Tahsin515@hotmail.com
لمصلحة من .... إلغاء البطاقة التموينية ؟
تحسين المنذري
شكلت البطاقة التموينية منذ بدء العمل بها في عام 1990 سلة غذاء أساسية لملايين من العراقيين ، فقد كانت في عقد التسعينات ولحد عام 2003 حاجة أساسية لما يزيد عن الـ 80% من العراقيين رغم رداءة أنواع الاغذية الموزعة بموجبها ، وبعد سقوط النظام الدكتاتوري تردى وضع موادها ونقص بشكل كبير ، لكنها ومع إزدياد معدلات الفقر بقت تشكل ركنا أساسيا في غذاء الفقراء وشرائح كبيرة أخرى ممن يقتربون من خط الفقر بشكل متزايد . إلا إن قرار إلغائها لم يكن مفاجئا لمن يتابع تدهور وضعها ولما وافقت عليه الحكومات المتعاقبة ما بعد الاحتلال من شروط لنادي باريس وصندوق النقد الدولي، فمن شروط ونصائح تلك الجهتين للمقترضين شئ أساسي هو تقليل الانفاق الحكومي، ويترتب على هذا الشرط جملة قضايا منها تقليل عدد موظفي الحكومة ، وخصخصة المؤسسات والشركات غير المربحة ، وتقليل الدعم الذي تقدمه الحكومة للمحروقات والمواد الغذائية ، لذلك فقد كان إلغاء البطاقة التموينية هدفا مباشرا بناءا على نصائح الصندوق الدولي ونادي باريس،والذي إستجابت له الحكومة العراقية بشكل أعمى دون النظر الى حاجة المواطنين المتزايدة لها ، حيث سبق هذا تخفيض الدعم على أسعار المحروقات ورفع أسعارها عام 2006 ،في حين إن البطاقة التموينية ممكن أن تكون ورقة ضبط لحركة السوق وأسعار المواد الغذائية كان بمقدورالحكومة ـ لو شاءت ذلك ـ إستخدامها عن طريق زيادة كميات وتحسين نوعيات المواد وعددها بناءا على وضع السوق من حيث الوفرة أو عدمها وبالتالي التقليل من حجم التضخم وحماية ذوي المدخولات القليلة ولجم رغبة التجار الجامحة دائما لزيادة أرباحهم وإستغلال حاجة الناس بشكل غير إنساني، لكن يبدو إن الحكومة غير معنية ،أو إنها لا تملك ستراتيجة واضحة في المجال الاقتصادي،أما لو كان هدفها يتطابق مع رغبة شريحة التجار الطفيليين فستكون المصيبة أعظم .
البطاقة التموينية والفساد:
مع تضخم عدد موظفي الدولة وتزايد أعداد كبار الموظفين ـ يوجد أربعة ملايين موظف مدني وعسكري ، حسب وزارة التخطيط العراقية ـ فإن هؤلاء باتوا يشكلون شريحة إجتماعية كبيرة ، واذا ربطنا هذا التفاقم مع إزدياد حجم الفساد الاداري والمالي فإنهم يشكلون أيضا قوة إقتصادية ، والعاملين منهم في وزارة التجارة كانوا ومازالو مستفيدين بشكل كبير من وجود البطاقة التموينية كمصدر للرزق السحت ، فهل بإلغاء البطاقة التموينية سينتهي دور هؤلاء أم هل سيقل الفساد ؟ إنها ليست المرة الاولى التي تعلن فيها الحكومة عجزها عن محاربة الفساد ويكفي إن أحد تبريرات مشروع قانون البنى التحتية بأنه أقل فسادا!! أي إنه لا يلغي الفساد من تطبيقه ، لذلك فإن شريحة الموظفين البيروقراطيين سوف لن تضيق بهم السبل لإيجاد منفذ آخر للعب دورهم القذر هذا ، لكن إلغاء البطاقة التموينية ستستفيد منه شريحة أخرى هم البرجوازية الطفيلية وأعني بها التجار مصاصي دماء الفقراء ، ذلك إن الحاجة الى المواد الغذائية وتزايد الطلب سيزيد من أسعارها ويقلل من جودتها وبالتالي زيادة في التضخم قد تعجز الحكومة التي لاتملك ستراتيجية إقتصادية واضحة من الحد من التداعيات الخطيرة لهذا القرار، وأيضا سيتنامى دور شريحة التجار الطفيلين والمستوردين في الوضع السياسي ، وهذا ما يقودنا الى سؤال آخرهل إلغاء البطاقة التموينية له علاقة بالصراعات السياسية بين المتنفذين في الحكم سيما وهم على أبواب فترة إنتخابية جديدة ؟ أنا أعتقد بوجود مثل هذه العلاقة سيما وإن جميع الكتل السياسية تعلن عن نيتها بإقامة تحالفات جديدة ، وبالتأكيد فهناك ضمن قادة الكتل والمتنفذين فيها من سيستفيد من هذا القرار وأعني بهم من يمتهن تجارة المواد الغذائية إستيرادا وتوزيعا ومن يسهل تمرير البضائع الاجنبية ، وهم جميعا من سيسعون لتقوية نفوذ متخذي هذا القرار غيرمبالين بما ستؤول اليه حالة ملايين العراقيين المتضررين ، وستكفيهم أغطية الطائفة والقومية لتمرير مشروعهم السياسي ترافقا مع إستمرارية تدني الوعي السياسي والانتخابي خصوصا، لشرائح كبيرة ومؤثرة في صندوق الانتخاب .