| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 22 / 5 / 2026 تحسين المنذري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الى أين وصلت المراجعة رجاءً؟
تحسين المنذري
(موقع الناس)في أي محاولة لتصحيح الخطأ أو لتجاوز التراجع، لابد من المراجعة كمدخل لتغيير الحال، وفي الاحزاب الشيوعية يعتبر تقييم مسار العمل من خلال مراجعة الافكار والاهداف والبرنامج بشكل عام، والتكتيك في المسائل المهمة جدا، للإنتقال بالاداء السياسي الى مراحل متقدمة، وبشكل خاص في العلاقة مع الجماهير والتي تشكل مفتاح النجاح لتحقيق الاهداف المرحلية والستراتيجية.
ولم تكن مراجعة الاخطاء غائبة عن القائد لينين الذي دعا في أكثر من موقع الى التركيز أولا على النقد والنقد الذاتي وصولا الى مراجعة السياسات ورسم السبل لتجاوز ما حدث، مع وضع الاسس لعدم العودة الى تلك الممارسات الخاطئة مهما كانت نوعيتها أو مستوى من أرتكبها، فقد أكد على إن (التنظيم لا يقوى إلا بتطهير نفسه من الداخل) وعملية التطهير تعني فيما تعنيه تنقية الحزب من أخطائه، وفي مواقع أخرى من كراس "ما العمل" أكد على إن ضعف وتراجع الحزب يتشكلان بصورة كبيرة عندما لا يواجه الحزب أخطائه. كما أكد المفكر الكبير غرامشي في "الامير الحديث" على إن (الحزب لا يجب أن يكون مجرد آلة عسكرية أو تنظيم جامد بل فضاءً متحركا يخضع لمراجعة دورية لفكره وممارساته لتجاوز الاخطاء). وعلى هذا المنحى دأبت الاحزاب الشيوعية في مختلف بلدان العالم على مراجعة برامجها وسياساتها بين الفينة والاخرى سيما اذا علمنا إن الانظمة الرأسمالية والاخرى التي تسير بركابها تغير من سياساتها وتكتيكاتها بشكل مستمر مما يملي على الاحزاب المعارضة لها أن تكون في المواقع الصحيحة لمواجهة تلك المتغييرات، وهذا ما شكل أحد العوامل المهمة جدا في ديمومة نضالها الجماهيري وبقائها فاعلةً في الساحة السياسية، وأيضا جاءت الهزة الكبيرة المتمثلة بإنهيار تجارب الاتحاد السوفييتي وبقية البلدان الاشتراكية لتملي ضرورة المراجعة العميقة لتجارب الشعوب والاحزاب على حدٍ سواء، وهذا ما هو حاصل في كل الاحزاب التي حافظت على حيويتها وتواصلها مع الجماهير.
وقد بادر الحزب الشيوعي العراقي وفي أكثر من مناسبة الى تشخيص أخطائه وتجاوزها، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، التراجع عن مضامين بيان آب/ 1964 وتقييم أخطاء العمل داخل الجبهة الوطنية عام / 1973 . وأيضا فإن النتائج الكارثية التي حصل عليها مرشحو الحزب في الانتخابات البرلمانية الاخيرة في 2025/11/ 11 جعلت قيادة الحزب تعلن عن عزمها بالقيام بالمراجعة وذلك ما ورد في بيان إجتماع المجلس الاستشاري في 2025/12/12 (وشهد الاجتماع نقاشا مسؤولا حول اداء الحزب في الانتخابات على المستويات السياسية والتنظيمية والفكرية والانتخابية، مع التشديد على ضرورة اجراء مراجعة موضوعية وشاملة، والانفتاح على جميع الآراء النقدية الحريصة، التي طرحت داخل الحزب وخارجه.
واكد المجلس أهمية دراسة جميع الملاحظات والمقترحات الواردة، وإطلاق سلسلة لقاءات حوارية مع الرفاق والجمهور، بهدف بلورة معالجات عملية، وتوسيع النشاط الجماهيري، وتعزيز الحضور الميداني في العمل النقابي والمهني، والدفاع عن قضايا النساء والشباب والطلبة، واجراء مراجعات فكرية وسياسية شاملة للخطاب والممارسة الحزبية.)
كما ألحقت اللجنة المركزية تأكيدا في إجتماعها المنعقد في 2025/12/19 حيث ورد في بلاغ الاجتماع (إن النقد الذاتي يوجب علينا المصارحة والمكاشفة بعيدا عن منطق التبرير، وبما يعزز من تقوية الحزب والاستفادة من تجاربه ونتائج معاركه السياسية والنضالية. فالتجربة الانتخابية الأخيرة لم تكشف الانتهاكات الصارخة لقواعد وأسس عدالة ونزاهة العملية الانتخابية فحسب، وإنما بينت مواطن ضعف وخلل جدية في علاقة الحزب وتنظيماته بالأوساط الشعبية وقصور خطابه السياسي في الوصول اليها والتأثير فيها، وعدم نجاحه في اقناع قسم واسع من الجمهور بموقفه من الانتخابات، ما يضع أمام الحزب ككل، وقيادته على وجه الخصوص، إجراء مراجعة تقييمية عميقة تشمل مفاصل عمله ونشاطه السياسية والفكرية والتنظيمية، وإعادة النظر في أدوات عمله وأشكالها.).
وبناءً على ما تقدم والوعد الذي قطعته قيادة الحزب على نفسها أجد مشروعية التساؤل عن مجرى المراجعة والى أين وصلت؟ وهل ثمة ما يمكن طرحه علنا الى جماهير الحزب ومناصريه عما يمكن أن يكون رسالة تطمين تبعث شيئا من الامل لإحتمالات حصول تغييرات تعيد للحزب ولو شيئا من ألقه ودوره بين الجماهير كما هو إرث الحزب دائما؟ ولكن من الملاحظ هنا هو تأخر إنعقاد إجتماع اللجنة المركزية، فمنذ ما يزيد قليلا عن الستة أشهر مضت على أخر إجتماع والنظام الداخلي يشير الى (المادة 17 الفقرة 11 (تجتمع اللجنة المركزية دورياً كل أربعة أشهر. ولها أن تعقد اجتماعات طارئة عند الضرورة بدعوة من مكتبها السياسي، أو بطلب من ثلث أعضائها. ولها أيضا أن تعقد اجتماعات موسعة، تدعو كوادر حزبية مجربة للمشاركة فيها بصفة مراقبين.) فهل هذا التأخير له علاقة بالمراجعة أم هناك أسبابا أخرى؟
إن وضع الحزب يفترض عدم التهاون في تقييم مسيرته على الاقل منذ عام 2003 وما بعدها، لما آل إليه وضع الحزب من تراجع كبير على مختلف الاصعدة، وليس من الخطأ الاعتراف بأن الحزب يمر بأزمة شاملة ، تنظيمية وفكرية وسياسية، ولها تجليات عديدة لعل آخرها نتائج إنتخابات مجالس المحافظات الاخيرة وما تلاها من نتائج كارثية أصابت الحزب بإلانتخابات البرلمانية في العام المنصرم.