| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 25 / 4 / 2025 تحسين المنذري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
نبذة عن تحالفات الحزب الشيوعي بعد 2003
تحسين المنذري
(موقع الناس)* المقدمة:
باتت التحالفات السياسية إحدى الظواهر المألوفة في العمل السياسي وفي كل البلدان تقريبا، نظرا لتشابك وتنوع المصالح الفئوية، والطبقية في أحيانٍ معينة. ولم تكن موضوعة التحالفات غائبة عن قوى اليسار في العالم أجمع، كما إنها لم تكن ترفا سياسيا أو بحثا عن مصالح شخصية، بل هي كما ينظر إليها الماركسيون على إنها تكتيك تمليه الضرورة وقد يكون في أحيان كثيرة جزء من إستراتيجية العمل السياسي كما هو حاصل بتحالف العمال والفلاحين.
وقد أولى القائدان العظيمان ماركس وأنجلز موضوعة التحالفات أهمية خاصة وناقشا في مسودة البيان الشيوعي التحالفات ببعض البلدان تبعا لتطور ودور البرجوازية ولنوعية دساتير كل منها، فقد أشار البيان الى (يلتقي الشيوعيون حول مصالح مشتركة مع مختلف الاحزاب الديمقراطية وتتوطد هذه المصالح بقدر ما يتصاعد دفاعهم الواضح والحازم عن مصالح البروليتاريا) وأيضا (على الشيوعيين أن يتحالفوا مع الحزب الرامي لقلب الدستور حتى وإن كان ديمقراطيا وتحويله لخدمة مصالح البروليتاريا)
أما الثوري الفذ "لينين" فقد أشار الى إن (تكتيك الجبهة المتحدة "التحالف" هو تكتيك ماركسي سليم ولا مفر منه) ولكنه حذّر في نفس الوقت من تحوله الى (مهزلة من أجل تبرير التحالف مع كل أنواع الزبالة) وهذا التوصيف الاخير هو توصيف لينيني صرف لأنه كان قاسيا في التعامل مع الاحزاب والحركات الانتهازية، كما إنه أكد على مسألتين هامتين هما (الحزم النظري وعدم العصبوية) وبذلك فقد كان نهجه يؤكد على (لا تنازل سياسي وطبقي مطلقا مع مراعاة مستوى وعي الجماهير والحالة المزاجية العامة لها).
وأيضا فإن القائد ديمتروف أشار في موضوعة الجبهات الشعبية المناهضة للفاشية الى مسألتين هامتين هما (قيادة حزب الطبقة العاملة للجبهة وعدم التهاون مع الاخطاء مهما كان مصدرها).
أما المنظر الكبير غرامشي ففي طرحه لفكرة الجبهة، والتي فهمها البعض خطاً، فقد كان يؤكد كما هو شأنه دائما على الدور القيادي للمثقف في طبقته، لذلك حينما أراد توحيد نضال الطبقة العاملة وبقية المسحوقين والمعدمين مثل الفلاحين في الجنوب وقع إختياره على رجال الكنيسة بوصفهم ممثلين للشرائح المعدمة بالجنوب ، ولأنهم الاكثر تعليما ووعيا وليس بسبب كونهم رجال دين رغم صفتهم تلك، لكي يتحالفوا مع ممثلي الطبقة العاملة في الشمال الايطالي الاكثر تطورا ووعيا بحكم وجود المعامل الصناعية وتأثيرها في التركيبة الطبقية للمجتمع وبكون الحزب الشيوعي هو الممثل الطليعي للطبقة العاملة .
إن الملاحظة المهمة جدا في هذا الشأن هي إن كل منظري الماركسية وقادتها ممن تناولوا موضوعة التحالف أكدوا على مسألة في غاية الاهمية وهي ضرورة قيادة الطبقة العاملة لتلك التحالفات إيمانا منهم بدورها الذي أكده ماركس تكرارا على إنها الطبقة الاكثر تحقيقا للعدالة في قيادة المجتمع. وحتى في إرثنا العراقي ففي التحضير لجبهة عام 1957 حينما حدث اللقاء التاريخي بين الشهيد البطل سلام عادل والراحل كامل الجادرجي والذي طالب فيه هذا الاخير بالاعتراف رسميا به كونه قائد اليسار العراقي فقد رفض الشهيد سلام عادل ذلك ، و رد عليه بطريقة دبلوماسية مشيرا بأن نترك الامر للجماهير لتقرر من يقودها ! بل وحتى في جبهة عام 1973 ورغم كل مساوئها وما نتج عنها من خراب فقد رفض قادة الحزب آنذاك الاعتراف رسميا بقيادة البعث للجبهة وإكتفوا بتثبيت فقرة في وثائق الجبهة تشير الى تمتع البعث بدور متميز في قيادة الجبهة .. أي ليس قائدا مطلقا.
* قووا تنظيم حزبكم ..... قووا تنظيم الحركة الوطنية
يعتبر هذا الشعار الذي أطلقه القائد الخالد فهد الشعار الاكثر حضورا في التحضير والاعلان عن جبهة أو تحالف ما بمشاركة الشيوعيين، ورغم إن لي تفسير آخر لهذا الشعار يقضي بأن تقوية الحركة الوطنية يأتي من خلال تقوية تنظيم حزبنا، لكني سأتماشى مع التفسير الشائع بضرورة دعم الاحزاب الوطنية الاخرى بما في ذلك التحالف معها، والسؤال هنا هل قمنا بما يكفي لتقوية تنظيم حزبنا قبل توجهنا لتقوية تنظيم الحركة الوطنية ؟ أترك الاجابة للقارئ الكريم رغم إن لدي ما أقوله في هذا الجانب.
* تحالفات ما بعد عام 2003
دأبت قيادة الحزب بعد التغيير مباشرة الى المشاركة في كل الفعاليات السياسية الناشئة بدءاً بالاشتراك بمجلس الحكم ومن ثم لجنة كتابة الدستور والمشاركة بوزير واحد في كل من وزارتي علاوي والمالكي الاولى، وكل ذلك تحت فكرة أو شعار التغيير من الاعلى !! إلا إن هذه الفكرة أثبتت عدم نجاحها بدليل ما آلت إليه الامور وما هو الواقع حاليا، لكن رغبة المشاركة تلك إستمرت حثيثة من خلال دخول الانتخابات المتعددة سواءً النيابية أو مجالس المحافظات، ورغم إن ذلك حق دستوري وسياسي وربما كان في البداية مطلبا جماهيريا إلا إن كل تلك المشاركات لم تحقق ما كانت تصبو إليه الجماهير من حضور وفعالية أكبر، وفي بعض تلك المشاركات كان للحزب تحالفات، فعلى الصعيد النيابي إشترك في تحالفين مع أياد علاوي بالقائمة العراقية ومع التيار الصدري في قائمة سائرون، أما على صعيد مجالس المحافظات فقد كانت هناك تحالفات متناثرة تركت قيادة الحزب في بعضها الامر للمحليات في المحافظات لتقرير شكل التحالف ومع من، وقد ذهبت بعض المحليات الى التحالف مع الصرخيين!! على سبيل المثال في محافظتي واسط وذي قار ، لكن في جميع تلك التحالفات كانت النتائج مخيبة للآمال وبسمةٍ مشتركة فيها جميعا هي عدم قيادة التحالف من قبل الحزب الشيوعي، حتى إن أحد قياديي الحزب أشار الى هذه المسألة في تحالف سائرون على إن قيادة التحالف مسألة شكلية!! فهل هذا صحيح وينطبق على ما ذهب إليه منظرو الماركسة بدءاً بماركس ومرورا بلينين وليس إنتهاءً بديمتروف؟ أم إن الموضوع خرج كليا عن التوجه الماركسي في التحالفات ؟ بالتأكيد كان ذلك إبتعادا كبيرا وأعتقده ينسجم مع ما ورد في البرنامج بإعتبار الماركسية إحدى المصادر التي يسترشد بها الحزب وليس الوحيدة أو الاهم، كما إن التحالفات تلك أعطت صورا متناقضة للقوى المتحالفة فما بين البحث عن تلميع وجهٍ لبعضها لكنها خلقت خدوشا جسيمة في صورة الحزب الشيوعي ما تزال ظاهرة ومؤثرة على عمله وتوسعه بين الجماهير، والغريب في الامر إن قوى ناشئة وليست ذات جماهيرية ولا تاريخ نضالي يرتقي حتى الى واحد بالالف من تاريخ وتضحيات الشيوعيين، بل إن بعضها خرجت من تحت عباءة الحزب الشيوعي إلا إنها تعاملت مع الحزب على إنها الند وأملت بعضها شروطها في التحالف وبقبول من قيادة الحزب !!إن كل ذاك بتقديري يعود الى العجالة في دخول التحالف في البداية وعدم دراسة حيثيات كل تحالف وما رافقه من أخطاء وممارسات وعدم الخروج بتقييم موضوعي حقيقي لأي من تلك التحالفات بما فيها سائرون والتي أعلنت قيادة الحزب إنسحابها منه بإستقالة النائبين الممثلين للحزب في البرلمان، بل إن المؤتمر الحادي عشر شهد بعض النقاشات الحامية ـ كما يقال ـ عن تحالف سائرون مما إضطر قيادة الحزب الى تقديم وعد بعقد كونفرنس موسع بصلاحيات كبيرة لمناقشة هذا الموضوع، لكنه لم يتحقق الى الان وإستحقاق المؤتمر الثاني عشر يكون في هذا العام .ومنذ مدة ليست بالقصيرة تُنشر أخبار عن لقاءات لقيادة الحزب مع تيارات واحزاب على إنها ديمقراطية مدنية لغرض إقامة تحالف جديد للدخول في إنتخابات البرلمان في هذا العام والمقرر لها أن تكون في 2025/11/11 ، لكن بعض الاسماء التي رشحت غير معروفة وبعض أخر هناك علامات إستفهام على من يمثلها في اللقاءات مع قيادة الحزب بحكم خلفياتهم السياسية.
إن العودة الى الماركسية بإصولها ومدارسها الغنية بالتجارب وكونها المرشد الوحيد أو الاهم والانفتاح على إراء قواعد وجماهير الحزب هي أفضل الحلول لمعالجة مشكلة التحالفات تلك، وعدم إهمال ما يصل من تقييمات وأراء والاخذ بالناضج منها أو محاورة من يرسل تلك الاراء هو الطريق الاسلم وليس القيام بإستطلاع أراء سريع أو مشوش والخروج بالنتيجة التي قد تكون غير دقيقة.