د. بهجت عباس
http://dr-bahjat.com
(1914-1918)
في حقـول الفلاندرز
جون ماكْ كْـرَيْـهْ
ترجمة بهجت عباس
في حقول الفلاندرز يميد الخشخاش
بين الصًّلبان المرصوفة صفّـاً صـفّاً ،
ذاك هو علامة مكاننا ؛ وفي السَّماء
لا تزال القبّرات ، مترنِّمة دون وجلٍ ، تطير
ومن الصَّعب سُماعُ ترانيمها بين البنادق تحتُ.
نحن الأمواتُ . وقبل أيامٍ قلائـلَ ،
كنا أحياءً ، أحسسْنا بالفجر ، شهدنا الغروبَ يتألّـقُ،
أحـبَـبْـنا وأُحـبِـبْـنا ، والآن نضطجع
في حقول الفلاندرز.
واصلـوا معركتَـنا مع العدوِّ:
من أيـدٍ خائراتٍ نرمي الشعلةَ إليكمْ ؛
ولتكنْ لكمْ لترفعـوها عالياً.
وإنْ نقضتم العهـدَ معنا نحن الذين يموتون
سوف لا ننام ، حتّى لو يتكاثـرُ الخشخاش
في حقول الفلاندرز.
In Flanders Fields
by John McCrae, May 1915
In Flanders fields the poppies blow
Between the crosses, row on row,
That mark our place; and in the sky
The larks, still bravely singing, fly
Scarce heard amid the guns below.We are the Dead. Short days ago
We lived, felt dawn, saw sunset glow,
Loved and were loved, and now we lie
In Flanders fields.Take up our quarrel with the foe:
To you from failing hands we throw
The torch; be yours to hold it high.
If ye break faith with us who die
We shall not sleep, though poppies grow
In Flanders fields.جون ماكْ كْـرَيـهْ طبيب في الجيش الكندي شارك في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في منطقة الفلاندرز التي تقع شمال بلجيكا ، وكان يعالج الجرحى من الحلفاء . حدث أن قُـتِـل صديقه وتلميذه الملازم أليكس هيلمـر، وهو في الثانية والعشرين من العمـر، في أحد المعارك في 2 مايس 1915 ، وشاهد مقتله بعينه فتأثّـر كثيـراً ، وقام بشعائـر دفنه بنفسه لعدم وجود كنيسة أو مركز دينيّ يقوم بهذه الشعـائـر . وفي اليوم التالي كان جالساً خلف سيارة إسعاف قرب مركزه الطبّيّ يشاهد الخشخاش يتمايل ويميد لهبوب نسيم الصّباح اللطيف ذلك اليوم ، فأخذ يكتب قصيدته وعيناه ترنوان إلى قبـر صديقـه ، فلما أكملهـا أرسلها إلى بعض الناشرين فرفض نشرها ، فمزق دفتر الملاحظات التي كتبها فيها ، ورماه ، فالتقطـه صديق له يُدعى فرانسيس سكْـرِنْـكـر ، حيث قام بتجميعها ونشرها في جريدة Punch الإنكليـزية . وقد اشتهرت بعد ذلك على أنّـها من أحسن قصائد الحـرب .
في المقطع الأول جمع الشاعر بين أزهـار الخشخاش التي ترمز إلى المـوتى (في بلجيكا) وهي حُـمْـرٌ وبين الصُّلبان وهي بيض على أنّ دماءَ أبـرياءَ سُـفِـكَـتْ على أرض المعركة ، فهي حمراء قانيـة والمعركة سوداء قاتمـة . ذكر القبّـرات التي تطير وتغنّـي في أعالي الجـوّ والتي صعُب سُماع غنائهـا لدويّ المدافع وأزيـزِ الرصاص في الأسفل على أنَّ الأمل موجود ، فهي ترمز له ، وسيسعد الناس بسماع ترانيمها جليّـةً بعد انتهاء الحرب .
وفي المقطع الثاني يصف الشاعر حال الجنود المتحاربين ، أحياءِ الأمس وموتى اليوم ، كانوا بشراً ، لهم أحبّاء ، زوجات ، أمّهات ، آباء ، أولاد ، أقارب وأصدقاء أحبّـوا بعضهم بعضاً ، كانوا يشعرون ببزوغ الفجر ويشهدون مغيبَ الشمس ، ولكنّـهم اليـوم أمواتٌ لا يسمعون ولا يُبصرون ، مضطجعون بين ورود الخشخاش الحمُـر البـرّاقـة حيث تدلّ على قبـورهـم الصّلبان المرصوفة بين الزّهـور صفّـاً صفّـاً.
وفي المقطع الثالث يُحذّر الأحياء بأن يأخذوا المعركة بأيديهم من الذين تساقطوا وليـرفعـوا المصباح ، رمز النّصـر ، الذي ناولتْه أيدي المحاربين الذين سقطوا ، عاليـاً ، ولا يتخاذلوا ولينتصـروا ، وأنْ يذكروا من مات وإلاّ فسوف لا تغمـض عيونٌ للمـوتى ، رغم نمـوّ ورود الخشخاش .
ومن هذه القصيدة استُوحـيَ يوم التذكّـر Remembrance day الكندي ويوم المحاربين القدامى Veterans day الأمريكي في 11 نوفمبر من كل عام ، حيث يضع الناس على صدورهم وردة الخشخاش الاصطناعية ، لتعذّر وجود الطبيعية منها في الخريف من ناحية ولقِصَـر عمـرها من ناحية أخرى ، فالورد قصير العمر وقد ورد كثيراً في الشعر.
ملحق :
بعض ما قيل في قِصَر عمـر الورد العباس بن الأحنف :
ما على ظنّـيَ باسُ
يجرح الدّهـر وياسو
لا يكـنْ حبُّـك ورداً
إنّ حبّي لك آسُ
الدكتور زكي مبارك :
فذكّـرتَـني عـهـداً هــو الوردُ نضـرةً
وما هـو مثـلُ الورد في قِصَـر العهـدِ
شاعر لا أتذكّـر اسمه:
وظبيٍ شبّـهـوا خدَّيْـه ورداً
لقد أثِـمـوا لمـا قـد شبّـهـوهُ
لأنَّ الوردَ يذبُـلُ عند لمسٍ
وذا يَحـْمَـرُّ مهمـا قـبّـلـوهُ