جاسم المطير
السبت 15/11/ 2008
نقرة السلمان
(42)جاسم المطير
السجين مقيد بالزمان أكثر من المكان ..
جاء الباص الخشبي المتعب من السماوة يحمل النساء البصراويات بعد أن أنزلهن قطار البصرة الصاعد إلى بغداد في منتصف الليل ، أمهات وأخوات وزوجات . لا شك أن أمي ( وردة ) ستكون مع الجميع بل هي ، كعادتها ، في مقدمة الجميع تغني أو تهتف . كما في كل زيارة فأن عدد الرجال قليل . واحد أو أثنين . يقال لنا أن الرجل الفلاني مريض والآخر مشغول وثالث لم توافق مديرية الأمن العامة على منحه رخصة الزيارة لسجن كبير وخطير مثل نقرة السلمان . كنا نعرف موعد الزيارة مسبقاً فقد قالت رسالة والدتي قبل عشرة أيام أنها سوف لن تجلب لي ( قواطي لحم ) لأنها غير متوفرة في السوق . هذا معناه أن البريد الحزبي والمنشورات غير موجودة مع هذه المواجهة.
ــ لم تكن الوالدة معهم .
كلمات قليلة قالها لي عباس بغدادي وفي عينيه بان سلطان الحزن .
ــ تعال معي لمقابلة الأمهات الأخريات حتى تعرف السبب . لم يفصحن لي بشيء . إحداهن أكدت أنها تريد مقابلتك.
في الحال وجدت نفسي في السوباط الخارجي المخصص للمواجهات . همست امرأة بأذني بروح هادئة :
ــ أمك محبوسة .. تسلم عليك . تعال أقبلك . تلك توصيتها .
قبلتني بحرارة ودمعتين . كما أحسست باختمار دمعة حارة في عيني .
ــ من حبسها يا خالة ومنذ متى وأين ..؟
ــ منذ خمسة أيام جاء شرطيان إلى بيتكم . أخذوها إلى مركز الشرطة بالقوة . بهدلوها بالسب والشتم واصعدوها إلى السيارة بدون عباءة . من مركز الشرطة أخذوها إلى مديرية الأمن بالعشار لمدة ثلاث ساعات يسألونها عن كنتها عن زوجتك وعن عنوانها في بغداد كي يلقوا القبض عليها . أعادوها إلى بيت المختار . إنها هناك بأمان . لا تقلق عليها فأنا أزورها مرتين باليوم الواحد . نسوان المحلة كلهم يزورونها . أم شاكر تبات معها ليلاً . لا تقلق سيطلقون سراحها اليوم أو غداً , غصبن عليهم .
انتشر الخبر بسرعة بين السجناء حال انتهاء المواجهة . بدأت التفسيرات والتساؤلات والتحليلات والاستنتاجات ..
لا أدري لماذا شعرتُ بالفخر أولاً ثم انشغل تفكيري بها وبمصير زوجتي في بغداد . لم أنم ولا دقيقة . هجم علي دوار رأسي بسرعة وبقوة لم ينفع معه الأسبرين الذي تناولت منه ثلاث حبات . لم أر شيئاً كريها في السجن مثل تلك الليلة بعد أن حرمتُ في نهار ذلك اليوم من متعتي السجنية . لا يوجد وقت أمتع عندي من وقت مواجهتي لوالدتي ولا يوجد حديث أمتع مما اسمعه منها في سويعات المواجهة .
في آخر لحظات الفجر أسرع قولاً قديماً من أقوالها إلى ذهني :
ــ أنها حال الدنيا يا ولدي . لا تتوقف في حال ولا في مكان . تهبط وتصعد وتدور لكنها لا تتوقف .كل شيء يتغير غدا..
بدأت ذكريات كثيرة وأقوال كثيرة تنهال علي حتى دخلت بعض خيوط الشمس إلى فراشي من شباك القاووش بعد قليل من شروقها . كأنني سمعتها من جديد تقول لي كما في كل ليلة كنت معها من قبل :
ــ ماذا تفعل في مثل هذا الوقت من الليل .. هيا يا بني أترك القراءة .. اترك الكتابة .. اغسل وجهك واذهب إلى السرير لأنك بحاجة للراحة كي تتحرك غداً ..
كانت معاينتها اليومية لي لا تنقطع طيلة سنوات عمري التي قضيتها معها في بيت واحد . كان لكلماتها أعظم الأثر على نفسي بل كانت أنجعها شفاءً كلما شعرتُ بمرض أو بتعب جسماني أو نفساني .
هي التي اخترعت لي طريقي في الحياة .. هي التي ترعاني فيه بكل خطوة وبكل معضلة . ما دهشتُ ولا انزعجتُ من أي كلمة قالتها لي في أي يوم من الأيام ، وما خالفتُ وصية أو توصية نصحتني بها . أعجبتُ بها كما يعجب الحبيب بحبيبته الجميلة أو كما يعجب قارئ ما بما يكتبه كاتبه المفضل . حين أشعر ببساطة سلوكي العام أحياناً أو بسذاجة بعض أفكاري وأفكار آخرين من أصدقائي كنتُ أجد لدى والدتي نضوجاً في التفكير ، وكثيراً ما أجد عندها افتراضات صحيحة ، ومرتقبات تنبؤية كانت تتحقق بالفعل . حين توقعتْ سقوط حكومة الدكتور محمد مصدق في إيران فأنها سقطت بالفعل بعد شهرين من كلامها . حين توقعتْ عام 1954 بسقوط حكومة نوري السعيد فأنه استقال في اليوم التالي . في عام 1963 صرخت بوجه جيراننا وأبن صديقتها فتحي حسين آمر الحرس القومي قائلة : ستسقطون سريعاً .. فأنهم سقطوا بعد شهر .
كثيراً ما كانت تعاملني كطفل صغير فتروي لي بالتفصيل سرداً منطقياً رائعاً للجزء الفخور من حياتها وسيرتها العامة لخدمة الناس الآخرين . تحكي رأيها معي بصراحة عني وعن آخرين . كانت تحب سلطان ملاً علي حباً جماً بينما ليس كذلك حين تتحدث عن شقيقه الأصغر محسن ملا علي علماً أن كليهما شيوعيان . تتحدث بقسوة عن هاشم الحكيم بينما تود زوجته ( أم أسعد ) إلى حد لا يصدق . تحب شقيقيه القاضي حميد الحكيم والدكتور نوري الحكيم بشكل تجهد نفسها عندما تحاول إظهار أسباب هذا الحب بينما كان الأشقاء الثلاثة أعضاء في الحزب الشيوعي . يظل سامي أحمد مثالها الوردي في كل حديث .
ما وجدتها مثل النساء البقية . فهي تتضايق من أمور السحر والتعويذات . الويل للمرأة التي تسمع منها أو عنها أنها عملت سحراً من أجل حب أو زواج . تكون شرسة مع من تقترح عليها عمل تعويذة لضمان إبعاد عيون شرطة الشعبة الخاصة ( الأمن ) عني أو عنها . ما وجدتها صائمة ولا مصلية لكنها تقضي وقتاً طويلاً في خدمة الحسين الشهيد في أيام عاشوراء فترود ( قرايات النساء ) توزع ماءً أو شاياً على الحاضرات . تبكي بصدق كبير وتلطم صدرها كثيراً . نفس الحال تمارسه في رمضان بمناسبة مقتل علي أبن أبي طالب . . المكان الوحيد الذي تصلي فيه هو الحضرة المقدسة في النجف وكر بلاء وسامراء والكاظمية ..
كان أول هدف حققته وبلغته بجلاء عندما نسب لها أحد الشيوعيين البصراويين مهمة أكثر من طاقتها وهي مهمة إيصال جهاز ( صغير ) لا تعرف عنه شيئاً وضعوه لها في جنطة خاصة ووضعوا عليه وتحته ملابس كثيرة.. قالوا لها حافظي جيداً على الجنطة كي لا تقع بأيدي الشرطة . كان ذلك في شتاء 1947 ــ 1948 وكان عليها أن تتركني لبضعة أيام في بيت عمتي التي تعيش بحي الصبخة بالبصرة . كانت عندهم ضيفة من معارفنا وأخوتها من أصدقائي فدخلت في الليلة الثانية بغفلة من عمتي وأبنتها بأول تجربة عناق فتاة وتقبيلها وهي تكبرني بخمس سنين محتضناً إياها ليلة كاملة حتى طلوع الفجر. في صباح اليوم التالي نهضت من نومي ولم أجدها .
سافرت والدتي إلى بغداد شجاعة ، وأنا لا أعرف شيئاً عن السر الذي تحمله غير أنه سر شيوعي عرفتُ بعد سنين أنه كان جهاز طباعة . كان رهانها أنها قادرة على التمويه على أي كان من الشرطة العلنية والسرية وإيصال الجهاز إلى أحدهم في بغداد سليماً معافى ..
كانت هذه ، كما تقول ، أهم غزواتها في اقتحام معسكر الحكومة . لا أدري حتى الآن من هو الرفيق الذي كلفها بالمهمة وقد رفضت الإجابة على كل استفساراتي طيلة هذه السنوات بالقول : أنه سر أوصوني بعدم كشفه مطلقاً ..
الآن عندي رغبة شديدة في تدوين اسم هذا الرفيق بهذه الصفحة بالذات فذهبت إلى عبد الوهاب طاهر مستفسراً لكنه رفض الإجابة من دون أن يذكر السبب ولا أدري هل يعرفه أو لا يعرفه حقاً . كل السنوات التي مرت على الحادثة ظلت في ذهني احتمالات عديدة لأسماء عديدة مثل ( سليم إسماعيل أو عبد الوهاب طاهر أو عبد الجبار الحلوجي ، أو علي شعبان ، أو صبري عبد الكريم ) لا بد أنه واحد من هؤلاء والله أعلم .
أثناء العودة من بغداد حملتْ رزمة صغيرة من الأوراق ملفوفة بعناية بقصد إيصالها إلى البصرة بسلام . تواصلت سفراتها بين حين وآخر إلى بغداد مدعية أمام المعارف والجيران انها ذاهبة لزيارة أبو الجوادين مرة ولزيارة الحسين والعباس في مرة أخرى والى النجف في مرة ثالثة . كان هذا المنعطف في حياتها قد تركز في حمل البريد الحزبي المتبادل حسب قولها بين حزب بغداد و حزب البصرة وهو العمل الوحيد الذي تنال بواسطته ثناء وإطراء وتشجيعاً من الرفاق هنا في البصرة وهناك في بغداد . ومما كان يزيدها فخراً أنها بشجاعتها تستطيع اجتياز أطواق الشرطة مهما كانت كثيفة ومنتشرة في كل مكان .. في محطات القطارات وفي القطارات وفي مواقف الباصات والسيارات وفي الشوارع أيضاً بملابس الشرطة وبملابس مدنية . يستخدمون السيارات والدراجات في تنقلهم حسب الظروف والحاجة .
كما يبدو لي الآن إن تلك الحركة أفرزت جوهرها الحقيقي في خدمة الشيوعية التي تراها تكبر كلما ذبح أعداؤها جزءاً من جسدها بإعدام بعض الشيوعيين وسجن غيرهم . لم تكن تقرأ ولا تكتب لكنها تتابع الأخبار السياسية من الراديو ومن أفواه الناس , تعرف الكثير عن نتائج الحرب العالمية الأولى التي دخلت إلى البصرة والعراق مع الاحتلال الإنكليزي.. تعرف من الذي فاز بالحرب ومن الذي خسرها . تابعت تطورات الحرب العالمية الثانية وكانت قد كرهت هتلر بعكس رأي والدي الذي حمل له حباً من نوع ما في بداية الحرب .. وصارت تلعنه أمام والدي وأمام نساء المحلة اللائى لا يعرفن عنه شيئاً. هي المرأة الوحيدة في العشار تذهب مرات عديدة في الأسبوع لتقف بزاوية الشارع قرب ( قهوة حسن ) التي يتجمع حولها الرجال للإصغاء إلى لعلعة صوت المذيع المشهور (يونس بحري) من محطة برلين رافعا اسم هتلر إلى أعلى سماوات المجد والانتصار في الحرب حيث لم يكن في بيتنا جهاز راديو مثل أكثرية الناس ، آنذاك إذ لم يكن( الراديون ) قد اصبح شيئا بيتيا ضروريا . لكنها عندما تعود إلى البيت تضاعف لعناتها على هتلر و( صاحبه ) . كان لفظ اسم موسوليني صعبا عليها حتى الآن .
المنعطف المهم الذي كانت تحلم به وتتمناه هو أن أغدو في المستقبل محامياً معروفاً في البصرة التي كان فيها عدد المحامين محدودا لكنهم جميعا من أصحاب الجاه والنفوذ والأموال . حين فصلت من المدرسة في الصف الثالث المتوسط مع مجموعة من الطلاب بعيد انتفاضة تشرين 1952 لم تأبه لذلك لكن أملها صار أقوى حين عدت للمدرسة بعد عشرين يوماً يعد إلغاء قرار فصلنا بسبب نضال الطلبة وإضرابهم عن الدوام عاودها أمل أكبر وكانت تردد : ألم أقل لكم أن الطلاب صاروا محامين يدافعون عن إخوانهم الطلاب .
ذات يوم قال لها أحد التجار الكبار ( الحاج رضا أبو معاش ) بعد خروجي من التوقيف : إذا أردت ِ أن يكون جاسم محامياً اضغطي عليه ليتخلى عن السياسة والشيوعية .
بعد مدة من الزمن أنهى أبنه ( سعيد ) الدراسة الثانوية ودخل كلية التجارة في بغداد وفيها انتمى إلى حزب التحرير الإسلامي فصار خلاف كبير بين الأب والابن بشأن هذا التحول الذي كان يخشى أن يعرقل حلم الأب بجلوس أبنه وريثاً لعرشه في ( الخان التجاري الكبير ) الذي يملكه خاصة وأنه كان يعاني من مرض السرطان ، فقالت له والدتي : إذا أردت أن يكون أبنك تاجراً فاضغط عليه ليتخلى عن السياسة وحزب التحرير .
كانت تعزني بحماسة منقطعة النظير ، تفاخر بشيوعية أبنها دونما خوف أمام الجيران والعائلات الصديقة وحتى أمام الشرطة الذين يفتشون بيتنا أو الذين يلقون القبض عليّ في كل مناسبة احتياطا من مشاركتي بمظاهرة قادمة محتملة ضد زيارة يقوم بها للبصرة الملك فيصل الثاني أو نوري السعيد . بعكس والدي الذي كان يخشى عليّ من ضياع مستقبلي وحياتي ممارسا نصائحه لي بترك العمل الشيوعي والانصراف للدراسة . وقد اشتد ضغطه عليّ بعد خروجه من سجن البصرة الذي أمضى فيه محكوميته بالسجن لمدة شهر واحد أثر إلقاء القبض عليه متلبساً ببيع سيكابر رو ثمان مهربة من الكويت . حين خرج من السجن كان يحمل مشاعر غاضبة باعتقاده ان السجين تعامله الدولة كحشرة فراح يتوسل بي أن لا أكون سجيناً في يوم ما . وصارت عيناه من ذلك اليوم تدمعان بصمت خاشع كلما تحدث معي عن مستقبلي أو عن الشيوعية تاركاً ليس فقط بيع وشراء سيكَاير مهربة بل حتى تدخينها متحولاً إلى قضاء وقته مع الناركَيلة .
بعد هدوئه من محنة السجن أراد أن يحرجني بسؤال واحد كبير : ألا تخشى يا ولدي أن يرسلوك إلى سجن نقرة السلمان ذات يوم ..! ألا تعتقد أن الثعابين ستميتكم بسمومها هناك وتنتهي الشيوعية ..؟
لقد أكلني القمل في سجن البصرة يا ولدي لمدة شهر واحد وقررت ترك التعامل بالمهربات إلى الأبد فلماذا لا تقرر ترك جماعتك من الشيوعيين قبل أن تأكلكم جميعاً عقارب وحيات النقرة .. أنتم مجموعة قليلة من الشبان لا تملكون مالاً ولا سلاحاً فكيف تنتصرون ومتى تنتصرون ..؟
لم أتمكن من الحديث معه بصراحة مباشرة وهو في أشد حالات البؤس والتخاذل والتوتر أمام سطوة الحكومة التي أرعبته .
لم يكن يعتقد أو يفهم أن الحياة تتطور وتتقدم ليس بكثرة الناس أو قلتهم بل بصواب أفكارهم ونشاط عقولهم . لم يكن لا والدي ( يقرأ ولا يكتب ) ولا والدتي( الأمية ) قد زارا بقايا حضارة بابل ، لكنني كنتُ قد زرتها في الصيف الماضي للمرة الثانية بعد زيارتي المدرسية لها يوم كان عمري أربعة عشر عاماً . وقد أيقنت بعد عودتي أن بقايا بابل تصارع الموت كل يوم . تصارع الرياح التي تريد هدمها للابد .. تريد إزالتها من الوجود . الطبيعة أقوى من بنايات الطابوق البابلي لكنها عاجزة عن إنهاء تلك الطابوقات من الوجود لأنها نابتة في الأرض تؤكد وجود واستمرار حضارتها وعطاءاتها التي انتقلت مع مسيرة التاريخ إلى نينوى ومن هناك انتقلت إلى برسيولس وسارديس وجزيرة كريت ومنها إلى بلاد اليونان وإلى البلاد الرومانية ومنها إلى العالم أجمع . نعم من هذا المكان الموحش الفقير والحر الصيفي الشديد انتقلت علوم الفلك وعلوم الطبيعة إلى الجامعات الأوربية والأمريكية ولولاها لما تقدمت علوم الطب التي تداوينا اليوم .
من بابل انتقلت أشكال المعمار المتقدم فصار الأمريكان يشيدون ناطحات السحاب .
منها توارث اليهود أشياء كثيرة ولولاها لما أشادوا دولة إسرائيل .
منها تعلمت اليونان علم الحساب والفلسفة .
منها تعلّم العالم كله بناء المركبات المبنية على عجلات .
ومنها تعلم الإنسان حرفة الكتابة وصنعة الشرائع والقوانين .
ليعجب الإنسان حين يرى دجلة والفرات يحيطان بسومر وأكد وبابل فلا يكاد أحد يصدق أنهما قادران على إرواء تلك الحضارة القديمة وجنائنها المعلقة .
الشيوعية يا والدي حضارة في أفكارنا تنتقل مني إلى غيري . ومن غيري تنتقل إلى الفاو وإلى صحراء الزبير وإلى القرنة ومنها ستجد أسمها في ألسنة سكان هور الحمار يتداولونها بين أكواخهم وبين قصب البردي .
لا تستهن بنا يا والدي . عددنا سيزداد وسوف يكبر ويعلو قصب الشيوعية العراقية .. أتعرف السبب يا والدي ..!
أوصانا ستالين أن نكون شيوعيين جيدين وأناس جيدين وبنا تنتصر الشيوعية في العراق في نهاية المطاف ولو بعد قرون .
لأن الشيوعية نبتت جذورها في أرض الرافدين تماماً مثلما نبتت بابل في عمق الأرض والتاريخ .
لن تستطيع لا حيات نقرة السلمان ولا عقاربها أن تأكل الشيوعية طالما وُجد فقير كادح في هذه الأرض لأن الفقراء يحملون إرثها كما هي بشارة السيد المسيح و النبي محمد وكارل ماركس ولينين .
هذا ما أردت قوله لوالدي لكنني لم أتذوق جرأة الحديث والتحدي أمامه في كل سنوات عمري معه . كنت مصغيا لما يقوله فقط .
كان الخلاف الدائم بين والدي ووالدتي بسببي فهو يتهم والدتي بأنها تشجعني على الشيوعية أكثر من الحزب الشيوعي وكان يتهمها بأنها ستكون السبب بفقدان حياة الابن الوحيد الباقي كشمعة في حياتهما بعد وفاة أبنهما البكر (جاسم الأول) ووفاة أبنتهما ( فاطمة ) في وقت واحد تقريباً بفارق أقل من شهرين حين انتشر في البصرة وباء قال بعضهم انه الكوليرا وقال آخرون انه التايفوئيد أو الملاريا . وقد ظل حزنهما عميقاً حتى الآن .
لم يكن باستطاعتي التعويض عن خسارتهما الكبرى ولم أكن في أي يوم من الأيام قادرا على تخليصهما من أحزانهما التي كانت معدلاتها تزداد في أعماقهما بعد أن وضعتني الحياة هدفا من أهداف قوى الظلام للقضاء على الشيوعية وإنقاذ العراق من الشيوعيين ..! كما تدعي في صحفها وأبواقها كل يوم .
مضت والدتي في طريقها الذي اختطته لنفسها بتقديم كل أنواع الخدمات للشيوعيين وتنفيذ كل أنواع المهمات التي توكل إليها لكنها كانت تصرح أمام الشيوعيين من رفاقي: أنني أحب توزيع المنشورات أكثر من عمل البوسطة بين بغداد والبصرة .
كل شيء يحزن والدتي ما عدا توزيع النشرات الحزبية . تذهب إلى السوق تغافل صاحب الدكان الذي يضع الفواكه والمخضرات خارج دكانه أو على الأرض فتضع منشوراً بين الطماطة أو البطاطا . كما تدخل منشورا واحدا من اسفل باب عيادة مركب الأسنان عبد الأمير المحاويلي . تذهب لهذه أو تلك من الصيدليات لتضعها بين أيدي المراجعين وتهرب مسرعة . تقوم بتسليم اليد إلى أم موسى كاظم السجين في سجن بعقوبة كذلك إلى الشابات نجوى وحليمة وبشرى.. أما المصور الفوفوغرافي الشمسي ( طه ) الناصب كامرته على قارعة الطريق فيسألها بصوت عال ٍ كلما مرت قريبة من موقعه :
ــ ها أم جاسم ما عندج كيك ..!
مهمتها هذه تجلب لها البهجة والسعادة ..
اعترف أنني خلقت لحياة والدتي مشقة رهيبة ومرارة قاتلة كلما دخلت موقفا أو سجنا وكان عدد بطاقات الدخول كثيرة في حياتي بعدد حالات الاختفاء والهروب مما يجعل في داخلها الكثير من المشاكل الصامتة في أعماقها. لم يكن والدي أقل منها أذى و" مصائب " كما كانت تسميها . كانت تتعذب كلما أخبرها أنه سيبيع بستانا أو بيتاً مما يملك وهي تعتقد أن الأرض هي أم الإنسان وأن البيت ثوبه .. بل هما ، الأرض والبيت ، دم الإنسان . كيف يبيع الإنسان أمه أو يفرط في دمه . لكن الحاجة أكبر من ملكية بيت . بموجب الضرورة كانت تذعن لطلباته رغم أنها تملك إرادة قوية عنيدة .
مرة قال لها : خذي أقرأي هذه الورقة .. ليس لدينا الآن سوى ديناراً واحداً لإعالتنا جميعا خلال شهر بكامله .
أخرج من جيبه وصلاً قرأه على سمعها :
إننا مجيد أبن عاشور ومحمد أبن أمطير قد قبضنا من رؤوف أبن عباس مبلغاً قدره ستة دنانير لا غيرها وذلك عن بدل إيجار الدار الواقعة في العشار المرقمة 9/8/90 العائدة لنا لمدة ثلاثة شهور من 1 مايس 1939 إلى نهاية تموز 1939
تصوري هذا هو عائدنا ، أنا وأبن خالتي ، استلمنا هذا المبلغ مناصفة . هو يستطيع العيش بكل راحة لان عائدات أخرى من أشغاله الأخرى تأتيه كل شهر . أما أنا فلا يكفيني هذا المبلغ لتأمين ما احتاج إليه من خمرة .
كان والدي في الثلاثينات والأربعينات قد أغرق نفسه في لجة الخمرة معتقداً أن هذه اللجة قادرة على تخليصه من آلامه وأحزانه . لكن النتيجة لم تكن كما كان يتوقعها . كلما ازداد انغمارا في تلك اللجة كلما ساءت أوضاعه المالية حتى انه بكى بكاء النساء ، كما قالت والدتي ، حين باع البيت والبستان المرقم 147 الكائنين على شط العرب في كردلان . هي ذاتها الدار التي ودع فيها أباه وعميه إلى الأبد . كما ودع فيه أخويه وولديه . لذلك فهي في نظره دار الأحزان رغم انه تزوج فيها وولدتُ أنا فيها .
في فترة الثلاثينات والأربعينات لم يكن والدي يهتم بغير خمرته وونساته في ملهى الفارابي ونسائه حتى نهاية الأربعينات حيث انقلب في ليلة من الليالي بعد حلم في فجرها إلى رجل متدين من الطراز الأول . بينما كانت والدتي طيلة تلك الفترة لا تفكر بغير أولادها الثلاثة . ثم تركزت تطلعات حياتها بي وحدي .
كان الفقر يقترب منا اكثر وأكثر حتى صار والدي عاملا في دائرة كهرباء البلدية تماما مثله صرت انا في ما بعد عاملا في دائرة الكهرباء بالعشار قارئا لمقاييس كهرباء بيوت المواطنين بينما شغلت والدتي نفسها بما يجري في البصرة والعراق من أحداث ومظاهرات وإضرابات وتوزيع المنشورات ..
أصبحنا نحن الثلاثة في ثلاثة مفترقات :
أنا أبحث عن عمل جديد بعد فصلي من العمل في دائرة الكهرباء بسبب نشاطي في التحضير لإضراب عمال الميناء.
والدي يبحث عن وادي النسيان بالتفرغ لقراءة القرآن .
والدتي تواصل استيراد المنشورات من بغداد .
حين حاول الشرطي ( علي تفنك ) يوما ما أن يفتشها بصقت في وجهه وضربته بقوة على وجهه . أرسل مدير الشعبة الخاصة ( الأمن ) اثنان من شرطته في اليوم التالي لاستقدامها والتحقيق معها رفضت بشدة وأغلقت الباب بوجههما .
بعد ظهر نفس اليوم حضر المختار عبد الصمد المظفر ومعه شرطة وشاهدان واثنان من رجال الشعبة الخاصة لإلقاء القبض عليها لم تفتح الباب . لم أكن في البيت فوجدتْ أن لا مفر من الهروب حاملة معها رزمة ورقية فقفزت إلى بيت الجيران ( بيت خليل القيسي وسلمان القيسي ) ومن سطحه إلى بيت جيرانهم ( بيت عبد الخالق الهواز ) الذي يطل على فرع آخر من محلة البجاري لتختفي في بيت عبد الوهاب طاهر ، لكن يدها كانت قد كسرت من الرسغ عندما قفزت إلى سطح بيت الهواز فنقلها عبد الرزاق طاهر إلى المستشفى لمعالجتها وظلت طوال عمرها تفاخر بهذا الجزء المكسور من جسمها أمام كل رفيق حزبي تلتقي به لأول مرة .
اليوم ثلاثتنا نشعر بالغربة في آن واحد وفي يوم واحد .
والدي الأعمى في البيت وحيداً يتألم بشدة لأن والدتي ليست معه وليست معي .
لا بد أن تكون هي أيضاً تعاني غربتها وآلامها .. سجينة في بيت المختار محرومة من زيارة لسجن نقرة السلمان .
وأنا هنا في القاووش رقم 4 تحيط بي أربعة جدران لم أشعر بثقلها ورهبتها إلاّ اليوم الذي غابت فيه والدتي عن مواجهتي الشهرية لأنها قابعة في ممر ضيق قد يكون أثقل عليها من جدران هذا السجن . بالله العظيم لا استطيع أن أفصل نفسي عن همومها وعن هموم كل أمهات سجناء نقرة السلمان .
أه أيها الوطن المستعبد بجوقة من الظالمين الحاكمين ..
آه أيها الوطن هل تستطيع أن تفكر بما نفكر به نحن السجناء .
آه يا حزبنا يا خالق نضالنا.. أكبر رغبة عندي هي أن أكون حراً ..
تظل الحرية أحسن ما تنطوي عليه صدور الناس أيها الناس ..
ويبقى سجن نقرة السلمان رهيب بلا والدتي .. عاصف بلا والدتي .. موحش بلا والدتي . وكما قال سامي أحمد ذلك اليوم : لا يزهر السجن بلا هدايا أم جاسم ..
يتبع
¤ نقرة السلمان (41)
¤ نقرة السلمان (40)
¤ نقرة السلمان (39)
¤ نقرة السلمان (38)
¤ نقرة السلمان (37)
¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)