورة 14 تموز وفي سجن بعقوبة قبلها وقد اطلعني على بعض ما كتبه عن السجن والسجناء فما وجدت امتع منها .
لا أدري لماذا ذكرتني رسالة والدتي بأول مرة في حياتي يوم دخلت فيه ، مع عشرات الموقوفين مركز شرطة العشار موقوفا وانا فتى في سن المراهقة الاولى . تذكرتُ في تلك الليلة المظلمة أول ما تذكرتُ الفتاة الجميلة التي كنت احبها . كانت تتودد لي بجرأة كلما اختلينا معا في بيتها أو في بيتنا المتقابلين . لم أكن جريئا كما كانت هي تريدني أن أكون . كانت تقول لي بجرأة أن أخيها حين يختلي بحبيبته كان يقبلها ويداعب نهديها . كما تذكرتُ أخبارا نقلها صديقي عبد الله منعم انه يقضي وقتا ممتعا مع جسد صديقته زاهرة كلما اختليا في سطح الدار . كنت أظن أن جرأة الانسان لها علامة واحدة فقط هي في رفضه الركوع امام شرطة الحكومة وان جراة الانسان تتحدد فقط في التغلب على العدو.
بين هذا النوع من الجراة وذاك ضباب كثيف جعلني اتصبب عرقا كلما واجهته او تذكرته .
أنا افعل خيرا دائما إذاً انا جريء .
انا اقاوم كل قوة تريد شرا دائما إذاً انا جريء .
تلك افكار احتلت مكانها في اعماقي في فترة من الفتوة والصبا انتسبت لها ايام وعي الاول عن الناس والحياة والمجتمع وعن أول تجربة لدخولي وراء القضبان .
هنا في النكرة مجموعة كبيرة من الناس حالهم فيها وفي الدنيا مختلف .
منهم من يحس ، في كل لحظة ، ان قيد السجن هو مثل خنجر مغروس في قلبه ، ومنهم من يحمل اعصارا من اليأس القاتل في صدره عن حالة زوجته واطفاله وهم بلا معيل، منهم من يعتقد ان بقاءه في السجن معناه استمرار عذاب الشكوك . وهناك الى جانب هؤلاء وبينهم يوجد من السجناء من يظل يغني بروح جريئة خالقة أبداعا لتعزيز ثقة الجميع بأن الحياة تنتصر على الموت بكل الأحوال وليس السجن بنظرهم الا معبرا ضيقا الى غد افضل .
ترتفع معنويات السجناء وتهبط وتبقى تدور على الاخبار الواردة من الخارج . بعضها يلمع بالأمل لترفع المعنويات وبعضها الاخر يرن في اذان السجناء كزجاج نافذة ينكسر ليؤدي الى هبوط المعنويات . بعض سجناء النكرة يتصرفون كلصوص يسرقون مالا من جيب سجين نائم او غافل او يسرقون صحنا او قوطية لحم معلب معتبرين ذلك من أعمال الجرأة . بعض السجناء يتجاسر في الاقتراب من جسد زميل له ينام بجانبه متصورا ان هذا الجسد الراكد صورة لامرأة جميلة . كل هذه النماذج الشيطانية ، الذكية و البلهاء والجريئة بمعنى ما ، موجودة داخل سجننا مثلما هي موجودة حتما في كل سجن بالعالم . كما كان يوجد كثير من السجناء الذين تخافهم الحكومات العراقية المتعاقبة واجهزتها الامنية الوحشية وقد تحولوا في النكَرة الى حملان هادئة وديعة .
الاكثرية الساحقة من سكان النكرة هم الناجين من كارثة 8 شباط 1963 انهم فرحون ومسرورون لأن الحرس القومي لم يستطع انهاء حياتهم . لكن هؤلاء الغرقى الناجين من سفينة الموت او من قطار الموت او من طريق الموت او من قصر الموت ( قصر النهاية ) او من نوادي الموت ( النادي الاولمبي في بغداد او نادي الاتحاد بالبصرة ) لا يستطيعون نسيان ما جرى في حياتهم داخل اقبية التعذيب ، لذلك يمر الوقت عليهم ، هنا ، منهكا وشاقا تسوده روح التمرد .
هنا في النكرة توجد طلائع متقدة برغبة حارة في ان تجعل عالم السجن عالما اخر معززا بالعلم والمعرفة لفتح ابواب بجراة امام غرف الصلابة الانسانية لا لتدخلها فتاة جميلة عارية بل لتخرج منها كل كل صفات الياس في وضح الشمس حيث يتعزز ايمان سجناء نقرة السلمان بانه سياتي يوم حار ينتصر فيهم فقراء العالم على اغلالهم وينفتح كتاب عنوانه اغنية الحب والاشتراكية .
المنظمة الحزبية السجنية تريد القضاء على الالم البارح المزروع في أجساد وعقول جيل شيوعي عجز عن تحقيق احلامه بثورة 14 تموز . تحاول هذه المنظمة بهمسها وببساطة انشغالاتها اليومية ، في كل ساعة ، ان تحل الامل بمستقبل الحياة بدلا من اليأس لكنها لا تملك غسالة لتنظيف الابدان والعقول فتصطدم بصعوبات جمة وهي تتواجه يوميا وبكل ساعة بعدد غير قليل من السجناء الذين لا يتورعون عن الكفر بتقاليد النضال وبالقيم الاجتماعية لانهم يظنون انه ستأتي ساعة الى نقرة السلمان تنشق فيها ارضها لتبتلعهم على الفور او انهم سيواجهون يوما ما جحيما جديدا لا تقل ناره عن جحيم 8 شباط ، كما ان القليل منهم كان يعتبر تعليمات او توجيهات او قرارات المنظمة الحزبية كما لو كانت عصا تلهب ظهورهم . الصراع يكبر ويتسع يوميا بين قلة من السجناء السائلين : متى وكيف وأين يكون الموت ، وكثرة من السائلين : متى وكيف وأين تكون الحياة والحرية .
لكن الاميين الذين تعلموا القراءة والكتابة داخل النكَرة يصرحون دائما أن المنظمة الحزبية جعلتهم الان اناسا حقيقيين ومناضلين حقيقيين . وقد عرض لي هندال جادر رسالة شكر بخط يده وبثلاثة صفحات ، بعد ان تعلم القراءة والكتابة ، وجهها الى المنظمة الحزبية قال فيها : ( لقد اصبحتُ رجلا فشكرا لكم ايها الرفاق ) . طلب مني ان أتأكد من سلامة الإملاء ولم اجد فيها أي خطأ . لقد استعاد الكثير من زملاء هندال جادر رباطة الجأش والشجاعة بمجرد قدرتهم على كتابة الابجدية العربية وقراءتها من ينبوع الشيوعية في نقرة السلمان التي تحظى بانتعاش متواصل منبثق من ذوات السجناء الصامدين .
كما لاخظت كم هو مسرور احد الحلاقين في صالون حلاقة السجن حين كان يحلق رأسي مؤكدا انه صار بعد انتهاء دورة مكافحة الامية وتعلم القراءة والكتابة فخورا امام اولاده الثلاثة الذين يتفوقون بالنجاح في امتحاناتهم المدرسية . كان اسمه (علي الحلاق ) وقد اقترح على نفسه ان يغير اسمه ليجعله (علي الحلاق المتعلم ) .
لا توجد مدينة عراقية صغيرة او كبيرة لا يوجد لها " ممثل " في هذا السجن . يوجد سجناء من العاصمة بغداد ومن احيائها كافة. هذا من سكنة البياع وغيره من الزعفرانية وآخرين من مدينة الثورة والكاظمية والاعظمية . هذا من تكريت وذاك من كربلاء . يوجد سجناء من نواحي واقضية السليمانية وكركوك والبصرة والناصرية ومن كل بقعة ارض في العراق . كل واحد منهم يرن في رأسه صوت مدينته . كل واحد له ذكريات عن بنات وأبناء مدينته حاملا في اعماقه أحلاما عن حياة جديدة ليس فيها قهر ولا عصا ولا سجون ثم ما يلبث السجين حين يحط رأسه على وسادته أن يسأل نفسه : هل يمكن الانتقال من العدم الى الوجود .. هل يأتي يوم ينتقل فيه من السجن الى الحرية .. هل يحدث ذات يوم قريب انتقاله من الموت الى الحياة ام أن السجين يبقى هنا رمزا للظلم وشبحا ميتا من أشباح الانسانية مركونا في بقعة جافة لا حياة فيها ..؟
ساعة الراحة الأبدية ستحل في كل نفس انسانية متغلبة على القوة والضعف في آن واحد ليذهب بعدها كل واحد الى قبره . هذه حقيقة أليمة تقف الى جانبها حقائق كثيرة بين سجناء نقرة السلمان .
غير ان هناك حقيقة مشتركة بين الجميع هي ان شمس الحرية ستشرق على بلاد الرافدين وعلى نقرة السلمان عاجلا ام اجلا لان روح الظلم وارواح الظالمين هي الراحلة من هذا الوجود
نعم .. الحقيقة الوحيدة التي ستبقى للأبد هي ان مدينتي البصرة ستظل في عناق أبدي مع الشط والشمس والصحراء والاهوار والبحر ومع أشواق انسانها البسيط ، الخجول ، الذي حفر له مكاناً ما لبناء حجر فيها للزمان القادم . أهم شيْ أن الأنسان يواصل حياته في المدينة والريف لا توقفه عن الحركة لا زيادة جشع التجار ولا ارتفاع اسعار المتعة مع البغايا ولا حركة السير في الشوارع والأسواق ، ولا رؤية الشحاذين بمداخل سوق الهنود بالعشار ولا هدوء حركة المد والجزر في نهر العشار .
أحتفلنا البارحة بالذكرى السنوية لقيام ثورة 14 تموز . أول اشارة احتفالية كانت تناولنا طعام العشاء بوجبة خاصة تختلف عن الليالي السابقة . كانت كميته اكبر من كل عشاء سابق ونوعيته أطيب . ما تناولناه يسمى ( بتيتة جاب ) .. تحت حرف الجيم هنا ثلاث نقاط .
يقال ان البتيتة جاب أكلة أنكَليزية دخلت الى المطبخ العراقي مع الاحتلال الأنكليزي وأنتقلت الى بيوت المسيحيين فأجادوا صنعها وخاصة الأشوريون .
كثير من السجناء لم ينسجموا مع الأكلة وطعمها الغريب على لسان المتعودين على التمن والمرق أو المتعودين على التشريب والتكة والكباب . لكن مناسبة العشاء كانت لمجرد الاستذكار ليس غير .
نعيش ، الآن ، حالة من القلق لا مثيل لها . حالة نفسية خطيرة وعسيرة ألمت بنا نحن الذين كنا نعيش الحقائق الغامضة عن كثير من الأمور عن العهد الملكي وعن ثورة تموز قبل قيامها . أغلب السجناء تذكروا أهم الاسماء التي لها علاقة بالثورة ، سلباً أو أيجاباً ، فالسجناء العسكريون تذكروا يوم الثورة والاستعدادات التي سبقته .
وصفي طاهر وبهجت سعيد ومحاولتهما في القاء القبض على نوري السعيد .
جاسم كاظم العزاوي وحافظ الجنابي من سكرتاريي عبد الكريم قاسم .
فاضل المهداوي وماجد محمد أمين من محكمة الشعب .
عبد الوهاب الشواف وتمرده على عبد الكريم قاسم في مدينة الموصل .
مقتل العائلة المالكة ..
عملية السحل في شوارع بغداد ..
مجلس السيادة الثلاثي الفريق الركن محمد نجيب الربيعي ومحمد مهدي كبة وخالد النقشبندي ..
تنظيمات الضباط الاحرار
حلف بغداد وسقوطه
اذاعة صوت العرب ودورها التحريضي ضد عبد الكريم قاسم
الاتحاد الهاشمي وسقوطه
اسماء اعضاء اللجنة العليا لتنظيم الضباط الاحرار يتناولها السجناء العسكريون بمختلف الملاحظات منهم من ينتقد عبد الكريم قاسم رئيس اللجنة ومنهم من ينتقد محي الدين عبد الحميد والعقيد الركن ناجي طالب نائبي قاسم ومنهم من يذم وجود عبد السلام عارف ، ولم يسلم أي واحد من الضباط الاحرار من لعنة او رحمة وهم العقيد محسن حسين الحبيب والعقيد الركن عبد الوهاب الامين والعقيد الركن عبد الوهاب الشواف والعقيد الركن صبيح علي غالب والعقيد رجب عبد المجيد والمقدم وصفي طاهر والرائد الطيار محمد سبع والعقيد عبد الرحمن عارف والعقيد المتقاعد طاهر يحي والمقدم رفعت الحاج سري والمقدم الركن عبد الكريم فرحان .
تذكر بعض الضباط في البصرة كيفية تشكيل لجنة عسكرية خاصة بالبصرة باسم اتحاد الضباط والجنود ساهمت شخصيا في بعض تشكيلاتها وكانت اللجنة قد ربطت في ما بعد بالتنظيم العسكري الذي يقوده مكتب المنطقة الجنوبية .
تذكرنا اسماء شخصيات وطنية مثل كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل ورشيد مطلك ..
تذكرنا عودة الملا مصطفى البارزاني من المنفى وصدور قانون العفو عن البارزانيين ..
تذكرنا حمزة سلمان وسلام عادل وابو سعيد وهدي حميد ..
تذكرنا تأسيس جامعة بغداد كأول جامعة عراقية وتذكرنا رئيسها العالم عبد الجبار عبد الله . تذكرنا تأسيس جبهة الاتحاد الوطني ودورها في اشعال فتيل الثورة .
روايات وقصص كثيرة قيلت بهذه المناسبة وبأشكال مختلفة مما وجدت معه ضرورة تشكيل لجنة خاصة داخل السجن للإطلاع على مختلف القصص المتعلقة بالثورة وبأيامها اللاحقة وتثبيت ما هو الأقرب للصحة كي نحمي تاريخ الثورة من التشوه مستقبلاً . شعر جميع السجناء هذا اليوم ان التاريخ العراقي الحديث لم يكتب بعد على حقيقته وربما تضيع كثير من الحقائق الحالية حين يأتي أحد المؤرخين العراقيين ليكتب تاريخ العراق فيجد اكثرنا ، نحن سجناء نقرة السلمان مثلا ، شهود هذا التاريخ قد وافانا الأجل وحملنا معنا معلومات كثيرة لا يعرفها غيرنا . هنا كثير من الكتاب الموهوبين لكنهم لا يكتبون عن التاريخ وحوادثه . هنا شيوعيون يعرفون الكثير من المعلومات عن تاريخ الحزب الشيوعي لكنها غير مكتوبة وسوف تموت بموتهم وعند ذاك يكتب تاريخ الحزب الشيوعي بطريقة ناقصة حتما .
ها انذا اكتب احداثا عشتها ، لا بهدف الشهرة ، بل بهدف وضع ما اعرفه عن بعض أحداث البصرة واكبتها تحت تصرف المؤرخين القادمين رغم انني اشعر الآن انني انسى الكثير منها ومن تفاصيلها الضرورية المتعلقة بدور الحزب الشيوعي العراقي وبدور اللجنة المحلية بالبصرة .
يعيش أغلب السجناء ، وهم يتذكرون أعظم يوم في تاريخ العراق ، حالة من القلق لم أشاهد مثلها من قبل . مناقشات كثيرة سادتها روح الألم والحزن المريرين . حالة نفسية خطيرة وعسيرة ألمت بنا جميعاً نحن الذين كنا نعيش الحقائق الغامضة التي تجسدت بين أحزاب الجبهة وقواها بعيد قيام الثورة وإثر انجازاتها الأولى الكبرى كالخروج من حلف بغداد ومنح بعض الحريات النقابية والصحفية وتحرير الاقتصاد الوطني من عقدة الاسترليني وصدور قانون الاصلاح الزراعي وغيرها . كل سجين حاول بهذه المناسبة ان يحصل على جواب لأسئلته الكثيرة عن الثورة وصراعاتها وأخطائها وانحرافاتها متجسدة بنهاية جبهة الاتحاد الوطني واستقالات الوزراء وبدء الصراعات داخل معسكرات الجيش بين الوطنيين والمتآمرين .
كان جيل هؤلاء السجناء كله مستعداً ان يقدم روحه وحياته من أجل الوطن ، لكن الأيام اللاحقة ليوم 14 تموز كانت عكرة نغصت على جميع القوى السياسية والمستقلين والحكومة راحة الليل والتفكير ، ضاعت فيها ومعها أصوات الحزب الشيوعي وبياناته في غمار إصرار عبد الكريم قاسم على السير بمفرده في حكمه وقراراته .
كل سجين سياسي في النقرة أو في أي سجن آخر لا شك يتذكر الشوق الأسطوري الجياش للثورة التي غمرته في لحظات الصباح الأولى من يوم 14 تموز 1958 .
وجدتُ والدتي في ذلك الصباح بوجهها الرائع تربت على كتفي وتشده بقوة وهي تحاول أن توقظني من تلك الإغفاءة العميقة التي أجبرتني عليها السهرة السابقة بعد أن قضيتها مع الأحباب والأصحاب الذين أصروا على إقامة حفلة خاصة لي قبل موعدت محاكمتي يوم 15 تموز لحضور جلستها الأولى التي كان المفروض أن يضمني قفص الأتهام مع عبد الوهاب طاهر ومع مهدي آصف ( من حزب البعث ) فقد كان من المتوقع أن يرموننا وراء قضبان السجون .
انتهى يوم من ايام نقرة السلمان . انتهى بكل حسناته وسيئاته التي ظهرت من الندوات والمناقشات لكن الجميع كان يعلم ان الكرة الارضية تظل في دوران وسط اسئلة كثيرة :
هل تأتي ثورة جديدة تنقذنا ام يظل كل واحد منا يحمل صليبه على كتفيه ..؟
كثير من السجناء يؤمنون بالله لكن ليس بوسعهم الحصول على جواب حكيم بأن الله سينقذهم من السجن او من الموت .
هل يظل السجناء أخطر الكائنات بنظر الحكام أم أنهم اصغر الكائنات بنظر بعضهم للبعض الاخر.
كثير ما جاء لغط من هذا او من ذاك ليعكر صفو السجناء .
لا شيء يجرح السجين غير الخوف من الغد .
ولا شيء يحقق السرور في قلب السجين غير الامل بما سيأتي به الغد .
يتبع
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)