| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأربعاء 12/11/ 2008



نقرة السلمان
(40)

جاسم المطير

محمد الملا عبد الكريم موسوعة متنقلة داخل السجن .

في السجن عدد كبير من المناضلين الأكراد منهم العمال ومنهم الضباط والعسكريين من مختلف الرتب ومنهم الفلاحين ومنهم المهندسين ومنهم الأطباء ومنهم الكسبة وغيرهم من أصحاب المهن والوظائف الحكومية . أغلبهم من الشيوعيين والأقلية منهم من المستقلين . كل واحد من هؤلاء يعتبر أن قضية الشعب الكردي هي نفسها قضية الشعب العراقي كله . مصدر هذه الفكرة موجود في ثقافة وأدبيات الحزب الشيوعي .

لكن مصدرها في السجن كان اثنان :

(1) الأول هو مكرم الطالباني ، الإنسان المتميز بالهدوء التام ربما هو كثير التفكير بما آل إليه الوضع السياسي في العراق لكنه قليل الكلام وقليل الحركة في السجن . غير أن الكثير من الشيوعيين وغيرهم سواء كانوا من العرب أو من الأكراد يحيطون به في القاووش رقم 7 بعد وجبة الإفطار وبعد وجبة العشاء أيضا . يتناولون الأحاديث المختلفة بعضها يتعلق بالتنظيم الطبقي وبعضها بالوضع السياسي وخاصة الأوضاع المتعلقة بالشعب الكردي وبتاريخه ونضالاته وتضحياته .

(2) المصدر الثاني هو محمد الملا عبد الكريم . كنا نسميه العلامة كاكة محمد . فهو شاب نشيط في مشيته ونشيط في عمله الثقافي ونشيط في واجباته السجنية . يتقن المعارف الإنسانية الأساسية عن العوامل الاقتصادية باعتبارها العلة في الحروب العالمية والإقليمية ، ويتقن دور تقسيم العمل باعتباره احد أهم أركان الماركسية المؤثر في الحياة الاجتماعية .

كان كلام هاشم الطعان حول اللغة العربية وضرورة تدريسها لجميع الأدباء كتـّابا وشعراء داخل السجن قال للمنظمة الحزبية أن اللغة العربية في السجن بحاجة إلى محمد الملا عبد الكريم لأنه يملك القدرة الحقيقية والواسعة على ذلك .

هكذا اكتشف السجناء موهبة أخرى لدى هذا الكردي ( كاكة محمد ) ففي أعماقه إنسان منظم بأصول اللغة العربية وفروعها وهو مجموعة موجودات لغوية باستطاعته ان يستخدمها لخدمة السجناء الكتاب والشعراء العرب ..!

بهذه الصورة وصفه اللغوي هاشم الطعان .

لم اصدق ذلك في بداية الأمر .. وسألت نفسي هل يمكن أن يكون كرديا ضليعا بالعربية كي يصبح واحدا من المراجع اللغوية في السجن إضافة إلى كونه مرجعا من المراجع في تاريخ الشعب الكردي . .؟

اكتشفت حقيقة هذا الشاب النشيط الذي كان مشدودا بخيوط كثيرة إلى نور الشمس في النقرة والى هوائها الحافل بآمال المستقبل الذي يحلم به كل واحد منا . كأنني أرى محمد الملا عبد الكريم ليس سجينا مقيدا خبأته الحكومة مثل السجناء الآخرين في صندوق نقرة السلمان . المودة عنده ممتدة إلى كل سجين آخر . يتفقد هذا ويزور ذاك ويمرح بنكتة مع الآخرين . كانت ساعات المحادثة الحرة مع محمد الملا من أكثر ساعات السجن استمتاعا وحيوية خصوصا عندما يكون ضمن دائرة نقاش أو حوار حول قضية من قضايا السياسة والحزب . لا يشعر بأي قلق ولا توتر مهما كانت درجة الخلاف معه . لا يعد الساعات مثل آخرين ولا يحسب الأيام والسنوات . لذلك صار هو رمز السجين الصلب الصابر ز القادر أن يحمل لقب محبوب السجناء جميعا .

حين انعقدت الصلة بيني وبينه حول بحث كنت أعده عن أصول النفط العراقي وعلاقتها بالقضية الكردية أدركتُ أن هذا الشاب موسوعي المعلومات واللغة وأنه سيكون مصدرا لي في البحث وعونا لي في تعلم أصول اللغة العربية وقواعدها بذات الوقت .

في الحقيقة يوجد عدد من الأكراد السجناء يحيطون بتركيب القضية الكردية وعقدها . وهناك عدد من الأكراد لا يعرفون غير التمسك بأصولهم الكردية ، لكنني اكتشفتُ أن كاكة محمد هو الموسوعة العراقية – الكردية المتنقلة داخل السجن وهذه الموسوعة موضوعة تحت تصرف الجميع .

حين اطلع على الاستهلال التالي في بحثي :

احتل الإنجليز العراق، عام 1917، ، ووضع تحت الانتداب الإنجليزي، في 3 آذار 1920.

قال لي أن هناك نقصا في هذا الاستهلال إذ من الضروري القول بحقيقة العبارة التالية ( بعد طرد القوات العثمانية منه) ووضعها في داخل نص الاستهلال .

مع مرور الوقت أدركت أهمية هذه العبارة الصغيرة التي لها علاقة بين تحرير العراق من السيطرة العثمانية ووضعه تحت السيطرة البريطانية الاستعمارية ، وكان أساس هذا التغير هو وجود النفط بغزارة في باطن الأرض العراقية ووجود الشعب الكردي في شمال العراق . كما أدركت أهمية الكفاح الشعبي الديمقراطي من اجل حماية حقوق المواطنين أي حماية حقوق كل فرد في وطننا وكل أقلية من كل أنواع الاضطهاد والاستغلال من السلطات الحاكمة التي تعاقبت على دست الحكم .

من هذا المنطلق رحت مكملا بحثي على الأسس التالية :

(1) في نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت القوات التركية لا تزال محتفظة بمنطقتَي الموصل والسليمانية. بينما ترابط القوات البريطانية في جنوب الموصل. وعلى أثر توقيع معاهدة الهدنة، بين الحلفاء والدولة العثمانية المنهزمة، في أول تشرين الثاني 1918. انسحب القائد التركي بقواته من الموصل، إلى داخل الأراضي التركية، بموجب نصوص المعاهدة المذكورة.

(2) كانت بريطانيا وتركيا تعلمان أهمية الموصل النفطية. وحاول الأتراك الاحتفاظ بها، وضمها إلى تركيا الحديثة. فأقر المجلس الوطني التركي، في "الميثاق الوطني"، في 13 أيلول 1919، في مادته الأولى، ما يلي:

"إذا اقتضت الضرورة، يقرر مصير أجزاء الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسكنها أكثرية عربية، والتي كانت، حين عقد الهدنة في 20 تشرين الأول 1918، تحت احتلال القوات المعادية، وفقاً لتصويت سكانها الحر.

(3) أما تلك الأجزاء التي تسكنها أكثرية عثمانية مسلمة، متحدة في الدين والجنس والهدف، ومشربة بعواطف الاحترام المتبادل، وبالتضحية، وتحترم احتراماً كلياً متبادلاً الحقوق، القومية والاجتماعية، والظروف المحيطة بها، فتؤلف جزءاً من الوطن، لا ينفصل عنه لأي سبب، منطقي أو قانوني .

(4) بعد انتصار الأتراك على اليونانيين، وطردهم من غربي الأناضول وأزمير، أعلن مصطفى كمال، فيما يتعلق بمشكلة الموصل، أن الميثاق الوطني هو الحد الأدنى لحقوق تركيا. وأعلن عصمت إينونو، رئيس الوفد التركي إلى مؤتمر لوزان، عام 1923، بإصرار، أن سكان الموصل، هم من الترك المسلمين، بدليل أنهم انتخبوا عنهم نواباً في المجلس الوطني الكبير. وعقدت معاهدة لوزان، التي عالجت كافة الأمور بين تركيا والحلفاء، ورسمت الحدود التركية مع جيرانها (بلغاريا واليونان وسورية وروسيا وأرمينيا). إلا أنها أبقت الحدود التركية، الجنوبية والجنوبية الشرقية، من دون تسوية. فقد نصت المادة الثالثة على ما يلي: "ستتم تسوية الحدود الفاصلة بين تركيا والعراق، بطريقة دولية، بين الحكومتَين البريطانية والتركية، في غضون تسعة أشهر. وإن لم تتوصل الحكومتان إلى اتفاق، خلال المدة المعينة، تحال القضية إلى مجلس عصبة الأمم".

(5) عقد مؤتمر، في إستانبول، لبحث مشكلة الموصل، في 19 أيار 1924. وأعلن رئيس الوفد التركي، قائلاً: إن الترك والأكراد أبناء وطن واحد. وإنه من المستحيل اقتطاعهم من وطنهم، من أجل بضعة آلاف من الأشوريين. وكرر الحجة التركية القائلة إن الأكراد في ولاية الموصل، قد "انتخبوا عنهم نواباً في المجلس الوطني الكبير".

(6) لم ينجح مؤتمر استانبول، فعاد الطرفان، التركي والبريطاني، إلى مجلس عصبة الأمم. وحاول الأتراك، عام 1924، الاستيلاء على الموصل، بالقوة، ولكنهم انسحبوا منها، في العام نفسه.

(7) أُحيلت مسألة الحدود إلى مجلس عصبة الأمم، فقرر، في 30 أيلول 1924، تشكيل لجنة دولية، من ثلاثة أعضاء، للتحقيق في مشكلة الموصل، وتقديم تقريرها حول الحدود. وكان أعضاء اللجنة، هم: الكولونيل البلجيكي باوليس، والكونت تيكيلي، وهو رئيس وزراء المجر السابق، وفيرسن، الوزير السويدي المفوض، الذي تولى رئاسة اللجنة. وقد قررت اللجنة إجراء بالتحريات في المنطقة، فوصلت إلى الموصل، في يناير 1925.

(8) قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس عصبة الأمم. واقترحت تركيا إجراء استفتاء، يبيّن إرادة السكان. غير أن بريطانيا، عارضت الاقتراح، لأن الأمر يتعلق بخط الحدود، وليس بمنطقة من المناطق. وتقدم الجانبان بأرقام مختلفة عن القوميات القاطنة في الموصل. عَدَّ الإنجليز الأكراد آريين، لا تربطهم بالأتراك رابطة. أما الأتراك، فأعلنوا أنه لا يوجد فرق بين الأكراد والأتراك، وأن الأمّتَين، قد عاشتا، بود، جنباً إلى جنب، طيلة قرون عديدة. وتوصلت اللجنة إلى استنتاجات تختلف عن ذلك كلياً "ليس الأكراد عرباً، ولا ترْكاً، ولا فرْساً. إلا أنهم قريبون من الفرْس أكثر من الآخرين. وهم يختلفون، ويجب تمييزهم عن الأتراك. وهم بعيدون عن العرب، ويختلفون عنهم أكثر". ثم يمضي التقرير، قائلاً: "وفي حالة اعتماد النواحي العنصرية، وحدها، أساساً للاستنتاج، فإنها تقودنا إلى القول بوجوب إنشاء دولة كردية مستقلة. فالأكراد يشكلون خمسة أثمان السكان. وإذا صار الاتجاه إلى هذا الحل، فإن اليزيديين، وهم عنصر مشابه للأكراد، يجب أن يدخلوا ضمن عددهم، فتكون نسبة الأكراد، حينذاك، سبعة أثمان السكان". وهذا يعني أن الوثائق الرسمية لعصبة الأمم، تعترف بوجود الأكراد كأمة مستقلة، وكذلك، بحقهم في إنشاء دولة كردية مستقلة. قرر مجلس عصبة الأمم، في 16 كانون اول 1925، ضم الموصل إلى الأراضي العراقية.

(9) قبِلت تركيا، آخر الأمر، بخط بروكسل، الذي عَّين حدودها الجنوبية، بموجب القرار، الصادر عن لجنة عصبة الأمم، في بروكسل، عام 1924. وبذلك فصلت كردستان العراق عن كردستان تركيا. ودخل جزء من أراضي كردستان ضمن حدود الدولة العراقية.

(10) في 13 كانون ثاني 1926، أبرمت الحكومتان، العراقية والتركية المعاهدة التي نظمت الحدود بينهما. وجاء في المادة 12 من المعاهدة المذكورة ما يلي: "على السلطات التركية، والسلطات العراقية، الامتناع عن كل علاقة ذات صبغة رسمية، أو سياسية، مع رؤساء العشائر أو شيوخها، أو غيرهم من أفرادها، من رعايا الدولة الأخرى، الموجودين، فعلاً، في أراضيهما، وعليها ألاّ تجيز، في منطقة الحدود، تشكيلات للدعاية، ولا اجتماعات، موجّهة ضد أي من الدولتَين".

(11) حين حصلت بريطانيا على امتيازاتها النفطية، فقدت كل اهتمام بإنشاء دولة كردية. ولم يكن في نية البريطانيين حسم القضية الكردية، بل أرادوا إبقاءها ورقة ضغط في أيديهم، للضغط على الحكومة العراقية الجديدة وربما الضغط على كل حكومة عراقية طيلة القرن العشرين .

(12) في حزيران 1930، انتهى الانتداب البريطاني على العراق، وأصبح دولة " مستقلة " .

حين أعطيت هذا الفصل إلى كاكة محمد لتصحيحه لغويا وجدته مضيفا الكثير من المعلومات التاريخية إلى التصحيحات اللغوية فأيقنت أن هذا الكردي مفخرة من مفاخر الحزب الشيوعي وعلامة بارزة في البناء الثقافي الذي شيده الشيوعيون في نقرة السلمان .

بعد انتقاله من النقرة إلى سجن الحلة بأسبوعين كان هذا الفصل موضوع محاضرتي حول القضية الكردية أمام مجموعة من سجناء قاووش رقم 8 حضر معهم سامي احمد من قاووش 5 وكاظم فرهود من قاووش 7 .

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (39)
¤ نقرة السلمان (38)
¤ نقرة السلمان (37)
¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)  
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس