| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

زهير دعيم

 

 

 

 

                                                                                                  الأثنين 3/9/ 2012


 

الأمّ الحزينة

زهير دعيم 

في غابة بعيدة تقع على أكتاف الجبال الشرقية , عاشَ أسد هَرِمٌ يعتدّ بتاريخه ونسبه وماضيه , عاش يسرح ويمرح في مملكته الواسعة الاطراف, الى أن جاء يوم , ظهر فيه نَمِر شابّ وحطَّ عصا ترحاله في أطراف هذه المملكة ,وهو يقول لكل السائلين : "هنا كان جدودي , هنا أكلوا وناموا وصلّوا!".

 امتعضَ الأسد الهَرِم وعَقَدَ العزم على طرده , فالمملكة ورِثها عن جدوده, ثمّ ماذا  سيقول لسكّان مملكته , وهم يروْن الآتي من بعيد يتحدّى مليكهم في عقر داره؟.

غضب الأسد وزمجر ووثب على النمر الشابّ , ودارت معركة حامية الوطيس , اضطرّ فيها الأسد الى التراجع مجروح الجبين والكرامة , وهو يتفُل دمًا ويقول : " تفو على الزمن , هذا الزمن الذي جعلني هرِمًا , سقى الله أيام الشباب , يوم كنْتُ أصارع جيشًا من النمور!!".

 ولم يجد الأسد بُدًّا من استرجاع كرامته ألا بمنازلة النمر ثانية وثالثة ورابعة , ولكن دون جدوى , فافترقا واقتسما الغابة على مضَض , والأسد يَعِدُ نفسه وأهله بأنه سيعيد حقَّه المسلوب , وأنّ هذا اليوم الموعود قريب , أمّا النمر , فكان يرنو الى توسيع رُقعة مملكته .

  وعلى أطراف الغابة الشّمالية , وبين المملكتين المُتنافستين , عاشت الظبية الجميلة "حنان"المكحولة العينين , اللطيفة المَعشر, عاشت مع صغيريها في أمانٍ وطُمأنينة , تعمل بجِد ٍّونشاط في سبيل إعالتهما, فتتركهما صباحًا خلف التلّة الخضراء يمرحان بين الزُّهور , يلاحقان الفراشات المُلوّنة , وتذهب تُفتّشُ عن الطعام .

  وكثيرًا ما حذّرت الظبية صغيريْها من الأسد والنمر  فهما شرسان , واوصتهما بالانتباه لكلّ حركة تصدر عنهما .

  ولم تكتفِ الظبية الأم بالتحذير , بل بدأت تدرّبهما على الركض والعدْو فوق الصخور .

 لم تعرف الظبية سبب انقباض قلبها في صباح هذا اليوم بالذات , حين ودّعت ولديْها وأوصتهما بالحَذَر والحيْطة ,  ولم تعرف لماذا بعد أن قطعت مسافة بعيدة , عادت لتعانق ولديها وتضمّهما الى صدرها بحرارة .

  ولكن ماذا تفعل والضرورة  تُلزمها بالبحث عن لُقمة العيش,  فأسلمت أمرها لله , رافعة اليه عينيها مُتوسّلة .

مرَّ النهار أو  كاد, فعادت الظبية الى بيتها بشوقٍ تحمل الطعام , وقلبها يخفق بشدّة ....ومِنْ بعيد وفي الجهة الجنوبية من وطنها الصغير الجميل , رأت ويا هوْل ما رأت , رأت النمر والأسد العجوز يطاردان صغيريها  ويُدنّسان كلَّ جمال انغرسَ هناك ...وما هي الا لحظات حتّى انقضَّ كل منهما على صغير , وانطلق يعدو نحو مملكته , فصعقتها الصدمة , فانطرحت أرضًا وهي تغرق في البكاء , وتنتحب بصوت عالٍ , ردّدته  وما زالت الوديان والتلال .

 

 

free web counter