عبدالرزاق الصافي
أزمة اشتدي ...!
عبد الرزاق الصافي
هناك مقولة متداولة مفادها " ازمة اشتدي تنفرجي" ، تعكس تجارب من الواقع في احيان كثيرة . غير اني جعلتها مبتورة . وذلك من الواقع العراقي ، الذي يبدو انه عصيٌّ على المعقول !الامر الذي جعل ازمة الحكم في العراق تستمر في الاشتداد من دون ان تلوح بارقة امل في الانفراج قريباً على ما يبدو. فقد نشأت ازمة في اعقاب الانتخابات النيابية التي جرت في آذار/مارس 2010 . وراحت تشتد يوماً بعد يوم طيلة ثمانية اشهر لتنفرج انفراجاً اعرجاً بتشكيل حكومة فضفاضة بلغ عدد اعضائها ستة واربعين عضوا، غير مكتملة التشكيل لأن الفرقاء السياسيين الذين شكلوا الحكومة لم يستطيعوا ان يتفقوا حتى الآن ، بعدمرور ستة اشهر على تشكيل الحكومة الناقص ، من الاتفاق على الوزراء الامنيين في ما بينهم ! ولا يلوح انهم سيتفقون اتفاقاً جدياً عن قريب . وذلك بسبب من تطاحنهم وصراعاتهم على السلطة والنفوذ والمغانم ، وليس على المنافسة في خدمة الوطن ، وتنفيذ الوعود السخية التي قطعوها لناخبيهم بالقضاء على الفساد ومكافحة الارهاب والتخريب وتأمين الخدمات والعمل للعاطلين وغيرها من المطالب الشعبية العادلة التي رفعتها الجموع المؤلفة في مظاهراتها واعتصاماتها المطالبة بإصلاح النظام طيلة الأشهر التي سبقت تشكيل الحكومة والتي اعقبتها .
وحسِبَ بعض المراقبين السياسيين ان الازمة ستنفرج بعد الاشتداد المعيب الذي شهدته خلال الاسبوعين الماضيين، وخصوصاً بعد ما جرى يوم الجمعة العاشر من هذا الشهر. وهو اليوم الذي اعقب انتهاء فترة المئة يوم التي طلبها رئيس الوزراء لتحسين اداء حكومته وتلبية مطالب المتظاهرين التي اقرَّ بمشروعيتها وعدالتها . فقد تصاعدت لغة البيانات المتبادلة والاتهامات والتهديدات بين الكتلتين اللتين تتشكل منهما حكومة "الشراكة الوطنية"، الى مستوى غير مسبوق من الحدة وانعدام اللياقة في الصراعات السياسية الحضارية . وجرى الاعلان في بداية هذا الاسبوع عن ان رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني سيأخذ على عاتقه بذل الجهود لرأب الصدع واستكمال مبادرة السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان ، التي على اساسها جرى تشكيل الحكومة الناقصة . وان اجتماعاً سيعقد يوم الاثنين (العشرين من هذا الشهر) بضيافته للتوصل الى حلول لانفراج الازمة . ولكن سرعان ما بدت بوادر تشكك بإمكانية تحقيق ماجرى الاعلان عنه . فقد صرح مصدر كردي ان لا موعدَ محدداً للقاء !وانه لابد من توافقات مسبقة على جملة القضايا التي ستطرح في الاجتماع ، الامر الذي لم يحصل حتى يوم الاحد الذي سبق موعد الاجتماع المفترض . وان الاجتماعات والمباحثات التي جرت بين الاطراف المتنازعة لم تسفر عن اكثر من الاتفاق على وقف التصعيد الاعلامي بين الكتلتين . وان تصريحات الناطقين بإسم الكتلتين وهم اكثر من اثنين، خلافاً لما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات ، ظلت ليس فقط غير متطابقة بل ومتضاربة في احيان كثيرة .
واذا كان من المفروض ان يضم الاجتماع المرتقب قادة الكتل كلهم فإن الاعلان عن عدم حضور الدكتور اياد علاوي للإجتماع يجعل امر الاجتماع مشكوكاً فيه ، وحتى اذا حصل بغياب احد القطبين المتصارعين ، وربما كليهما ، فسيكون غير ذي جدوى حقيقية .
ان ما يكشف حقيقة موقف النخب السياسية المتصارعة المنافي للمصالح الوطنية العليا، هو اصرارها على ابقاء الحالة الشاذة من الصراعات العبثية وعدم الإقدام على الاستعانة بالدستور لحل الاشكالات من هذا القبيل بالرجوع الى الشعب ، واجراء انتخابات جديدة ، بعد اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتخليصها من شوائب الانتخابات السابقة وتشريع قانون ديمقراطي للاحزاب وتشكيل مفوضية جديدة للانتخابات ، مستقلة حقاً ،وليس حصيلة المحاصصة بين الكتل ، واجراء التعداد السكاني الذي تم تأجيله اكثر من مرة بذرائع لا علاقة لها بمصلحة الشعب والوطن . فهذا هو الطريق الأسلم والاصح لمعالجة ازمة الحكم المستعصية حتى الآن.