|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  17  / 2  / 2026                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

هل ننتظر نظام عالمي جديد ؟

تحسين المنذري
(موقع الناس)

لم تسقط الرأسمالية بعد، بل ولم تتراجع عن مواقعها، إلا إنها دخلت مرحلة عالمية جديدة، لذلك يؤكد قادة ومسؤولون لدول رأسمالية كبرى على إنتهاء صلاحية أسس العالم القديم التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما من إنهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية في أوربا، لم تعد الرأسمالية كما كانت حيث الطموح المشترك لقادة أنظمتها في الهيمنة على مقدرات الشعوب الاخرى، بل إن التنافس بدأ بالتحول الى صراع مكشوف ، ليؤكد نبوءة ماركس بالصراع داخل الرأسمالية نفسها وبدون الحاجة الى البحث في سرديتها كنظرية فقط، فالتراكم المفرط للسلع وفائض الانتاج تعتبر من عوامل الصراع التي برزت بشكل أكبر من خلال الطور الاميركي الجديد بقيادة ترامب وما قام به من فرض الرسوم الكمركية والتعامل بها كأسلحة لإبتزاز الاخر حتى وإن كان من نفس التوجه والشريحة الطبقية وهذا ما حصل بوضوح مع أوربا.

كما تؤكد الاحداث في السنوات الاخيرة ما تنبأ به لينين قبل أكثر من عقد من السنين في كتابه (الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) بأن الصراعات داخل الانظمة الرأسمالية ليست ظواهر طارئة بل هي جوهر الرأسمالية خاصة في مراحلها المتقدمة. ومن الجدير ذكره هنا إن هذه الصراعات ليست بمعزل عن الصراع الطبقي داخل كل دولة رأسمالية نتيجة لحدة التفاوت الاجتماعي وتراكم فائض القيمة وما يبرزه من مظاهر للأزمة المستديمة للنظام الرأسمالي كالازمة المالية التي برزت قبل قرابة العقدين لتؤكد إستمرارية أزمة النظام الرأسمالي.

فعلى الصعيد العالمي تجلت الازمة بإنتقال التنافس السلعي الى عداء أنظمة دول وعمليات مضاربة في البورصات ومحاولات تصدير أكبر كمية من السلع عن طريق تخفيض قيمة العملات المحلية سواءً بشكل رسمي أو عبر آليات السوق، وهذا ما أقدمت عليه سلطات الولايات المتحدة المالية بالانخفاض الاخير لقيمة الدولار في محاولة لتصريف أكبر للبضائع المنتجة محليا، لكن ذلك سينعكس لاحقا بشكل سلبي على دخل الفرد الاميركي حيث إرتفاع أسعار المستورد من السلع أو تلك التي تنتج محليا وتعتمد على مواد أولية مستوردة خاصة مع الرسوم الكمركية المرتفعة، وهذا مؤشر واضح لديمومة الازمة الرأسمالية. كما إن الدولار الاميركي يواجه منافسة شرسة عالميا فالتذبذب في قيمته قاد الة اللجوء للمعادن النفيسة كملاذ آمن لذوي رؤوس الاموال الكبيرة ولاحتياطات العملات الاخرى في العديد من البنوك المركزية الوطنية، بالاضافة الى بروز اليوان الصيني كمنافس مهم من خلال عمليات الاستيراد والتصدير به، التي تقوم بها الصين في السنوات الاخيرة كإتفاقيات منفردة مع العديد من الدول الاسيوية كاليابان والهند وغيرها، ومع مراقبة مجموعة بريكس وتوسعها والتي وعدت بإصدار عملة موحدة لدولها، فعند ذاك سيحتل الدولار الاميركي ربما أسوأ موقع له تاريخيا. وفي محاولة من الولايات المتحدة للإلتفاف على وضع الدولار المضطرب لجأت الى تشجيع التعامل بالعملات الرقمية والتي كانت الى الامس القريب تعتبر بمثابة شبهة على كل من يتعامل بها.

إلا إن الصراع العالمي للرأسمال بدء بالانتقال تدريجيا من صراع نفوذ على مناطق مصادر الطاقة التقليدية الى صراع على المناطق التي تحوي المعادن النادرة (كالإتريوم والليثيوم والكوبالت والسيريوم ... الى بقية السبعة عشر معدنا نادرا) والتي تستخدم في الصناعات الالكترونية المتعددة بالاضافة الى أهمها حاليا وهي أجهزة الذكاء الاصطناعي ، والذي سيغدو مجال التنافس الشديد كما يبدو في الافق المنظور، علما إن الصين لوحدها تمتلك أكثر من 70% من مخزونات العالم من هذه المعادن ، وعلى هذا ستنتقل دول ومناطق النفط الى الدرجة الثانية في إهتمامات الرأسمال العالمي وربما أدنى إذا ما تطورت صناعات الطاقة النظيفة، ومن المؤشرات الهامة في هذا الصراع هو ما بدأت به الولايات المتحدة من وعود زيادة تسليح تايوان في محاولة لتغيير أولويات الصين في البحث العلمي والتطور بمجال الذكاء الاصطناعي وأيضا لإبتزازها بموضوع المعادن النادرة، علما إن المحاولات الحالية لأميركا ليست جديدة ولا الاولى ولعل أبرزها زيارة بايدن لدول الشرق الاسيوي عام 2022 وما أثاره حينها من محاولات تأزيم في المنطقة وأيضا تلك الزيارة المشبوهة التي قامت بها الديمقراطية (نانسي بيلوسي) رئيسة الكونغرس الامريكي السابقة الى تايوان وما أثارته من توترات في وقتها.

وعلى ما تقدم فإن مناطق التوترات العالمية ستشهد تباينا ما بين إقليم وآخر تبعا لحاجات الرأسمال العالمي الجديدة ومصادر ديمومته، وقد تنشأ حروب محلية أو إقليمية محدودة على شاكلة الحرب في أوكرانيا وما تحدثه إسرائيل من توترات في الشرق الاوسط والتأزم المستمر مع إيران وتهديد ترامب بضم جزيرة غرينلاند وما حدث في فنزويلا والذي قد يتكرر في مناطق أخرى من العالم، لكن كل ذاك، كما أتصور، لن يقود الى حرب كونية مثل الحربين العظميين الاولى والثانية، أي إن المواجهة المباشرة بين الدول الرأسمالية النووية في تلك الحروب قد تكون محدودة أو لا تقوم، ليس سعيا للسلام ولكن من أجل مصالح الرأسمال نفسه، فالحرب بين الدول النووية قد يقود الى فناء العالم ، وعندها سوف لن تكون من قيمة لأية سلعة أو منتج، فالتريث هنا ومظاهر العقلانية ليست حبا بالانسان بل بأرباح الرأسمال.

وعلى كل تلك المؤشرات فإن العالم مقدم على تغيرات جيوسياسية جديدة، وتجاوز لأعراف وقوانين دولية كانت معمول بها، بالاضافة الى تغيرات هيكلية وبنيوية في المنظمات الدولية وعلى رأسها الامم والمتحدة والهيئات التابعة لها.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter