زهدي الداوودي
الأربعاء 30/12/ 2009
ملاكمة بين أردوخان والعسكرتاريةزهـدي الـداوودي
قبل انعقاد اجتماع استانبول في 3 / 11/ 2007 بفترة قصيرة جدا، هبت عاصفة سياسية هوجاء في تركيا، نافست في قوتها وجبروتها أعتى الأعاصير التي تهب بين حين وآخر على الولايات المتحدة وخليج المكسيك وبدت كما لو أنها جاءت كي تقلب الدنيا عن بكرة أبيها. وأعقبت العاصفة هذه عملية تحريك واسعة للجيش التركي تم فيها نقل 100000 جندي مع أعداد هائلة من الدبابات والمدرعات والمقاتلات الجوية وأنواع ناقلات الجنود وحاملات الآليات العسكرية وتوجهت كلها إلى الحدود التركية – العراقية مع تهديدات واستعراض عضلات، سواء من قبل العسكرتارية أو رئيس الوزراء أردوخان. وكان الهدف من هذه الضجة، كما أعلنت عنه الجهات التركية المسؤولة هو تأديب مقاتلي حزب العمال الكردستاني ووضع نهاية لارهابه واجتياح العراق، الأمر الذي أدى إلى نشر الرعب، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم أيضا. وراحت وكالات الأنباء ومراسليها تبدي عن قلقها ومخاوفها الجدية حول مصير السلم في المنطقة. وأطلقت الدول الكبرى تصريحاتها بغية تهدئة القادة الأتراك وضرورة لجوئها إلى طريق الدبلوماسية واستعمال العقل والهدوء الخ..وقبل أن تنتقل المعركة إلى داخل العراق، أو بالأحرى إلى داخل أراضي إقليم كردستان، وهذا هو الهدف بالأساس، حصلت مناوشات خفيفة بين كل من الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، وذلك كجس نبض أولي لاختبار استعداد الطرفين لخوض المعركة الفاصلة. وكانت الحصيلة أسر ثمانية جنود أتراك، على الأرض التركية، من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني ووقوع ضحايا من الطرفين.
كانت هذه الخطوة أشبه باللكمة التي يوجهها الملاكم ضد خصمه خلال الدقائق الأولى في حلبة الملاكمة. وهذه اللكمة الأولية تحدد عادة لمن تكون الغلبة في نهاية المطاف. والذي تلقى اللكمة في الحقيقة لم يكن أردوخان، بل العسكرتارية التي أرادت أن تورط حكومة أردوخان في حرب خاسرة جديدة، بغية إضعافها فالاطاحة بها، ذلك أن عهد الانقلابات السافرة قد أكل عليه الدهر. ويعرف أردوخان هذه الحقيقة. ويعرف أيضا أن المسألة الكردية في تركيا لن تحلها وسيلة الحرب. فهو أي أردوخان، وضع الجيش أمام هذه الحقيقة منذ اللحظة التي أوعز فيها إلى برلمانه أن يصوت إلى جانب خيار الحرب. وكان أن زايد على العسكرتارية وسحب البساط من تحت أقدامها.
هذه هي النقطة الاولى التي سجلها أردوخان، كدعامة داخلية ضد عدوه المستتر: العسكرتارية التي لم تهضم بعد تربع حزب العدالة والتنمية على السلطة ولا تريد أن تهضمها. وأما النقطة الثانية التي سجلها أردوخان كدعامة خارجية ضد العسكرتارية، فهي اجتماع استانبول، إذ أنه أثبت أمام الاجتماع الذي ضم وزراء خارجية دول الجوار والدول الكبرى والثماني الصناعية، أنه الحاكم الشرعي المنتخب في تركيا والذي لا يمكن زحزحته، سواء من قبل التيار الكمالي أو القومي أو العسكرتارية. ذلك أن وجود كل هؤلاء في استانبول هو اعتراف ضمني بسلطته وحزبه، رغم لونه الديني. وأما النقطة الثالثة التي سجلها فهي ضد حزب العمال الكردستاني الذي أجمع الاجتماع على كونه حزب ارهابي. ولا يجوز الاستهانة بمثل هذا الاجماع مهما كانت الحجج. ولذلك أعاد حزب العمال الكردستاني النظر بكل جدية في مجمل استراتيجه وتاكتيكه للتخلص من هذه الوصمة، التي تستغل من قبل الكثير من الأوساط لتوجيهها ضد حركة التحرر الكردية. ومثل هذه العملية تحتاج إلى وقت غير قليل. ولا نريد هنا أن نعيد إلى الأذهان بأن الارهاب هو أسلوب من أدار التاريخ له ظهره، ثم أن إرهاب الدولة أقوى بكثير من أية عملية عسكرية تقوم بها جماعات تطالب بحقوقها الأولية، التي يمكن اكتسابها بأساليب النضال الجماهيري أيضا.
إن المسألة الكردية قضية معقدة ومتشابكة وحساسة وهي تعتبر من إحدى المشاكل العالمية التي لم تحل بصورة عادلة في الحرب العالمية الاولى. ولكن لابد أن يحله التاريخ ذات يوم، إن عاجلا أم آجلا. ولعل، أعقد حلقة في هذه المشكلة هي توزعها بين أربع دول لها ظروفها الخاصة بها، الأمر الذي لا يمكن علاجها بوصفة جاهزة واحدة وبسرعة، بيد أن هناك حقيقة واحدة لا يجوز نسيانها، وهي النضال الجماهيري المستمر من أجل الحصول على المكاسب، مهما كانت ضئيلة، فصيانتها. ولعل أعظم مكسب حصل عليه الكورد حتى الآن هو "فدرالية كردستان العراق". ولذلك فإن صيانة هذا المكسب هو واجب كل القوى التقدمية والديمقراطية في البلدان التي تقتسم كردستان.
قلت ذات مرة لصديق أذربايجاني في زمن الشاه:" أنتم تعدادكم في إيران أكثر من عشرة ملايين نسمة، لماذا لا تناضلون من أجل أن تنضموا إلى أذربايجان الأم، فتشكلوا دولة موحدة كبيرة؟"
أجابني ساخرا من سؤالي:" وماذا نستفيد؟ نحن مسيطرون على كل بازار طهران. هل تقبل أن نتنازل عن أسواقنا للفرس؟"
كانت تلك وجهة نظر تاجر بالنسبة إلى مسألة مصيرية لأمة. وللتجار أيضا رأيهم في السياسة وحق تقرير المصير. ولكن ينبغي أن لا ننسى بأن المال، إذا تجاوز حده، قد يتحول إلى وسيلة لتمييع القضية الأساس.