| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عبدالجبار السعودي

basrahahwar@hotmail.com

 

 

 

 

الأربعاء 30/5/ 2007

 


 

طين خــــــــــــــاوة

 
عبد الجبار السعودي

  لم يأتني ( أبو ضامن ) هذه المرة بــ ( صوغة ) من جنوب الوطن، يطيب لها اللسان في مذاقها و جدران المعدة في وحشتها لكل ماهو لذيذ من خيرات الوطن ، بل جاءني بسؤال أدهشني وهو يهمّ في دخول البيت بعد تأدية التحية بلكنته الجنوبية المحببة : ( صبــــّحكم الله بالخير ) !

  أستغربت لسؤاله وضحكنا معاً ونحن نسير وندخل معاً حيث ( الهول )،لكي نجلس قبالة بعض ونحتسي كوباً من الشاي الأخضر.. ثم أخذ ضيفي يكرر سؤاله المحيــــّر عليّ :

  وين أحصـــّل على طين خـــــاوة ؟ وكررها ثانية بنوع من الرغبة الجامحة في العثور عليه، وبطلب ملح وغريب في المساعدة :

 كَــــوم وياي نروح إندوّر بالدكاكين !! وحتى أقطع عليه تلك الحماسة التي غلبت على تفكيره وسلوكه أمامي، ذهبت به وقاطعته في الحديث الى حيث الذكريات التي كنا قد جمعناها عن هذا الحجر ذو اللون المائل للخضرة قليلاً والذي كان يباع في أسواق العطاطير في مدن العراق و بعض الدول المجاورة، وكيف كانت أمهاتنا و جداتنــــا، في زمن كانت تغيب عنه كل مساحيق الشعر المتعارف عليها هذه الأيام، يستعملن هذه الأحجار التي تترك في إناء ما، لساعات محدودات، حتى تطري و تصبح  بعدها سائلاً لزجاً وكثيفاً يشبه الى حد كبير قوام اللبن الكثيف أو الروب، لكي يُدهن به الشعر وخصاله ويترك لفترة من الوقت وتحديداً في أيام الصيف، حيث يُغسل بعدها، ليكتسب الشعرطراوة ولمعاناً تتباهى به النسوة والفتيات في حلــّهن وترحالهن ومنامهن رغم رائحته غير المحببة !

  ولم تكن تلك الذكريات عن (الطين خــــاوة)، بعيدة عن أذهان (أبو ضامن)، فقد أفصح لي عن أن مصدر هذه الأحجار الصغيرة هو من مناطق قريبة من مدينة النجف وما جاورها من صحارى ومنخفضات ، حيث تستخرج تلك الأحجار من طبقات معينة في باطن الأرض وتنقـــّى من الأتربة وتعرض للبيع في الأسواق الشعبية وتحديداً في أسواق العطاطير، وحتى أن تجارته قد أمتدت الى بعض البلدان المجاورة وتحديداً الى دول الخليج التي وجدت نساؤها فيه، مسحوقاً ساحراً لغسل الشعر، بعد أن طغت شهرته في العراق تحديداً منذ مئات السنين . وحينها قاطعني (أبو ضامن) وهو يضحك، كيف أن جدته لوالده، كانت تصف هذه الأحجار لوالدته وهي في فترة الحمل، وهي ( تتوحــــّم )، حيث كانت تأكل بعض القطع منه، لتزداد قناعة بأن جوف معدتها قد أصابه نوع من السكون والأرتخاء والبرودة معـــاً !

   لم يمهلني ضيفي المتحمس في أحاديثه كثيراُ، ونهض من مكانه داعياً لي أن نخرج لأسواق المدينة للبحث عن ضالته التي جاء من أجلها ! لكني وجدت نفسي في لحظة ما .. مقاطعاً و مستفسراً منه ، ومتأخراً بعض الوقت في سؤالي : لمن تبحث عن ( الطين خـــاوة ) يا أبو ضامن ؟ أجابني ، وكأن جدران البيت أهتزت لصوته الجهوري المعروف عنه وهو يلقي قصائده الشعبية :

   مو موتــّتنـــي أم ضامن .. مو شــّيبت شعر راسي من رجعت من العراق لليوم .. لازم تروح و تسأل لي عنـــّه !

 وحتى تردّ لي الدين ( موجهاً الكلام لي هذه المرّة ) عن آخر (صوغـــة) وصلتلك مني ! لازم تطلع وياي نروح ندوّر !

  أستجبت لرغباته، وخرجنا معاً للأسواق القريبة التي تعج دكاكينها بأجود أنواع (الشامبوات ومغاسيل الشعر) وأرقاها . سألنا هنا وهناك .. مرّة بلغة أهل البلد ومـــرّه بالأنكليزية، ليس عن (الطين خاوة)، حيث تصعب ترجمته على أقدرمترجمي اللغات في أنحاء المعمورة، بل عن مساحيق طبيعية لغسل الشعر وفق الطريقة التي يُعرف بها هذا المسحوق ! فلم نعثر على ضالتنا تلك، رغم مرور أكثر من ساعتين ونصف قضيناها في التجوال من مكان لآخر! سوى من نصيحة لصاحبة إحدى المحال، حيث أرشدتنا بالذهاب الى محلات في لندن تدعى ( body shop  ) !! والتي وضعتها أمام  (أبو ضامن) كحل نهائي وأخير للحصول على ضالته تلك ..!

   وكان لابد لنا بعدها و وسط زحمة التجوال، إلا أن نأخذ قسطاً من الراحة في إحدى المقاهى التي تتوسط السوق الكبير، حيث هد ّنـــا التعب وأخذ منا الكثير ..

  جاءت النادلة، لتسأل عما نرغب في تناوله ، فكان لنا بعد حين فنجانين من القهوة التي تفوح رائحتها مع رائحة المكان و روّاده العطرة .

   صمتَ أبو ضامن لحظات وأدار رأسه جانباً وهو يشاهد حسناءً تمرّ من أمام المكان وقال :

  كون مثل هالشعر الحريـــــر؟! هيجـــــي حريــــر.. كـون شعر أم ضامن !

   ضحكت لطرفته هذه ، وقلت له :

  عزيزي أبو ضامن .. آنه من رأيي أن تعملــّك زيارة مرة ثانية للحلفايـــــة و تجيب صوغـــة ( طين خاوة ) لأم ضامن و ويـــــّاهه مو تنسى أخوك، إذا ما موجود ( نبك ملا ّسـي ) هالمـــــّره، فد كيلو ( خريــــــّط ) بطريقك ؟!

   بادرني مقاطعــــاً : مو صار شهر ماكله راسي .. إشلون تذكر صحبانك وتجيبلهم (صوغة) ، وآنه تنســـــاني ؟ أجبته :

   من حقهــــه أبو ضامن . جــــا وين قصايدك عن المرأة وحقوقها ونضالك الطويل .. الى أن وكَــــــع شعر راسك ؟! أجابني ضاحكـــاً :

   بروح أبوك ..... ليش هيـــــّه المساواة صارت، لو بـ ( طين خـــــاوة )، لو آنــــــه رجعي ومتخلف ؟! إنعم الله عليك !

   ضحكنا كثيراً لهذه المفارقة العفوية التي لم تكن بالحسبان، و غادرنا المكان بعدها عائدين أدراجنا الى حيث محطة الباصات حيث سيتوجه ضيفي العزيز الى داره في ( الصوب ) الثاني عائداً . وقبل أن أودّعه ، بادرني ضاحكاً وبما لست أتوقعه : راح أحفظ أغنية عبد الحليــــــــم حافظ  ( بتلومونــــــــــــي ليـــــــــه ) !

شتكَـــــول أبو ضامن ؟! فأجابني مصافحاً وهو يلحظ قدوم الباص :

   أي نعم ! أحسن شي راح أســــمّع ( أم ضامن ) هاي الأغنيــــــة ليل نهار، بلكي تقتنع وتستعمل هاي الشامبوات السحرية المليانــــــة بيهه الأسواق، ويصير شعرها مثل الحرير مثل ما يكَــــــول العندليب الأسمر .. ألف رحمه على روحه ؟!

  ذنبك على جنبـــــك أبو ضامن ! بس مو تجيني مرّة ثانية ..؟  الحل بيدك .. وهنــــــاك بالحلفايـــــــة مو بلندن .. و ( كررتها عليه وهو يأخذ مكاناً له في الباص ) : الحل .. بالحلفايـــــــة .. مو بلندن  !

 ودّعتـــه ، وعدت في طريقي أردد أغنيـــــة العندليب :

 أسير الحبايب .. يا قلبي يا ذايب .. أسير الحبايب .. يا قلبي يا ذايب

في موجة عبيــــــر .. بالشعر الحريــــــــر .. عالخدود يهفهف .. ويرجع يطيــــــر .. يطيــــــر .. يطيــــر

 والناس بيلوموني وأعمل إيــــــه يا قلبي ..

وبقيت متلهفـــــاً حتى هذه الساعة .. أنتظر مكالمة وَعدني بها (أبو ضامن)، لكي أعرف مشواره الكفاحي الجديد من أجل الظفــــــر بــالـــ ( طين خــــــاوة ) بدلاً من المجازفة بالسفر الى أرض الوطن حيث تعبث الشقاوات المسلحة بمصائر الناس تحت عباءات ملونة و ( مزركشة ) تريد العودة بأحوال الناس الى حيث ثقافة الــ (طين خــــاوة)، وحيث أمتد بريق تلك الأردية ليسحر هذه المرة ومن جديد أعداء الثقافة والتنوّر والحرية وعشاقهــــا !  

* * *
30
آيــــــــــــــــــار 2007