مقالات وآراء حرة
احتجاجات 25/2 في العراق وما أكدته من حقائق
محمد النهر
في دوامة عاصفة من التصريحات والبيانات والاستنكارات ساهم فيها كل من اعتمدت عليهم العملية السياسية بشكل خاطئ ، الطائفية والعشائرية والقومية والمحاصصة واستغلال الدين من أجل السياسة ، ولتوسيع هذه الدوامة ولاعطائها زخما هائلا استخدم لذلك كل أعلام السلطة واجهزتها واحزابها ومنظماتها وفضائياتها ، وتصريحات وتهديدات قادتها ومسانديها ، وتصريحات وفتاوى قسم من رجال الدين ، واستكملت هذه الدوامة باجراءات الأجهزة الأمنية وخاصة في بغداد والهادفة لمنع المساهمين في الاحتجاجات من الوصول الى ساحة التحرير . ولكنهم وصلوا واثبتوا عكس ذلك وأسمعوا صوتهم الهادر الى كل الجهات في الداخل والخارج ، وأثبتوا أن من أثار الشغب هي اجراءات السلطة وخاصة وضع الجدار على جسر الجمهورية ، فلماذا وضع ؟ هل لحماية المنطقة الخضراء فالمسافة لها لازالت بعيدة ، وهذا الحشد العسكري الأمني المدجج بمختلف الأسلحة ومعدات الاشتباك وقياداته المشرفة من أعلى البنايات ألا يكفي أن يحمي المنطقة الخضراء ؟! وهل ان ما جرى في الاحتجاجات في عموم العراق يبرر جريمة كل هذا العدد من الضحايا الذين قتلوا او جرحوا او اعتقلوا أو يبرر الاعتداء السافر على الصحفيين والاعلامييين وأجهزتهم وأمام أنظار الجميع ؟ !
لقد مهدت لهذه الاحتجاجات فعاليات مطلبية واحتجاجية قبلها وخاصة في البصرة والناصرية في الصيف الماضي والتي أطاحت بيوم وليلة بوزير الكهرباء ، وكان ذلك الدرس الأول للجماهير ونتيجة مباشرة لنضالها ، وبعدها فعاليات منظمات المجتمع المدني وقوى التيار الديمقراطي على تواضعها . وقد تناولت أهمية هذه الفعاليات والاحتجاجات بمقال في 12/2 نشره فقط موقع الأخبار مشكورا ، وكان عنوانه (على هذا الطريق يبدأ الفرز ) أكدت فيه على حقيقة ان النضال الجماهيري المطلبي والمهني هو الذي سيحدث الفرز بين تطلعات الناس المعاشية والاقتصادية والمهنية وبناء مستقبلهم ومستقبل عوائلهم وبين تطلعاتهم الطائفية والعشائرية والقومية ، التي كانت هي من يتحكم بالناس والتي لجأ اليها الناس في السنوات الماضية واعطاء كل مجال حقه .
وفي هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق وما يعانيه المواطن في جميع المجالات أتت الثورات المجيدة في تونس ومصر والتحركات في باقي البلدان العربية وبداية ثورة الشعب الليبي ، ان أهمية هذه الثورات يجسدها قول أحد الثوريين قديما من ان ( الثورات قاطرات التاريخ ) ، فقد دحرت هذه الثورات السكون والجمود والتخلف والقناعة بدوام الحال ، وولدت حافزا قويا للبلدان الاخرى خاصة العربية منها والمجاورة في المنطقة ، ولهذا ألهبت هذه الثورات والتحركات عزيمة الشباب العراقي والناس الحريصين على مستقبل العراق وتقدمه وعلى العيش بحياة كريمة لائقة ، وتنادوا الى يوم غضبهم واحتجاجهم في 25/2 .
لقد أكدت هذه التحركات الجماهيرية على القديم الجديد من تجربة نضال شعبنا ، وهو الترابط والتشابك بين النضال الجماهيري المطلبي من أجل حقوق الناس المعاشية وبين النضال السياسي الهادف الى تطور البلد ، ففي بلدان العالم الثالث والدول النامية يشتبك الاقتصاد بالسياسة والثقافة والمجتمع بشكل مباشر ويومي . ولهذا فان شعارات عدم تسييس المظاهرات الذي ترفعه السلطة واحزابها الحاكمة ، ما هو الا تضليل للناس ، وقد أكدت ذلك مظاهرات 25/2 وكذلك اجراءات السلطة نفسها بعد الاحتجاجات التي أرعبتها ، فان مطالب الناس في العيش الكريم ومحاربة الفساد ستقود مباشرة الى المجالس المحلية والمحافظات والوزراء والبرلمان وباقي المؤسسات ، وهذه هي السياسة ، وقد أكدت الحكومة ذلك أيضا باجراءاتها واستقالة بعض المحافظين وبعض أعضاء مجالس المحافظات والاقضية ، والتصريحات والوعود والاتهامات المتبادلة من قبل أحزاب السلطة وقادتها . كما ان تخلي البعض عن الاشتراك بالتظاهرات وترديد مقولات السلطة وأحزابها عن عدم تسييس الاحتجاجات فهو أمر مخالف للواقع ، فهم في وسط السلطة عندما يطالبون بتحسين الحالة المعاشية للناس واصلاح النظام السياسي ، وهذا ما عكسته تصريحاتهم بعد الاحتجاجات والتي يهدفون منها اللحاق بركب ما حققته الاحتجاجات ، وحتى بعض رجال الدين والمرجعيات الدينية التي طالبت بعدم التسييس هي نفسها أصدرت بيانات وتصريحات بعد الاحتجاجات تحمل مطالبا بعضها ذات طابع سياسي .
كما ان الشعارات والمطالب التي طرحت من قبل المنظمات المهنية والنقابية والشبابية والنسائية وباقي منظمات المجتمع المدني ، تظهر الترابط بين المطالب التي تخص هذه الفئات وتطور القضية الوطنية والديمقراطية والعملية السياسية ، والعكس صحيح فان غمط ومصادرة مطالب واهداف هذه المنظمات يؤدي الى تراجع المشروع الوطني والديمقراطية وتطور العملية السياسية ،لنأخذ مثلا مطالب الطلبة ونقابة المعلمين باصلاح المناهج وديمقراطية التعليم أو حقوق الطلبة والهيئات التدريسية ، فان تحقيق ذلك ولو بالتدريج سوف يفسح المجال لهذه الفئات للاسهام في تطور التعليم وتقدمه وانعكاس ذلك على المجتمع وتطور العملية السياسية ومنحها قوة اضافية والعكس صحيح ، ان غمط حقوق هذه الفئات والشرائح سوف يفسح المجال للقوى التي لا تريد تطور التعليم وديمقراطيته أن تفرض أجنداتها والتي نشاهد بعضها الآن في الجامعات والمدارس مما يعقد عملية التعليم وتراجعه ويؤثر على تطور الديمقراطية والعملية السياسية والمجتمع . وهكذا بالنسبة للنساء فان ترسيخ المحاصصة بعد الانتخابات الأخيرة وتأخر تشكيل الحكومة كل هذا الوقت ، أدى الى مصادرة بعض حقوقها حتى المنصوص عليها في الدستور ، أما اذا منحت حقوقها فان ذلك سيولد زخما كبيرا للعملية السياسية والديمقراطية ، وهكذا بالنسبة للنقابات العمالية ومنظمات الشباب وباقي منظمات المجتمع المدني والجمعيات الفلاحية .
كما ان الاحتجاجات والمساهمين فيها وما رفع فيها من مطالب وشعارات أظهر التطور الكبير والنوعي في طبيعة التظاهرات والفعاليات الجماهيرية وقيادتها . فقد كانت التظاهرات ومنذ عام 2003 تقام وتقاد من قبل القوى المتنفذة في السلطة وترفع شعاراتها وتوجهها حسب ما تريد ، بسبب من ان تكريس الطائفية والمحاصصة والعشائرية والقومية جعلت الحماهير لا تجد ملجأ آخرا سوى هذه القيادات وشكل العملية السياسية الحالي ، أما الاحتجاجات الاخيرة وخاصة في 25/2 فان الدعوة لها وقيادتها كانت من الشباب ومواقعهم على الانترنيت وكذلك منظمات المجتمع المدني ورفعت مطالبا تخص الناس ومعيستهم وكذلك شعارات تخص تحسين العملية الديمقراطية والسياسية ومحاسبة المقصرين والفاسدين في هذه المجالات . وقد شاهدنا الآن من كان يتصدى سابقا لقيادة المظاهرات يستخدمون كل امكانياتهم وهي كبيرة للتأثير على عدم المساهمة في مثل التظاهرات الأخيرة وتشويه هدفها ، شاهدنا السلطة وأحزابها ، وكذلك شاهدنا أسماء المئات من شيوخ العشائر على الفضائيات الحكومية وأحزابها وكذلك شاهدنا بيانات وتصريحات العديد من رجال الدين وتثبيتها بشكل دائم في مانشيتات الفضائيات ، وانبرى السيد رئيس الوزراء المالكي بكل قواه ليضع ثقله بهذا الاتجاه بعد اجتماعه مع ممثلي الكتل السياسية في 23/2 وخطابه في 24/2 ، والشئ المثير للانتباه مساهمة ممثل مرشد الثورة الايرانية السيد علي خامنئي في النجف الأشرف الشيخ محمد مهدي الآصفي في هذه الحملة ودعوته الى تحريم المظاهرات !!! . ولهذا ميزت هذه الاحتجاجات بشكل واضح من هو مع التحركات الشعبية لاصلاح وضعها ومعالجة نواقص النظام السياسي ومن هو الذي يريد أن يتشبث بما كان موجودا قبل الاحتجاجات ويبرره بمختلف الذرائع . وبرغم ما أقدموا عليه بعد الاحتجاجات من اجراءات وتنازلات وكأنها نزلت عليهم وعثروا عليها فجأة ، فانهم مازالوا يرجعون الى تبريراتهم السابقة عند كل تصريح عندما يتطرقون الى الوضع الحالي . ومع ذلك فان ما أقدموا عليه من اجراءات لتلافي وضعهم بشكل جزئي وتصريحاتهم باحترام التظاهرات الاحتجاجية ومطالبها والمساهمين فيها سيمنح القوة لهذه الاحتجاجات في المستقبل ويكسبها الاستمرارية والتوسع خاصة وان جميع الناس شاهدوا ذلك ومسّت حياتهم بالصميم .
ومن المهم الآن معالجة نواقص هذه الاحتجاجات هنا وهناك والانتباه الى مناورات السلطة واجراءاتها فهي لن تذهب بعيدا عن واقعها الحالي فهذه هي طبيعتها وما أنتجته طيلة هذه السنوات ، الا اذا نجح نضال الجماهير الشعبية باصلاح العملية السياسية من الأساس . وقد دلل ما قالته النائبة حنان الفتلاوي من دولة القانون في لقاء مع الفضائية العراقية في 27/2 على ذلك حيث قالت ان اختيار محافظ جديد لبابل تأخر يوما واحدا من أجل الصفقات بين الكتل السياسية المساهمة في المجلس حيث قالت بأن القائمة الفلانية تريد منصب نائب المحافظ والاخرى تريد اثنين من الوكلاء واخرى تريد كذا من المناصب .... الخ وعزت السبب الى بقاء نظام المحاصصة ، أي اننا ندور ونرجع الى نفس النقطة . ومن المؤكد ان باقي الاجراءات في عموم العراق سوف تقع في نفس المطب لأن أساس النظام السياسي يرتكز على هذا الأساس الخاطئ وهو المحاصصة .
لقد فتحت هذه الاحتجاجات والمساهمات الجماهيرية وخاصة الشبابية مجالات واسعة أمام التيار الديمقراطي من أجل أن يعزز مواقعه السياسية والفكرية والتعبوية ، وتبقى الاشكالية الاساسية في ذلك هو كيف يمكن ان تصل هذه القوى وتعمل وسط الجماهير بأساليب جديدة تضاف الى الأساليب والتجربة السابقة وأن نتعلم من التجربة الجديدة لهذه الجماهير ، فهذه الحشود في العراق وباقي الدول العربية خرجت وتظاهرت وضحت وحققت انتصاراتها في عدد من الدول بمبادرتها ، ولذلك نحن مطالبون بأن يكون لنا تجديد في الفكر والسياسة وأساليب النضال ودراسة الواقع ,والا فان هذه الجماهير أخذت قضيتها بيدها ولن تنتظر أحدا . وما يهمني هنا هو الحزب الشيوعي العراقي الذي أعتبره حجر الزاوية في التيار الديمقراطي ، وبرأيي ان الوضع الجديد يطرح امامه مهاما عاجلة وكبيرة في مجال التنظيم والخطاب السياسي والفكر والبدء بحوارات فكرية مع المحتجين ومواقعهم وتجمعاتهم ، والعمل على توفير كل ما يوفر لرفاق الحزب الانطلاق والتفاعل مع هذه الاحتجاجات والمشاركين فيها وخاصة الشباب . وبما أن هذه التجمعات الشبابية تناقش كل شئ في العلن فما عاد مقبولا ان يكون كيان الحزب مغلقا بحيث تشعر هذه التجمعات بأن هناك حاجزا يمنعها من النظر الى الحزب من الداخل في مجال السياسة والفكر والحوارات مع الحفاظ على الحدود التنظيمية ، وكذلك ضرورة تطوير خطاب الحزب السياسي وأن يكون بسخونة الاحداث وعمق مطالبة الجماهير .
في ثورة مصر صدر تصريح من المكتب السياسي في 29/1 بعنوان ( تضامنا مع جماهير الشعب الثائر في مصر الشقيقة ) وفي 23/2 صدر أيضا تصريح من المكتب السياسي يحمل عنوان ( الظفر لجماهير الانتفاضة في ليبيا والبحرين واليمن ) وقبلهما وبنفس المستوى صدر تصريح عن ثورة الشعب التونسي ، ولكن لاحتجاجات 25/2 في العراق صدر فقط عن مركز الاعلام والاتصالات ( ماتع ) للحزب نشر كافتتاحية في جريدة طريق الشعب في 27/2 بعنوان ( اداء الجماهير يستحق الثناء ) أي بعد يومين ومما جاء فيه (من جانب آخر كنا نأمل أن لا يسقط ضحايا في تظاهرات الجمعة ضحايا ، شهداء وجرحى أو مصابين) . وأعتقد ان هذا الموقف لا يحتاج الى تعليق .