الجمعة 17 /2/ 2006
فضـائيـة عشـتار ومصـيدة الخطاب الآشـوري المتشـدد
حبيب تومي / اوسلو
مقدمـة
إنه عمل رائـع ان يكون لنا قناة فضائية تعكس همومنا وتعرض مدننا وقرانا ، وتبرز ثقافتنا في ميادين اللغة والأدب والفن والموسيقى والأزياء والعادات والتقاليد والمآثر .. انها لحظات تاريخية تشعرنا بفخر واعتزاز لنقول للعالم :
هذه حضارتنا هذا هو شعبنا هذه تقاليدنا ومآثرنا وأوابدنا ... لكن هذا الأعجاب والفخر والأعتزاز لا يمكن ان يحول دون تناول فضائيتنا العزيزة بتأمل ونظرة فاحصة ونقد بناء ، وأنا شخصياً لا ادعي امتلاك الحقيقة المطلقة وقد اكون مصيباً او مخطئاً في بعض او في كل ما اطرحه ، لكن يقيني ينحصر في انني انطلق من الأسـتقلالية والأخلاص واللاانحياز .
بنظري ان النقد حالة ضرورية لتحريك حالة الجمود التي تسعى الى تكريس السائد واعتباره المعيار المثالي ، فالنقد البناء يسعى الى تسليط الأضواء على الخفايا واليقينيات الثابتة والقابعة في الأركان المظلمة من كهوف النفس البشرية . وعسى ان يكون لأدارة فضائية عشتار الصدر الرحب والنظرة الموضوعية على ما يكتب ويقال دون الأهتمام باسم الكاتب او القائل .شعار الفضائية
برأيي ان شعار الفضائية يعكس بشكل واضح التأثير الآشوري ، ولا يمت بصلة الى الشعار الكلدانـــي المعروف ، وإذا كانت الأدارة تروم الرمز لمكونات شعبنا من السريان والآشوريين والكلـــدان فكان ينبغي ان يكون الشعار جامعاً لهذا التنوع دون الأنحياز الى طرف واحد ، ففي الشعار الحالي تبدو جلية بصمات التأثير الآشوري .
اما ان كان الشعار يروم الرمز الى حضارة بلاد ما بين النهرين فلم يكن هناك افضل من شعار ( الأنـاء الفـوّار ) هذا الشــعار العظيــــــــم الذي يرمز الى نهري دجلـة والفرات وفيه الحيوية والحركة وتدفق الحياة وسيرورتها في هذه الأرض المباركة .
برأيي الشخصي : (( ان يكون هذا الأناء شعاراً وعلماً لكل منظماتنا وأحزابنا السياسية سواء كنا اشوريين او كلدانيين او سريان ، باعتبار اننا السكان الأصليين في هذا البلد ، وهذا الشعار ( الأناء الفوار ) يعكس بحيوية حضارة الأرض التي ننتسب اليها )) .نموج واحد للخطاب الآشوري المتشدد
إذا توخينا الدقة والحذر لا بد من وضع الحزب الوطني الآشوري خارج دائرة الخطاب الآشوري المتشدد ، وفي البقية الباقية من التنظيمات الآشورية يمكن ان نحكم عليها بأنها متشددة على الأقل في جانب واحد وهو جانب صلتها بالخطاب الكلدانــي ، ولكن في هذا المقال سنكتفي بنموذج واحد لهذا الخطاب حيث يتناول القناة الفضائية ( عشـــــتار ) :
في مقال للسيد سام شليمون تحت عنوان :
الأخوة التركمان والولادة العسيرة لفضائية عشتار ، يناشد الكاتب فضائية عشتار بمراعاة مشاعر الأخوة التركمان ، وأنا اضم صوتي الى صوت الكاتب بمراعاة مشاعر الأخوة التركمان ، لكن كاتبنا ( سام شليمون ) الذي يبدو انه بارع في مراعاة مشاعر الآخرين . هل من المعقول ان علمه ودراسته لم يتوصلا الى وجود قوم عراقي اصيل المعروف بالكلـــدانيين ؟
وأن قوميتهم الكلدانيـــــــــة معترف بها ومدونة بالدستور العراقي الى جانب القوميات العراقية الأخرى ؟
وأهم من هذا كله :
ان هؤلاء الكلدانيــون هم بشر ولهم مشاعر كبقية الناس ، وإن هؤلاء الناس ليسوا قطيع يقوده السيد سام شليمون وغيره من غلاة الفكر القومي الآثوري العنصري .
يقول السيد سام شليمون في مقاله :
كلنا نعرف بأن العراق متكون من قوميات عديدة لكنه معروف بالقوميات ( العربية والكردية والآشورية والتركمانية ) هذا الطيف الجميل الذي يزداد بهاءً ...الخ
ويتساءل : مع كل الأسف وبكل اسى اقولها هل نسي او تناسى اخوتنا في فضائية عشتار ... اخوتنا التركمان من المعادلة الفضائية العراقية الآشورية عشتار ؟
ويستطرد الكاتب :
نطالب عشتارنا الجميلة ... وان لا تحاول ان تمس شعور أي مواطن يعتز بعراقيته سواء كان اشورياً او تركمانياً او كردياً او عربياً ...
ويخلص الى القول :
... وقد ولى زمن التهميش ، لقد قبر زمن الدكتاتورية انه زمن الديمقراطية ، زمن الحرية وستبقى سماء العراق ملونة بالعربية والكردية والآشورية والتركمانية الى الأبد ... امين .
ان مثل هذا الخطاب العنصري الذي يتباكى صاحبه على مشاعر الآخرين ، يعطي لنفسه الحق في تحديد من له مشاعر ينبغي مراعاتها ، ومن هم عبارة عن قطيع ليس لهم مشاعر ، فالكلدانيون بنظر الكاتب : هم عبارة عن خدم وعبيد في بيت سام شليمون وأجداده ، وقرر انه لا يحق ان يكون لهم اســم او هوية او مشــاعر قوميــة .فضائية عشتار وهذا الخطاب
لا ادري مدى تجاوب فضائية عشتار مع هذا الخطاب المتزمت العنصري بكل المقاييس ، لكني في ايام تواجدي في بيت ابنتي حيث يلتقطون فضائية عشتار ، سنحت لي الفرصة لسماع نشرة الأخبار لهذه القناة ، لقد لقيت صعوبة في فهمها وفاتني الكثير من محتواها ، وتساءلت حينها أين لهجتنا الكلدانيـة المحكية ( الســــــــورث ) ؟
اين لهجتنا الدارجة في تلكيف والقوش وتلسقف وبطنايا ومنكيش و .... الخ ؟
لماذا نريد دفن لغتنا وهي حية ؟
لماذا لا نقرأ الأخبار بلغتنا التي نعرفها جميعاً ؟
إذا كانت الأخبار تبث لابناء شعبنا الا يجدر بنا ان نقرأها باللغة التي يفهمها الصغير والكبير ؟
انها تسـاؤلات كثيرة عن العبرة التي تراها قناة عشـتار في وأد وتهميـش لغتنا الجميلة ( الســورث ) .
اجل ان اللهجة التي تقرأ فيها الأخبار هي لهجة من لهجات لغتنا ، لكن لماذا نريد الأبقاء على لهجة معينة من لهجاتنا ؟ في حين نحاول تهميش ودفن لهجة ثانيـة لا زالت حيـة متداولة بين ظهرانينـا .
أنا اعتبر ذلك ( وأرجو ان اكون مخطئاً ) انه استجابة للخطاب الآشوري المتزمت الذي يتسلح اليوم بشئ من النفوذ والسلطة .
هناك من يدعي ان لغتنا فيها الكثير من المفردات العربية ، لكن لنأتي الى المنجد العربي ، ونقرأ الكم الهائل من المفردات العربية والتي تتأصل جميعها الى اللغة الآراميــة .
ان الذي اخافه هو وقوع فضائية عشتار في مصيدة الخطاب الآشوري المتشدد فتقوم بأشـــورة لغتنا وتراثنا ومآثرنا ، وكما هو الحاصل في قناة آشور التي تبث من بغداد التابعة للحركة الديمقراطية الآشورية [ الزوعا ] ، وفضائية بين النهرين للدكتور داديشو ، اللتان تعملان بإصرار وتعمدان الى اشورة كل ثقافة شعبنا باسمائه التاريخية الجميلة الكلدان والسريان والآشور .
إنها عملية لتزوير التاريخ في وضح النهار ، وينبغي ان نتصدى لها .
انا لا ادعو في هذا المقام الى كلـدنة الخطاب الأعلامي والسياسي والثقافي ، انما ادعو الى موازنة معقولة بين الخطابات الثلاث لشعبنا من السريان والآشور والكلدان في معادلة لا ترجح كفة جانب على حساب الجانب الآخر ، وكما يجري في الفضائيات الآشورية التي اشورت كل الثقافة العائدة لشعبنا بألوانه وتنوعاته الجميلة ، الى لون واحد كئيب .
إننا نؤمن بحيادية واستقلالية فضائية عشتار وأملنا ان تبقى كذلك .