| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 3 / 12 / 2025 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
شهادة المطران مار توما أرميا حول حملة الأنفال في قرى سهل نهلة
وردا البيلاتي
(موقع الناس)
سيادة المطران الجليل مار توما المحترم،
تحية مملوءة بالاحترام والتقدير، ودعاء صادق بالصحة والسلامة الدائمة.
لقد مرّت عقود على أحداث حملة الأنفال القاسية التي وقعت في عام 1988، وبالأخص في شهري آب وأيلول، حيث تعرّضت قرى نهلة الآشورية، شأنها شأن العديد من قرى شعبنا، للاعتقال الجماعي والتهديد بالترحيل والتصفية.
وفي الآونة الأخيرة، تبيّن لي أن لكم – سيادتكم – دورًا مميزًا في تلك المرحلة العصيبة، ساهمتم من خلاله في إنقاذ أرواح عدد كبير من أبناء وبنات شعبنا في نهلة. هذا الموقف الإنساني والروحي الشجاع، يستحق التوثيق والاعتراف، ليبقى حيًّا في ذاكرة أجيالنا القادمة.
ومن منطلق الوفاء والمسؤولية الأخلاقية والتاريخية، أتشرف بأن أوجّه لسيادتكم بعض الأسئلة التي تساعدنا على توثيق شهادتكم القيّمة، راجيًا منكم التكرم بالإجابة عليها، مع جزيل الشكر والتقدير:
ملاحظة توثيقية
بعد تواصلي مع سيادة المطران الجليل مار توما، تفضّل مشكورًا بالإجابة تحريريًا على مجموعة من الأسئلة المتعلقة بدوره الإنساني والروحي في حماية أبناء شعبنا من قرى نهلة خلال حملة الأنفال.
حرصًا على الأمانة، تم نقل إجاباته كما وردت في رسالته، مع إجراء تصويبات لغوية وإملائية طفيفة دون المساس بالمعنى أو روح النص، وذلك لتسهيل القراءة وضمان الدقة.ما الذي دفعكم للتدخل في قضية أهالي نهلة أثناء حملة الأنفال؟
- في البداية، أشكرك يا وردا، فأنت طيّب من رائحة الورد، بفكرك وروحك الطيبة، ومحبتك لمصير أبناء أمتك.
أنا أحب الاختصار، وسأجيب على هذه الأسئلة باختصار، كما يقول المثل: البركة في القليل، وما قلّ ودلّ. أرجو أن يرضيك ذلك.
الدافع هو المحبة، لأن الله محبة، وكما كُتب: هكذا أحب الله العالم...
فكل راعٍ يجب أن يحب أبناء رعيته، ويبذل نفسه من أجلهم.
وما قمتُ به ليس "تدخلاً"، بل هو واجب شخصي وواجب حب، لإنقاذ حياة أبناء "ملّتي"، وقد كانت أمانة في عنقي.
كيف تواصلتم مع الجهات الرسمية أو القيادات في تلك الفترة؟
- تواصلتُ مع الجهات الرسمية لأني كنت المسؤول الرسمي في الكنيسة، وكنت رئيس الأبرشية في محافظة نينوى الحبيبة.
كنا نبادل الزيارات مع المسؤولين من أجل دراسة الأوضاع، ومواجهة المشاكل الصعبة، والتعامل مع الحالات الخطرة، خصوصًا وأن الوضع في حينها لم يكن مستقرًا.
هل اعتمدتم على علاقاتكم الخاصة أو مكانتكم كمطران في الموصل للتأثير على مجريات الأمور؟
- نعم، كنا نعتمد على كلتا الحالتين، سواء العلاقات الخاصة أو المكانة الكنسية، من أجل إدارة الأمور بحكمة، وضمان سلامة الجميع، ومنع الانزلاق في المشاكل بين الطرفين، وذلك حفاظًا على الأمن والاستقرار، وعلى العلاقة المتوازنة التي كانت تجمعنا بالجهات الرسمية.
هل واجهتم صعوبات أو تهديدات خلال محاولاتكم حماية أهالي نهلة؟
- نعم، واجهنا صعوبات كثيرة، ومن جميع النواحي.
لكن الرب كان معنا، وكان عوننا، وخلّصنا من كثير من المشاكل.
كيف كانت استجابة السلطات العراقية آنذاك لتدخلكم؟
- بعد أخذٍ وردٍّ بين الطرفين، ودراسة الوضع بشكل معمّق، وقف بعض المسؤولين إلى جانبنا، وقدموا المساعدة والعون من أجل تأمين سلامة أبناء قرى منطقة وادي نهلة.
بادرنا معًا إلى دراسة المشاكل التي كانت تواجه الأهالي، وبحث مصيرهم بين خيار الرحيل أو البقاء في قراهم.
لكن مع تفاقم المشاكل، قررنا أن نعمل معًا لإيجاد حلول تحفظ كرامة وسلامة أبناء القرى.
هل تذكرون عدد القرى أو العوائل التي تم تجنيبها الخطر بفضل تدخلكم؟
- عدد القرى التي تم تجنيبها الخطر هو عشرة قرية، وعدد العوائل التي تم إنقاذها خمسون عائلة.
وقد نجا هذا العدد من أبناء العوائل من كل الشرور، وتم نقلهم إلى مناطق آمنة بعون الرب.
ما الرسالة التي تودون توجيهها اليوم للأجيال الشابة من أبناء نهلة وشعبنا الآشوري عمومًا؟
- الرسالة الختامية للموجودين في وادي منطقة نهلة هي:
هذه وصية الرب أن يحبوا بعضهم بعضًا. آمين.
وفي الختام، وباختصار شديد، أقول لك يا حبيبي وردا:
في زمن الأنفال، صعدنا الجبال، وعبرنا السهول، وسهرنا أيامًا وليالي، وعانينا،
لكن الرب كان معنا في كل ذلك، من أجل حالتنا وإنقاذ أبناء أمتنا الوفية.
وأدعو الرب أن يكون في عونك لتكملة رسالتك بأمان وإخلاص. آمين.
المطران مار توما أرميا كيوركيس صليو رئيس الأبرشية في محافظة نينوى
بعد اتصالي بالأستاذ ميخائيل بنيامين، أحد أبناء قرى سهل نهلة، أكّد وأضاف توضيحاتٍ لما أدلى به سيادة المطران مار توما بشأن الأنفال.
بذل سيادة المطران مار توما جهودا استثنائية في انقاذ العائلات الاشورية في نهلة من أخطار عمليات الانفال، لان ما حدث عندما اتخذت سلطات النظام البائد القرار بترحيل القرى، قد تم ترحيل العدد الاكبر من العائلات يوم 7/5/1987 وتم تجميعهم في مجمع في منطقة عقرة، وقد كان حاضرا ويطالب السلطات الحكومية في ابسط الايمان لتوفير بعض الوسائل (الجرارات الزراعية) لنقل في الاقل الحاجيات الاساسية لهذه العائلات، ويتابع وصولهم الى نقطة التجميع بكل تفاصيلها. اما المشكلة الاكبر، فكانت تتعلق بالعائلات التي رفضت الترحيل واتخذت قرار البقاء في منطقة نهلة بعد الانتقال الى قرى ابعد وفي الجبال الشمالية، لأنه بعد نهاية الحرب في 8/8/1988 وقيام حملة الانفال فان هذه العائلات كانت مهددة كما حصل للألاف غيرهم للإخفاء القسري وقتلهم جماعيا، لذلك تم وضعهم في سيارات الحمل الكبيرة ونقلهم الى منطقة (كردى جال) في اربيل في انتظار نقلهم الى مصير مجهول، لكن حرص ومتابعة مار توما بالاعتماد على شجاعته وجرأته فقد تمكن من اعادتهم واسكانهم مع اقرانهم من العائلات الاشورية من منطقة الى المجمع المخصص لهم في عقرة والذي تحول لاحقا الى مجمع غير مؤقت وتحول اسمه من مجمع القادسية الى مجمع ازادي بعد الانتفاضة.. في الحقيقة ان سكان المنطقة دائما ما يؤكدون ان لو لا جهود سيادة المطران مار توما لكان مصير تلك العائلات هو الضياع والاخفاء والقتل كما حصل لآخرين من ابناء شعبنا في نيروا وريكان وديركني وكوندا كوسا وغيرها وكما حصل للألاف من العراقيين.
ميخائيل بنيامين ناشط اشوري
شكراً سيادة المطران مار توما
تقديراً لموقفكم الإنساني والبطولي، ولشجاعتكم التي أنقذت أرواح الأبرياء في زمنٍ كانت فيه الكلمة الصادقة تُعد مغامرة، والفعل النبيل مخاطرة بالحياة.
يبقى ما قمتم به صفحة مضيئة في تاريخ شعبنا وضمير الإنسانية.