الأربعاء 19/8/ 2009
كلمات -267-بؤس الأحزاب..بئس التمويل (الأجنبي)!
طارق حربي
غالبا مايحتدم الصراع قبل الحملة الانتخابية، تتوزع الاتهامات وتشتعل حرب الوثائق للايقاع بالخصوم، هذا في العالم الحر (الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية) ونشهد بدايات ذلك في التجربة العراقية الوليدة، وبعد كل حملة انتخابية، يقوم الاعلام الحر بفضح الجهات الممولة للحملات الانتخابية، قد تطيح بسمعة احزاب ومستقبل سياسين.
عملت على الساحة السياسية بعد التغيير نحو 500 حزب ومكون سياسي، تراوحت بين الكبير صاحب التأريخ والتضحيات والعشوائي الذي لالزوم له، أحزاب لايجمعها قانون ولا ينظم عملها تشريع.
ولم يعد خافيا على أحد أن مصادر تمويل الكثير من الأحزاب بعد سنة 2003 ، اعتمدت على استيلائها على الاموال المنقولة وغير المنقولة للدولة العراقية، أو عمليات تهريب النفط، أو السطو المسلح على المصارف (آخرها فضيحة مصرف الزوية وقتل حراسها وسرقة المليارات قبل أيام)، أو الاستيلاء على رواتب الموظفين والعمال، أو فرض الإتاوات على التجار والمواطنين، مضافا إلى مادفعت بعض دول الجوار من أموال خلال العمليات الإرهابية وغيرها، ووجدت العديد من الأحزاب أنها بحاجة في المواسم الانتخابية إلى المزيد من مصادر التمويل، لدعم حملاتها بعدما شاهدت أو سمعت أو ذاقت لذة السلطة وامتيازاتها.
لقد تصاعدت في الفترة الأخيرة شكاوى على السنة العديد من البرلمانيين والسياسيين، حول حجم التدخل لضمان نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة، عبر منظومة ترعاها البعض من دول الجوار للتلاعب بخيار العراق الديمقراطي، حتى بلغت مصادر التمويل إلى مبالغ ضخمة جدا، كشفت حجم التدخل السافر في الشأن العراقي الداخلي، وأن العراق مايزال واقعا تحت تأثير الاستقطابات الإقليمية والدولية، فيما يلغي تصريحا سابقا للنائب عباس البياتي (الإئتلاف الموحد) بأن هناك " ثلاثة مصادر لتمويل الأحزاب : التبرعات والمشاريع الاستثمارية وثمن مطبوعاتها ومنشوراتها. وإذا حصل الحزب على تبرعات من تجار وعلماء ومرجعيات فهذا أمر معمول به في كل دول العالم ". ، ولانعلم إن كان ثمن بيع مطبوعات الأحزاب وتبرعات التجار والعلماء والمرجعيات، يصل إلى مستوى المبالغ الطائلة المذكورة، للتأثير على مجريات الانتخابات البرلمانية القادمة!؟
وفيما تميل الأحزاب الشيعية التي تتبنى خطاب ولاية الفقيه، إلى المعتقد على حساب الوطن، وترى في الإسلام دينا أمميا يكتسح الحدود ويجمع الشيعة، لاالمواطنين أصحاب الحقوق والواجبات على الدولة ووظيفتها وعقدها الاجتماعي، التقت مصالح الأحزاب السنية مع شعارات النظام العربي الرسمي، فرأت فيهما سندا وداعما للمشاركة السياسية، وهكذا أصبح للأحزاب خلال ست سنوات - سنيها وشيعيها - امتدادات ليس داخل الشعب العراقي كما يفترض، بل في خارجه الطائفي، أنظمة تتربص بالتجربة الجديدة وتطلب ثمن ماتدفعه للأحزاب بعد فوزها، عبر تحقيق مطامحها وأجنداتهما المشبوهة في العراق، مايعتبر دليلا قاطعة على فقر الأحزاب التي باعت ضميرها للأجنبي، إلى خطاب وطني وبرنامج سياسي واضح.
إن بقاء العراق كساحة مفتوحة لصراع الأنظمة عبر تمويل أذرعها الطائفية، يحيل إلى الأذهان الدور المدمر الذي لعبته ثروات العراق والسعودية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (سبعينيات القرن الماضي)، عبر إطالة أمد الحرب التي أسماها اللبنانيون "حروب الآخرين على أرض لبنان" ، حيث تمكن النظامان من شراء الأحزاب اللبنانية ووسائل الاعلام وبقية الدكاكين والواجهات، ويبدو أن الأحزاب المتحالفة اليوم على حكم العراق، من طائفية وعرقية وجهوية وفئوية، تسعى إلى استنساخ التجربة اللبنانية المرة في الساحة العراقية، عبر بيع المواقف والضمير في إطار الاستثمار السياسي في أكبر سوق رائجة بعد التغيير.
لاينص الدستور العراقي بإلزام الأحزاب على كشف مصادر تمويلها، ولا الاحزاب الكبرى تساعد على استصدار مشروع قانون الأحزاب المعطل في البرلمان، لمافيه من بنود تجبرها على الكشف عن مصادر تمويلها، ولاحتى قانون رقم 92 الذي أصدرته المفوضية العليا للانتخابات، وإلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يتم فيه سن القانون، تظل الأحزاب تلعب على وتيرة أن الأحزاب الحاكمة، تنفق من أموال الدولة على حملتها الانتخابية، فيما تبيع أحزاب المعارضة مواقفها مقابل ولاء الدول الاقليمية.
إن قطع الطريق أمام التمويل الأجنبي يتطلب تشريع قانون الأحزاب أولا، وتنشيط دور الدولة في تمويلها خلال الحملات الانتخابية، بمايقلص من المساحة التي تنشط فيها المؤامرات الخارجية على وحدة الصف العراقي، ويبقى صوت الناخب العراقي هو الأهم عبر صناديق الاقتراع، لما للانتخابات البرلمانية القادمة من أهمية في قيادة العملية السياسية خلال السنوات الأربع القادمة، ووضعها على الطريق الصحيح في مسيرة إعمار العراق وبناء دولة المؤسسات الدستورية والقانونية.
18/8/2009