جاسم المطير
الخميس 13/11/ 2008
نقرة السلمان
(41)جاسم المطير
ألفريد سمعان .. بين الحب والرياضة والشيوعية ..
حين أشاهد السجناء يلعبون كرة القدم تتوقف عندي كل فعالية ..أترك القراءة إن كنت منشغلاً بكتاب . أترك الكتابة إن كنت منشغلاً بأوراقها .. أترك العمل إن كنت مكلفاً بواجب ولتأت العقوبة من لجنة تنظيم السجن في ما بعد بالتوبيخ أو التنبيه . إن كنت مدعواً لاجتماع ثقافي أو حزبي فأنني أغمض عيني عنه وأفتحهما على كرة القدم . كنت أعتقد أن على السجن كله والسجناء كلهم أن يتوقفوا عن كل عمل خلال الوقت الذي تستغرقه مباراة رياضية . لا شيء نخسر إن قضينا وقتنا بأجمل متعة بريئة أوجدتها لنا " الحضارة الأولمبية ".
ذاك هو في وسط الساحة ألفريد سمعان . ترك فترة الشعر وفترة " الكسل " كي يمارس " أشرف " واجب في حياة الإنسان ، كما يبالغ في قوله مازحاً . يأتي الواجب الرياضي في عقل الشاعر النشيط الفريد سمعان من عمق إيمانه بالشيوعية فهو يعتقد بل يصرح دائما أن مجتمع نقرة السلمان يجب أن لا يظل مجتمعا سياسيا خالصا فالسياسة وحوارها يظلان دوما أساسا للتوتر بين السجناء وهذا يعني باعتقاده ضرورة فتح الطريق أمام كل الفعاليات والاهتمامات الإنسانية الأخرى وأولها الفعاليات الرياضية المتنوعة بما فيها سباقات كرة القدم التي تحمل بجوهرها روح المباراة والتربية الديمقراطية وكان يعتقد أن النشاط الرياضي يسهم ليس فقط بتطوير السجين وتخليص نفسيته من الكآبة والكسل المقيت بل أنها تسهم بتطوير العلاقات الجماعية بين السجناء كافة .
أغمضت عيني قليلاً . شعرت أنهما احمرتا بشيء من ذكريات البصرة الرياضية وكيف جاء شرطيان ذات يوم إلى وسط ساحة مدرسة الرجاء العالي ليلقيا القبض عليّ " احتياطيا " بمناسبة زيارة متوقعة بعد يومين يقوم بها الملك فيصل الثاني لمدينة البصرة .
أطلق سراحي بعد يومين من انتهاء زيارة الملك . عدت مطالباً الفريقين المتباريين يوم اعتقالي إلى إعادة المباراة ثانية فخسرنا فيها بعد إجرائها .
هو ذا ألفريد سمعان لا يتردد عن ترك أي شيء من أجل الرياضة حبيبته الأولى ، وهو مستعد أن يقف على مكان عال ٍ في سجن نقرة السلمان ليقول : ما الحب إلاّ للحبيب الأول ِ ..
عدتُ بذاكرتي إلى زمان البصرة ..
كان ألفريد سمعان في أيام فتوته الأولى يختلس النظر إلى كل جهات ساحة كرة القدم بوسط ثانوية العشار للبنين . ينظر إلى كرة القدم كفريسة يمكن أن يدور حولها صيده الأزلي . يتخيل جوع الفقراء كما يقرأه في الكتب كلعبة عالمية في ملعب كبير لكرة القدم .
يعتقد أن نظرة والدته وبيانات الحزب الشيوعي تلتقيان في الدعوة إلى عون الفقراء والكفاح في سبيلهم . اللقاء بين أفكار والدته وأفكار الحزب الشيوعي جعلاه ينتمي إلى معسكر البشرية الفقيرة وهو الانتماء الوحيد الجدير بالسمو ، فأحب الفقراء وأحب مساعدتهم وحلم ، منذ صغر سنه ، أن يكون محامياً مرموقاً في مقدمة المدافعين عن الكادحين والمحرومين . الحب بأنواعه كافة كان في نظره مجازفة من مجازفات الحياة ... مجازفة شاملة ورغبة مشتعلة في أعماق القلوب الإنسانية . لم ينفصل عن حبه وعقيدته . حتى حبه للشعر منذ نعومة أظفاره كان حباً جارفاً مكرساً للعدل والحرية . لكن والده ( معاون الشرطة ) لم يغلف مواهبه البينة بأثواب من التشجيع . بل كان يدله على طريق آخر ..الطريق الوحيد ذي القيمة المالية الكبيرة ، بنظر الأب ، هو طريق الوظيفة الحكومية حيث الجاه والسلطة والسطوة .
بدأ التحدي الأول عنده في الحياة حين أصر على وضع تصوره الأساسي للحياة في الشعر . يعتقد أن هذا التصور يجب أن يسير ويتحرك مع الصالح العام وليس لهذا معنى غير الوقوف إلى جانب فقراء الوطن وحرية الشعب وحقه في الحياة الحرة الكريمة .
لعل نظام التحرك الجماهيري الواسع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية جعله يمارس التحدي على الفور . أول تحد ٍ في حياته كان لــ" ممثل الحكومة " في بيته وهو والده ضابط الشرطة الذي يلمّع نجوم كتفيه صباح كل يوم . تحدّاه بانغماره ، سراً ، بالسياسة المضادة لأولئك السادة الذين وضعوا النجوم على كتفيه . أصبح ألفريد سمعان في صف القوى اليسارية وأوسعها انتشاراً، الحزب الشيوعي العراقي ، معبراً بذلك عن أبلغ أنواع التحدي الأبوي لضابط الشرطة في بيته . كان قلب الوالدة مع قلب أبنها يدقان سوية .
في شوارع المحلة ، وفي ساحة ثانوية البصرة للبنين كان يمارس رفاهيته بالتدريب على كرة القدم . يتقدم في ساحتها خطوة فخطوة . أصبحت معرفته بالكرة وحركتها طاقة جديدة دفعته لأن يكون في مركز هجوم فريق ثانوية البصرة . أول طاقة عظيمة تشكلت لديه هي الرياضة . كان أسلافه من أبناء عائلته ومن أعمامه يملكون طاقة العلم . أما الشعر فقد نمت طاقته مبكراً لكن في مساحة أقل من تصوراته الرياضية . مرة تظهر عنده موهبة الشعر ومرة تختفي موهبته لزمن قصير كلما تتغلب عنده رغبته في الفعل الرياضي المتميز بسرعة الشهرة والنجومية وبنيل وسام التصفيق كلما سجل هدفاً . كان سريع الحركة داخل الساحة ،استطاع في عدد من المرات أن يكسب النصر لفريقه الذي ضم العديد من الأسماء اللامعة في لواء البصرة .
كان ألفريد سمعان وكريم علاوي ومحمد الهواز وبيرسي وحمزة عباس وصالح خزعل ومهدي محمد صالح وعبد الوهاب طاهر وغيرهم من أحب الأسماء الرياضية عندي أصفق لهم حتى إذا خسروا . لأن وجودهم في أي فريق يحقق تكاملاً في النصر الرياضي لفريق المدرسة الثانوية أو لفريق البصرة أو لأي فريق آخر .
هذا الفتى النحيف الفذ يمارس كرة القدم بمسؤولية لا تقل عن مسؤولية وأخلاقية السياسي الملتزم بقضية ما . لم تقتصر موهبته بهذه الحدود ، فكل يومياته كانت امتدادا لمواهبه . يقرأ بصمت وبهدوء وبتركيز . يمد نفسه الرقيقة داخل عالم السياسة أيضاً . يحضر اجتماعات الرياضيين من زملائه الذين ناصروا حزب التحرر الوطني قبل أن يجاز ، بلا خوف ، وبشجاعة . ينظر ، باستمرار ، إلى تجديد الحياة كأمر ضروري من أمور المتعة في هذه الدنيا . كان معروفاً بحبه للأغاني والموسيقى كمتعة أخرى .الشيء الأبرز من كل هذا أن أوقات فراغه غالباً ما تتعطل داخل صالات السينما ، كأنه يولد من جديد عند مشاهدته أي فلم جديد من أفلام " الحركة والمغامرات والشجارات والبوكسات " المنتجة في هوليوود ، مثلما يحب ويهوى الأفلام الاستعراضية المصرية والأفلام الهندية " الخارقة " كأفلام " هنتر والي " ..
ثمة حب لديه للخلوة مع نفسه . لم يكن أحد يعرف ماذا تعني هذه الخلوة التي يسميها " مفيدة " بنظره . يهرب في خلوته من سطوة والده ــ ضابط الشرطة ــ ومن أصدقائه أيضاً . الكل يعتقد أن ذلك بسبب ولعه بالقراءة فقد كان يلتهم بسرعة العديد من الروايات والقصص العالمية . لكننا سرعان ما اكتشفنا دلالة أخرى . ففي مرحلة من مراحل نضوج فتوته بدأ يوجد ويبني الصلة القوية مع الشعر ، يقرأه وينظمه ، كوسيلة من وسائل شفاء إنسان تلك المرحلة اللاحقة لمجزرة الحرب العالمية الثانية والمهددة بمجزرة جديدة بقيام الحرب الكورية .
بدأ يتحرك بصبر وعناد مع أدوات الشعر . أصطدم ببرودة الخوف من نشر ما يضعه من أبيات الشعر على ورق أبيض جامد . اهتزت جميع أعصابه من الخوف ، ذات يوم ، حين وضع قصيدة من قصائده الأولى ، في صندوق البريد تحمل عنوان صحيفة رياضية في بغداد . العرق يتدفق من جبينه بغزارة رغم أنه تحلى في ذلك اليوم بهيئة جديدة زادته ، بعد مغادرته دائرة البريد في العشار ، مرحاً وحبوراً وقوة بدت منفتحة على الأمل والحياة .
أعطت بويضة الشعر ولادتها خلقاً في قصيدته منشورة في الصفحة الأولى . فقد جاءت مجلة النادي الرياضي الصادرة في بغداد التي يشرف على تحريرها نعمان ماهر الكنعاني وهي تحمل القصيدة كاملة وكان مطلعها :
تساءل كيف تصوغ القريض وتنظم شعراً رقيق الغزل
وتبثينه في نفوس الحيارى رقيق المقاطع حلو الجمل
لم يكن يتوقع لهذه القصيدة أن ترى النور أصلاً ، لكنه وجدها تزدهر بالصفحة الأولى . من قرأها من الأصدقاء شعروا في الحال بولادة شاعر عراقي جديد . أعطته القصيدة ، منشورة ، سعادة يصعب وصفها .. منحته طاقة تضاعفت مرات وأخذ يتمتع بالمزيد المزيد من القصائد التي أرسلها إلى عبد الرزاق الهلالي الذي كان يصدر مجلة رياضية أيضاً . ، فأوجد الصلة بين قسوة كرة القدم التي كان يتبعها راكضاً كلاعب " هجوم " وبين رقة القصيدة التي يلتمس فيها " الدفاع " عن رومانتيكية الشباب .
اختفت عنده كآبة الرياضي الذي يؤجل نصره دائماً إلى لعبة قادمة . انتصرت عنده بسمة الشعر التي تصاحب نظام التطلع الولهان إلى فتاة الأحلام . كنا ، كما يفعل جميع أصدقائه ، نشجعه على الشعر مثلما كنا نصفق له ونحن على حافات ساحات كرة القدم . أصبح أسم ألفريد سمعان منذ اليوم الذي ولد فيه شاعراً في مجلات رياضية تصدر في بغداد العاصمة بأنه سبقنا بجيل كامل حيث كانت كتاباتنا تستقر في جرائد الحيطان المدرسية ، بل أنه تباهى ، مرات عديدة ، أنه استطاع أن يقفز ، قفزة هجوم سريعة ، جعلته قريباً من أسماء الشعر اللامعة . غاب بضعة أيام عن الظهور في مدينة العشار فظهر أنه مسافر إلى بغداد . حين عاد منها حدثنا أنه رأى بعينيه شاعر البصرة ، بدر شاكر السياب ، واقفاً على قاعدة سياج مقبرة شهداء وثبة كانون يلقي قصيدة تأبينية يقول فيها :
إن همّ بالإفصاح قالوا مجرم خطر العقيدة أحمر الجلباب
تأوه حين أكمل أمامنا إلقاء هذا البيت معبراً عن أمنيته في أن يأتي يوم يقف فيه مثل وقفة بدر .
كان ينسى همـّه في وجوه ممثلي وممثلات أفلام ذلك الزمان . جاء مرة ليقول :
ــ احترقتُ اليوم بجمال ناضر ما بعده من جمال . نظرتُ إليها ونظرت لي . ابتسمتُ وابتسمت ْ . سألتها وأجابت ..صارت عندي الآن فرصة نادرة للحب .
صعد الدم إلى وجهه وهو يتحدث بهمس وحماس عن فتاته وبغاية الحساسية .. فقد تحول الرياضي الشاعر إلى عاشق حساس .
من هي المحظوظة يا ترى بكسب هذا القلب الودود المخلص للرياضة والشعر والسياسة متوجاً إخلاصه في الحب . من يا ترى هذه الفتاة ..؟
التقى بها ، كما قال ، داخل صالة سينما الحمراء بساحة أم البروم بالعشار ، في أثناء عرض فيلم عراقي ــ مصري.
لم يعرف أحد من هي . لم يلتقِ ِ بها في شارع الكورنيش كما يفعل عشاق البصرة . لم يلتق ِ بها في شارع آخر أو سوق أو مقهى . كانت لقاءاتهما تتم في " لوج " داخل الصالة العليا من سينما الحمراء المطلة على ساحة أم البروم . حاملاً أوراق شعره ليجلس بجانبها وهي ترتدي العباءة التي تنزل على كتفيها حال نزول ظلام الصالة فيظل الهمس لغتهما الأثيرة .
يستمر التساؤل : من هي ..؟
ويكثر التساؤل : منشورات أي حزب يخفيها هذا الشاب ..؟
لم يجب .
لكن الزمن اللاحق أجاب .
في يوم سفره إلى سوريا مجبراً من قبل والده " ضابط الشرطة " على إكمال دراسته في دمشق وقد وافق متطلعا نحو تحقيق عناصر مكونات مستقبله للدفاع عن حقوق وأمنيات شعبه ، أمتلك الجرأة في ذلك اليوم على الإفصاح بأن حبيبته تفوقه عمراً وحباً للشعر .
كان يحب فتاة يانعة جميلة اشتهرت في ما بعد بأسم " المطربة صبيحة إبراهيم " التي ظل طوال عمره أليماً ظاناً أنها اندفعت بحبها له كي تدفع ثمن عقوبة حب فتيّ لم يثمر .
أرسل رسالته من دمشق ليقول فيها أنه استبدل ، مؤقتاً ، عقله الشعري بالعقل القانوني مرة ، وبالعقل الصحفي مرة أخرى . لكنه ظل على وعده وفياً لقانون الرياضة فأصبح هناك يمارس هجومه الكروي في فريق الكلية . وعاد بعدها إلى بغداد ليكمل دراسته في الحقوق والشعر ووظفهما لتسامي السياسة في داخل الحزب الشيوعي العراقي منتزعاً من والدته كلماتها المؤثرة : يكون الإنسان فاضلاً حين يحب الفقراء مدافعاً عنهم .
لم يجد في حياته غير فضيلة الشيوعية .
من أجلها كانت حياته محوراً من محاور قلمه ، شعراً ونثراً ، فقد استمر وجيب قلبه معها في كل زنزانة وسجن ومعاناة . في نشوة انتصار إرادة الشيوعية بنقرة السلمان وإيمانه مثل إيمانها بزوال حتمي لسلطة الفاشية مهما طال عمرها .. كانت شمعة شعره ترفض أن تنطفئ بالسجون والمعتقلات ، مثلما عاد في فريق السجن لكرة القدم راكضاً في قلب الهجوم قادراً على تسديد ضرباته إلى داخل الهدف مؤكداً أن زخم الشباب قائماً .
وما الحب إلاّ للحبيب الأول .
ظل أسم ألفريد سمعان وضاءً في الرياضة والشعر والنقد الأدبي والشيوعية نائلاً أوسمة الحب في سجن نقرة السلمان التي نزف فيها قطرات دم من نضال عمره صادحاً بشعره بين السجناء بأن شمس الحرية ستغطي أرض ومستقبل الأجيال القادمة في عراق الديمقراطية والسلم والمحبة .
يتبع
¤ نقرة السلمان (40)
¤ نقرة السلمان (39)
¤ نقرة السلمان (38)
¤ نقرة السلمان (37)
¤ نقرة السلمان (36)
¤ نقرة السلمان (35)
¤ نقرة السلمان (34)
¤ نقرة السلمان (33)
¤ نقرة السلمان (32)
¤ نقرة السلمان (31)
¤ نقرة السلمان (30)
¤ نقرة السلمان (29)
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)