الأحد 5/10/ 2008
أزمنة في القلب
طه رشيد / باريس
1- زمن الكـرز
ــ زمن الشيوعيين الاوائل
الكرز أو حب الملوك، فاكهة طيبة المذاق تمتاز بازهار جميلة جدا، ويتوقع العلماء إمكانية استخدامها كعلاج مهم لمرض السكري، لكن المشكلة الاساسية في هذه الفاكهة الصغيرة الجميلة هو قصر عمرها، اذ يتم جنيها ما بين الشهر الخامس والسابع أي مع نهاية الربيع وبداية الصيف، وتتمتع البلدان الاوربية ومنها فرنسا باجمل مناخ في هذه الفترة. ولكن ما علاقة هذا التفصيل بمهرجان اللومانتيه / جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي ( 12 و13 و14 سبتمبر 2008 ) ، والرابط في موضوعنا ان الملصق الذي وزع هذا العام في مختلف المدن الفرنسية قبل المهرجان، كان عبارة عن حبتين متدليتين احداهما حبة كرز والثانية الكرة الارضية كما هو واضح في الملصق أعلاه، كما استخدم هذا الملصق في الصفحة الاولى من تذكرة الدخول الى المهرجان، ولم تعد هنا التذكرة مجرد جواز مرور بل اصبح لها قيمة فنية وسياسية وهذا ما يبدعه كل عام الفنانون الفرنسيون احفاد كومونة باريس . . . ورمز الكرز هنا يعود الى اغنية فرنسية عنوانها "زمن الكرز" لحنها عام 1871م جان باتيست كليمو ـ الذي لا تخلو مدينة فرنسية من إسمه ـ وسرعان ما تلقفها ثوار كومونة باريس واصبحت تعرف باسمهم، يقول مطلعها :
عندما سنكون في زمن الكرز ، سيكون عيدا للعندليب البهيج والشحرور والعصفور
والجميلات سيجنن من الهوى
والعشاق ستكون لهم في القلب شمس
أحب دائما زمن الكرز
ففي هذا الوقت بالذات احتفظ في قلبي بسعادة مفتوحة
ويعتبر الشيوعيون الفرنسيون بان زمن الكرز القصير هو زمن كومونة باريس الذي فتح نافذة في عتمة العبودية واوقد شمعة كي تبقى باريس مضيئة ، مدينة نور وانوار .
ــ عودة لتذكرة الدخول
تنم اهمية تذكرة الدخول من كون المباع منها هو الذي يحدد عدد الداخلين الى مهرجان اللومانتيه والذي وصل هذا العام الى أكثر من 400000 تذكرة، ومع هذا فهذا الرقم لا يشكل العدد الحقيقي للداخلين لسبب بسيط هو ان هناك عددا غفيرا من الشباب يأتون قبل يوم او يومين وربما اكثر من افتتاح المهرجان ويبقون هناك لحين انتهائه بالاضافة لتسلل عدد غير قليل بهذه الطريقة او تلك.
ولكن اهمية التذكرة لا تتوقف عند هذا الحد، فجمال تصميمها بدعو الكثير من الفرنسيين للاحتفاظ بها وهي تتألف من اربع صفحات ، غنية بمعلومات حول المهرجان ، ويتوزع الصفحات الاولى شعارات المهرجان والتي تشكل بدورها الشعارات الاساسية للحزب ، وفي السنوات السابقة كانت تخصص الصفحة الاخيرة لقسيمة اشتراك في جريدة اللومانتيه، واحيانا عرضا بتخفيض نسبي لسعر الاشتراك، الا ان المفاجئ في هذا العام هو ان الصفحة الاخيرة عبارة عن قسيمة اشتراك مجانية خصصت لمن يود امتلاك الجريدة مجانا ولايام معدودة فقط ولا يتحمل حتى مصاريف البريد، وهذا يعني بان الشيوعيين يحاولون طرق ابواب المواطنين ولهم الحق في ذلك خاصة اذا ما علمنا بان عددا كبيرا من الصحف الفرنسية المهمة توزع مجانا على الفنادق ومحطات القطارات وعدد كبير من المؤسسات والمراكز الخدمية، منها جريدة الفيجارو اليمينية، وفي الفترة الاخيرة بدأت صحيفة ليبراسيون اليسارية تحذو حذو الفيجارو وهو ما يثير تساؤلا جادا حول مستقبل الصحف الورقية بعد ان بدأت المواقع الالكترونية تقدم لقرائها ليس الصحافة فقط بل كل ما يرغبون به من معلومات . . . . . . .
2- زمن كامل
ترددنا بادئ الامر بما سنقدمه من برنامج فني في خيمة طريق الشعب خلال مهرجان اللومانتيه ، إذ ان دم رفيقنا كامل شياع لم يجف بعد ، ومهرجان اللومانتيه مهرجان للفرح بحق ، بكل ما تعنيه الكلمة من رقص واغنية وكلمة وقصيدة وابتسامة وعناق ، قلت لرفاقي بان كامل سيفرح لفرحنا وسوف ( يزعل ) لو عرف اننا حولنا المهرجان الى مأتم ، وبنيت رأي على معرفتي لكامل بحبه للنكتة والمسرة وللانسان السعيد ، سنعلق صورته في وسط الخيمة وسندعوه ليغني معنا للقضية التي قدم حياته من أجلها ، سيبقى دائما بيننا ليكون شاهدا على عصره وعلى بناة الانسان فيه .
تم الاتفاق مع الفنان صلاح جياد برسم جدارية للخيمة على ان يبدأ بها بيومين قبل بدأ المهرجان وان تكون الجدارية جاهزة مساء يوم الخميس حيث يجتمع كل الرفاق والاصدقاء من داخل فرنسا ومن خارجها في ندوة سياسية تنتهي بعشاء عائلي ، كنا منهمكين ظهيرة الاربعاء بانجاز مستلزمات الخيمة من مناضد ومقاعد وبناء سقيفة خارج الخيمة لحماية الرفاق العاملين من المطر الغادر . . .
بدأت شمس الاربعاء تختفي تدريجيا ولم يصل صلاح جياد ، ساورنا القلق ، اتصلنا به الا ان هاتفه المحمول مغلق ، اعداد الجدارية وتثبيتها كخلفية للمسرح داخل الخيمة أخذ منا وقتا طويلا . . حل الظلام وهممنا بترك المكان واذا بصلاح يطل بابتسامته المعهودة حاملا معه فرشاته واصباغه ومجموعة من صور وصحف قديمة ، فبدد قلقنا وبقينا معه بعضا من الوقت لنطمأن عل ما يحتاجه إذ انه سيقضي الليلة ، وحيدا ، داخل الخيمة ، وباشر العمل على الجدارية برسم خطوط بسيطة وطلب منا التأكد من حسن توزيع الخطوط وبما اننا كنا نجهل بما سيرسمه على الجدارية فكنا نهز رؤوسنا بالايجاب للدلالة على سلامة الخطوط . . . شكرنا وتوسلنا ان نذهب لكي نستريح . . .
عدنا في اليوم الثاني لنرى ما انجزه صلاح ، بورتريت لكامل شياع داخل لوحة بلونين او ثلاثة ، لم تكن صورة فقط بل وكأني به هو كامل شياع بجسمه ولحمه واضعا يده على خده ، وهو يبحث عن أجابة لسؤال أبدي : متى ستنتهي محنة العراق؟ وما آن الاوان لتستريح هذه المسيرة ويحط الرفاق رحالهم؟
أغرورقت عيون الرفاق صباح يوم الخميس وهم يلجون خيمة طريق الشعب وقد دخلها قبلهم كامل شياع معتليا الجدارية مالئا الخيمة بوجوده مشيرا الى زمن سيأتي ، سيكون الانسان فيه سعيدا مبتهجا وفيا عارفا مخلصا ومضحيا من اجل شعبه ووطنه ، زمن لا قتل ولا غدر فيه ، زمن يكون فيه الفرد من أجل الجميع والجميع من أجل الفرد ، وسنسميه زمن كامل شياع . . . .3- زمن سليم
لم يكن كامل شياع وحده غائبا ـ جسديا ـ عنا وعن خيمة طريق الشعب ، بل غاب عنا صديق لنا قبيل بدأ مهرجان اللومانتيه بأيام معدودة ، لقد كانت صورته التي جسدها بفرشته شقيقه الفنان المبدع نعمان هادي تحتل الجانب الايسر من خيمتنا فظلت روحه طيلة أيام المهرجان ترفرف فوق رؤوسنا وأبتسامته الشفيفة والخجولة تلاحقنا أنّا أتجهنا لتعطينا دفقا جديدا من أجل اكمال مشوارنا حتى النفس الاخير . . .
إنه سليم هادي صديق حزبنا الوفي الذي بقي رغم مرضه العضال ـ الذي أبعده عن أصدقائه ورفاقه لقترة طويلة ـ مساندا ومدافعا عن سياسة حزبنا ، كان خجولا بطبعه الهادئ وباخلاقه الدمثة الا انه يغضب ويحتد اذا ما نال احد من حزبنا على غير حق . . لقد لازم سليم منظمة حزبنا الشيوعي في فرنسا مؤرشفا لنشاطتنا عبر كامرته الفوتغرافية طيلة ما يقارب العقدين .
أهتم سليم هادي كذلك بتصوير الجالية العراقية في باريس ، في مختلف المناسبات، ومنها اللقاءات التي كانت تجمعه مع أصدقائه من فنانين وشعراء وكتّاب عراقيين وفرنسيين .
ان ما تركه لنا الفنان سليم هادي من عدد هائل من الصور يمكن ان يساهم بدراسة واقع الجالية العراقية خلال العشرين سنة التي عايشها عن قرب من خلال كامرته .
ترك سليم هادي العراق في نهاية عام72 بعد اكماله البكالوريا واستقر في فرنسا منذ ذلك التاريخ واكمل دراسته في جامعات باريسية مختلفة في التصوير الفوتغرافي والكرافيك الصناعي والفنون التشكيلية وكان يحلم بالعودة للعراق وبتوثيق حياة الناس الجديدة ـ فنيا ـ بعد سقوط الدكتاتورية الا ان مرضه اللئيم منعه من تحقيق حلمه بالعودة .