عزيز العراقي
ziziiraqi@yahoo.se
السبت 9/1/ 2010
من الذي أعاد البعث للواجهة ؟!عزيز العراقي
من المؤلم ان يتحول قرار حرمان صالح المطلك وكيانه السياسي من المشاركة في الانتخابات البرلمانية الى مشكلة وطنية , ونقطة صراع بين اكبر الكتل السياسية . وهنا يتوضح بشكل لا لبس فيه ضحالة حجم القضية الوطنية في اهتمام هذه القيادات , التي ينتظر منها إعادة بناء العراق . فالدكتور صالح المطلك بعثي , وحاله حال آلاف البعثيين , وشق طريقه في السياسة بعد إزاحة نظام صدام بسهولة . ولعل افتقار الساحة السياسية السنية الى قيادات ومرجعيات سياسية بعد ان أفرغها صدام من خيرة قياداتها بالتصفية الجسدية أو المعنوية ابرز الأسباب في ظهور المطلك , فالرجل لا يتمتع بكاريزما خاصة , ولا ذكاء خارق , ولا تاريخ نضالي مشرّف . الا اذا اعتبرنا السفسطة التي أصبحت طابع اغلب السياسيين العراقيين ميزته القيادية , حيث كيفما تسقطه ينقلب على رجليه . إضافة إلى انه نأى بنفسه عن القيادات المتشددة التي حملت السلاح ضد عراق ما بعد صدام مثل الضاري وأمثاله , ودخل العملية السياسية من اوسع ابوابها في الانتخابات الاولى , وحصل على مقاعد لا يستهان بها .
مشكلة العراقيين ليست في خلق هذه الشوشرة , ومحاولة إضعاف دور الجبهة التي شكلها المطلك مع علاوي , والعراقيون يعرفون جيداً انها احد الأساليب الغير نزيهة لإشغال الأطراف الأخرى , وهي لا تختلف عن الوعود الكاذبة والاغتيالات وحرق مقرات الأحزاب الأخرى والمتاجرة بالطائفية , او توزيع البطانيات والمدافئ وغيرها من أساليب شراء الذمم كما حصل في الانتخابات السابقة . مشكلة العراقيين هي بالسلوكيات المنحطة للقيادات السياسية الممسكة بالسلطة , والتي خلقت دور الزعامة للمطلك وأمثاله . فصالح المطلك في نظر البعض من العراقيين اهون شراً من رموز بارزة لاحزاب تقود العملية السياسية, تلوثت أياديها بجرائم ليست سياسية فقط , بل وجنائية . البعثي عندما يسرق ويقتل لا يلفت النظر , لانها من طبيعة تربيته الصدّامية , مثل مشعان الجبوري او ايهم السامرائي او وطبان وآلاف غيرهم. لكن الذي صدع عقول العراقيين بحديثه عن الوطنية , وعارض صدام عشرات السنين بحجة انقاذ العراقيين, ويمارس طرق أبشع من طرق البعثيين في الاستحواذ على كل شئ , يكون قد اسقط أمل الانتظار , وأفرغه من عودة العراقيين للعيش بحياة كريمة . وليست بعيدة سرقة بنك الزوية وقتل حراسه , وثبتت الجريمة على الحرس الشخصي لعادل عبد المهدي القائد في " المجلس الاعلى " ونائب رئيس الجمهورية , او تهريب وزير التجارة السوداني الكادر في حزب " الدعوة " جماعة المالكي الى لندن , بعد ادانته بسرقة مليارات الدنانير من المال العام . ولااريد ان اعدد اكثير , فالعراقيون يعرفونها جيدا. اغتيال أمل العراقيين ًهو الذي خلق صالح المطلك , فعلام تنحتون بهذه الزعامة طيلة سنوات حكمكم , واليوم تريدون اسقاطها ؟!
العراقيون كانوا يأملون ببناء مشروعهم الوطني عندما تشكلت القائمة "العراقية" في الانتخابات السابقة , الا ان انفراد رئيسها اياد علاوي باتخاذ القرارات , دفع الشيوعيين والديمقراطيين لرفض هذا الأسلوب , وتمزقت القائمة , واعيد العمل بالمشروع الوطني العراقي الى المربع الاول , وبصعوبات اكبر . واستبشر الكثير من العراقيين حين أعلن حزب "الدعوة" برئاسة رئيس الوزراء السيد المالكي على تبني المشروع الوطني في برنامج قائمته الجديدة " دولة القانون " البعيد عن الطائفية , وحصل من خلاله على الكثير من الأصوات في انتخاب مجالس المحافظات . الا ان المالكي لم يتمكن من الاستمرار في ذات النهج الوطني, واستخدمه كلافتة انتخابية , دون تغيير طرق العمل التي تتماشى مع النهج الجديد , إضافة للضغوط الكبيرة التي تعرض لها من قبل غرمائه الشيعة , والتي أخذت تعطي ثمارها بعد ان تأكد المالكي وحزبه بأنه غير قادر على تأمين أسباب النجاح الذي حققه في انتخابات مجالس المحافظات , ليسقط أمل بعض العراقيين الذين خدعوا ببرنامجه , ويعتقد البعض ان قرار منع المطلك من دخول الانتخابات يأتي في هذا السياق .
لقد تمكن المطلك ان يقنع البعض بطروحاته ( الوطنية ) , بعد ان توفرت له الأرضية الهشة التي يقف عليها زعماء بعض المكونات , وأبرزها الانقياد الكامل للنهج الايراني الذي أراد ان يخضع جميع الأحزاب الشيعية العراقية لإرادته. وقد نجح الطرفان في ذلك , النفوذ الايراني وصراخ المطلك , واحتلال بئر الفكة اوضح شاهد لنجاح الطرفين , فقد خرس زعماء الاحزاب الشيعية بما فيهم المؤتمن على سلامة ارض العراق السيد رئيس الوزراء, وفي نفس الوقت وصل صراخ المطلك الى كل زاوية في العراق . ومما لاشك فيه ان هذا المنع للمطلك , والذي جاء نتيجة غباء هذه الاطراف سيصعد من نجوميته , وينفخ في صورته من قبل أبواق الدعاية الكبيرة في دول الإقليم , وقدمت له خدمة لم يكن يحلم بها , حيث ستتبلور الفكرة خلال أيام , على انه رأس الحربة في محاربة الطائفية .
من الغريب ان يترك البعثيون المشاركون في العملية السياسية امر قيادتهم لنهاز فرص قبل وبعد انتهاء صدام كصالح المطلك وامثاله , ولحد الآن لم تطالب هذه المجاميع بمحاكمة رموز النظام السابق على الجرائم التي ارتكبت بحق البعثيين . والبعض يعتبر ان اكبر ضحايا النظام الصدامي هو حزب البعث , وقدم الكثير من الضحايا الذين سقطوا بدون ذنب , من اعضاء قيادته الذين رفضوا ان يكون صدام رئيساً , ومروراً الى اصغر بعثي اخبر عنه ابنه في روضة اطفال بأن ابوه بصق على صورة صدام في التلفزيون , عدا الرعب الذي شل الجهاز الحزبي لاكثر من ربع قرن . وليس غريباً ان البعض من البعثيين سيطلبون تعويضاً عما زرعه النظام فيهم من غدر وجبن وخسة ونذالة وارتكاب ابشع الجرائم . وعندها ستكون اغرب دعوى , على اغرب حزب , في اغرب فترة من تاريخ العراق والانسانية .