| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زهدي الداوودي

 

 

 

                                                                                       الأربعاء 23/2/ 2011



إلى الصديق ييلماز جاويد

زهـدي الداوودي

قرأت مساهمتك المعنونة بـ"الثورة لا تستورد" بامعان. ولما كنت أعرف حق المعرفة أن نيتك صافية، لذا بادرت بابداء رأيي تفاديا للالتباس ومحاولا الحيلولة دون أن تتحول إلى هدف للرماة الذين لا يعرفونك. وسأحاول أن أناقش بعض الآراء حسب تسلسل ورودها في مقالك.
1. أبدأ ملاحظاتي بالعنوان الموسوم:"الثورة لا تستورد". لا أؤيدك في هذا المفهوم، لأنه قد تحول إلى اسطوانة مشروخة. إن العالم اليوم قد تحول بفضل الثورة التقنية المعلوماتية إلى قرية، فحين تهب أعاصير تسونامي فهي تغطي مساحات ليست دول فحسب، بل قارات بأكملها. إن الثورة الحقيقية هي نوع من السونامي، ولكن ليس في الطبيعة بل في المجتمع. إذا كانت تسونامي الطبيعة تقلع الاشجار العملاقة من جذورها وتدفعها مثل ريشة في مهب الريح، فإن تسونامي المجتمع تطيح بالعروش وأصحابها بالجملة. وأما الثورة فهي عملية انقلاب شاملة تغير مجمل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع خلال فترة زمنية غير قصيرة وخير مثال لذلك هو الثورة الفرنسية التي بدأت من تحت ونقلت ليس المجتمع الفرنسي فحسب، بل أوروبا من العلاقات الاقطاعية إلى الرأسمالية.

2. لا يمكننا اطلاق أسم ثورة على ما حدث في تونس ومصر. انهما انتفاضتان حصلتا نتيجة لنشوء الوضع الثوري بسبب وصول الحالة الاجتماعية إلى الغليان تحت درجة 100 مئوية كما قلت أنت. (الجماهير لم تعد تتحمل العيش تحت ظل العلاقات القائمة). إن البناء الفوقي قد أصبح عائقا أمام انطلاق وتطور البناء التحتي (العلاقات الاجتماعية) ولم يحسب البناء الفوقي (مؤسسات الدولة) في تونس ومصر حساب ملايين العاطلين عن العمل من الشباب الذي تحول إلى عنصر جديد محرك أو حطب لعملية الانتفاضة. وهكذا نرى أن التناقض المتنامي بين البناء الفوقي وعلاقات الانتاج (البناء التحتي) يبحث دوما عن حل: فاما التطابق أو التناقض، وإذا أشتد التناقض دون تخفيفه فالتغلب عليه، تكون النتيجة: ثورة اجتماعية. والتاريخ لا يهمه ما إذا كانت هذه الثورة هي ثورة ردة أم ثورة إلى أمام. والرأسمالية تعرف جيدا خطورة هذا القانون، ولذلك تفكر دوما في وضع الحلول التي تؤدي دون انفجار هذا التناقض، مثل ترسيخ التقاليد البرلمانية اللبرالية، إعطاء بعض المكتسبات الآنية للعمال، الزام المصانع بدفع رواتب معينة لعمالها في حالة البطالة، اعتماد الضمان الصحي للمواطنين، مساندة الفلاحين الخ من المكتسبات المهدئة.

3. أنا أؤيدك في قولك:"أن المظاهرات لا ترتقي إلى مستوى الثورة" ولكنني لا أؤيدك في قولك:"حتى وإن حققت بعض المكاسب الشكلية والرمزية، (كإقالة ملك الاردن الوزارة، ووعد علي عبد الله صالح عدم ترشحه أو ولده للدورة القادمة في اليمن، أو حتى تنازل المالكي عن نصف راتبه وإعلانه عدم تجديد ولايته للمرة الثالثة). إن هذه (المكاسب) تعتبر بائسة بالقياس إلى أهداف الثورة الشعبية التي تقتلع جذور النظام السابق..." إن كل مطلب يتحقق، مهما كان متواضعا، هو مكسب يجر معه مكاسب أكبر. إننا من أجل بلوغ السقف ينبغي أن نملك سلما. وليست ثمة حركة تعلن عن نفسها كثورة منذ اللحظة الأولى. إن ثورة أكتوبر مثلا، رغم استمرارها لأكثر من سبعة عقود من الزمن، لم تتمكن من انجاز المهمات التي جاءت من أجلها. وقد سبق لغرامشي، مؤسس الحزب الشيوعي الايطالي أن قال عنها منذ البداية:"إنه انقلاب قام به 700 بلشفي مسلح". ولا يمكن لأي ثورة أن تبدأ بقرار من فوق. وحتى إذا بدأت فيمكن لقرار آخر أن يلغيها. كان من الممكن أن تتخذ الثورة الإيرانية مسارا آخر، بيد أن العلاقات الاجتماعية (البناء التحتي) المتخلفة قد تطابقت في غفلة من الزمن مع البناء الفوقي (مؤسسات الدولة الدينية).

4. بالنسبة إلى قولك:"عدم نضوج ظروف الثورة في عراق اليوم" فمسألة واردة، رغم أنها غير مطلقة، ولكن من قال لك أن الناس يريدون القيام بثورة. إن كل ما يريدون القيام به هو عرض مطالبهم بواسطة تظاهرات سلمية، لهم الحق بممارستها حسب الدستور، والتظاهرات ليست حكرا على فئة معينة. إنها لظاهرة جيدة إذا ساهمت فيها كل طبقات وفئات المجتمع العراقي. وإذا استجابت الحكومة للأمر وقامت بجملة إجراءات فورية من شأنها تحسين الحالة المعاشية للمواطنين، فأهلا. وأما إذا لجأت الحكومة إلى أساليب القمع، فتبدأ العفوية بلعب دورها الذي سوف لا يكون من صالح الحكومة في كل الأحوال. إن موقف الحكومة وتصرفها هما الحاسمان. إن مخاوفك من محاولات تخريب التظاهرات السلمية من قبل عناصر مشيوهة، مفهومة، ولكن هل يمكننا أن نجعل من هذه المخاوف حجة للانزواء في بيوتنا ؟ إن هذه المخاوف يجب أن تتحول إلى سلاح لتعرية العناصر المندسة والدخيلة من أصحاب الشعارات الخيالية.

5. لذلك اسمح لي يا صديقي العزيز أن أقول لك أن الدعوة لقيام مظاهرات (مليونية) ليست دعوة فجة، بل أنها ممارسة طبيعية لحق مشروع للشعب العراقي كي يقول كلمته في سياسة الحكومة الراهنة.
 

 

free web counter