|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  25  / 7  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



تجربة فريدة في شبه الجزيرة العربية
ما لها وما عليها

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

في يوم الخميس الثلاثين من نوفمبر 1967م, يوم الاستقلال الوطني للدولة الجديدة التي جلت عنها بريطانيا في عدن وباقي سلطنات ومشيخات الجنوب العربي ألقيت كلمة القيادة العامة لتنظيم الجبهة القومية خلاصتها إنه لا بد من خطط تنمية للمرحلة القادمة لمحاربة الفقر وتجارب الجهل والمرض ولإيجاد جيل قوي وتبني حضارة مدنية قوية, ولذلك فلا بد من أن يكون لتنظيم الجبهة القومية مستقبلاً أن يحمي ثورته من خلال السلطة. واختتمت الكلمة باسم الثورة وباسم الجبهة القومية بتلاوة القرارات التالية:

قرار رقم (1): قرّرت القيادة العامة للجبهة القومية الممثّلة الوحيدة للشعب وهي السلطة الفعلية ما يلي:
1- إن المنطقة التي تُعرف في السابق باسم عدن ومحمياتها الشرقية والغربية وكل الجزر التابعة لها تعد منطقة واحدة وتُسمّى بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.
2- القيادة العامة للجبهة القومية هي السلطة التشريعية لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية وستمارس القيادة العامة هذه السلطة حتى يتم إعداد دستور مؤقت للجمهورية.
3- الجبهة القومية هي التنظيم السياسي الوحيد في الجمهورية.
4- علم الجمهورية يتكون من الألوان الأفقية التالية بترتيبها: أعلى الأحمر فالأبيض فالأسود, من ناحية السارية مثلث لونه أزرق فاتح تتوسّطه نجمة حمراء مخمّسة.
5- نظام الحكم نظام رئاسي.

قرار رقم (2): قرار بتعيين رئيس الجمهورية, قررت القيادة العامة للجبهة القومية بوصفها السلطة التشريعية بتاريخ 30 نوفمبر 1967م بتعيين السيد قحطان محمد الشعبي رئيساً لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية لمدة سنتين من تاريخ تعيينه, وقد كلفته بإعلان الاستقلال رسمياً يوم 30 نوفمبر 1967م, وبعد الإعلان بتشكيل الحكومة, وحتى تشكيل الحكومة تمنحه كافة الصلاحيات بتنفيذ القوانين واللوائح سارية المفعول في كل أجزاء الجمهورية وإصدار أية مراسيم يراها ضرورية لمنفعة الجمهورية وأمنها.
وفي يوم الجمعة 1 ديسمبر 1967م أُعلن عن تشكيل أول حكومة لدولة الجنوب المستقلة, جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية من التالية أسماؤهم:
1- سيف أحمد الضالعي وزيراً للخارجية
2- علي سالم البيض وزيراً للدفاع
3- محمد علي هيثم وزيراً للداخلية ووزيراً للصحة بالوكالة
4- محمود عبدالله عشيش وزيراً للمالية
5- عبدالفتاح اسماعيل وزيراً للثقافة والإرشاد وشؤون الوحدة اليمنية
6- فيصل عبداللطيف الشعبي وزيراً للاقتصاد والتجارة والتخطيط
7- عادل محفوظ خليفة وزيراً للعدل والأوقاف
8- محمد عبدالقادر بافقيه وزيراً للتربية والتعليم
9- فيصل عثمان بن شملان وزيراً للأشغال والمواصلات
10- عبدالملك اسماعيل وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية
11- سعيد عمر العكبري وزيراً للإدارة المحلية ووزيراً للزراعة والإصلاح الزراعي بالوكالة
ثم أضيف وزيران جديدان إلى قوام مجلس الوزراء بحيث صار عدد الوزراء 13 بدلاً من 11 وزيراً
12- أحمد سعيد صدقة وزيراً للصحة
13- أحمد صالح الشاعر وزيراً للزراعة والإصلاح الزراعي

على هذه المرتكزات الدستورية استندت هذه الحكومة الشابة في غالبيتها ومستندة كذلك على إرث فكري وعقائدي استمدتّه من حركة القوميين العرب التي نشأت في رحاب الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1959م, وارتبط تأسيسها بنكبة الشعب الفلسطيني والأمة العربية في فلسطين عام 1948م وكان أقطاب تلك الحركة هم الطلاب العرب في تلك الجامعة الشهيرة ومن أبرزهم: الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد من فلسطين وهم طلبة بكلية الطب والدكتور أحمد الخطيب طالب بكلية الطب من الكويت وهاني الجندي من سورية. كما كان من أقطابها فيما بعد نائف حواتمة من الأردن ومحسن إبراهيم من لبنان وأحمد اليماني من فلسطين وباسل كبيسي وسلام أحمد من العراق وفيصل عبداللطيف الشعبي طالب بجامعة عين شمس مؤسس حركة القوميين العرب في اليمن.

وبعيداً عن التعصّب والانفعال, فقد كان لانفراد الجبهة القومية بالسلطة وإقصائها للأطراف الوطنية الأخرى نقطة ضعف كبيرة أثّرت على مسار الدولة الوليدة وأوقعتها في عثرات كان من الممكن تلافيها لو لم يُتخذ مثل ذلك الإجراء غير السديد. ولكن يُحسب للتجربة في نفس الوقت أنها استطاعت أن تضم كل سلطنات الجنوب ومشيخاته في دولة واحدة. وللقضاء على النعرات المناطقية, أسمت محافظات الجمهورية بالأرقام التعريفية, فعدن هي المحافظة الأولى ولحج المحافظة الثانية ومنطقة ابين وجعار ودثينة المحافظة الثالثة ومنطقة شبوة ونصاب والشعيب المحافظة الرابعة وحضرموت بسلطنتيها القعيطي والكثيري والواحدي بالمحافظة الخامسة والمهرة بالمحافظة السادسة, كما أسمت المديريات في كل محافظة بالاتجاهات الجغرافية, أي المديرية الشرقية, المديرية الغربية, المديرية الوسطى, وهكذا, واستطاعت الدولة كذلك أن تفرض هيبتها على سائر البلاد وأن تقضي على كل مظاهر التعصّب القبلي, من ذلك محوها اسم القبيلة من أسماء المواطنين في السجلات المدنية ونزعها للسلاح من الجميع بل وجرّمت من يحمله حتى لو كان سكيناً, واستتبَّ الأمن بشكل مثالي في طول البلاد وعرضها. ففي مدينة عدن العاصمة يمكنك الخروج مع عائلتك حتى بعد منتصف الليل ولا يمكن لمخلوق أن يتعرّض لك, كما إن بإمكان سائقي عربات البضائع في الطرق السريعة أن يتوقفوا ليلاً على جوانب الطريق بحمولاتهم لأخذ غفوة أو النوم حتى الصباح, ومن المستحيل أن يتعرّض لبضائعهم أحد من قاطعي الطرقات, هذا إن وُجدوا. أما على المستوى الاجتماعي, فقد قضت الدولة على كل مظاهر الفساد مثل الرشوة في المعاملات الرسمية واختلاس المال العام, فعقوبة الإعدام جاهزة لمن يختلس ولو مبالغ زهيدة جدا. وفي مجال الخدمات الاجتماعية العامة مثل التعليم والصحة فقد تكفّلت الدولة بالتوسّع فيها وتوفيرها للمواطنين بالمجان, أما خدمات المياه والكهرباء والطرقات وأعمال البلديات ومساكن ذوي الدخل المحدود فكانت الدولة سبّاقة وجادّة في توفيرها رغم شحة الإمكانيات.

وفي الجانب الآخر, فقد قضت الدولة على كل صنوف المعارضة والمنافسة وألغت تراخيص الصحف وصادرتها ومنها دار فتاة الجزيرة في عدن التي أسسها الأستاذ محمد علي لقمان عام 1939م ودار الطليعة والرأي العام في المكلا, الأولى صاحب امتيازها الأستاذ أحمد عوض باوزير وصدر أول عدد منها عام 1959م والثانية أسسها علي عبدالرحمن بافقيه عام 1963م. كما استنسخت الدولة تجارب دول المعسكر الاشتراكي مثل منظمة لجان الدفاع الشعبي والمليشيا الشعبية ولجنة أمن الدولة, ولكن من أخطر تلك الإجراءات تطرّفا تلك الأحداث التي وقعت في ما أطلق عليه الأيام السبع المجيدة في 15 يوليو 1972م, يوم الانتفاضات الفلاحية في حضرموت تحت شعار (كله حقّك يا فلّاح). وقبل ذلك أمّمت الدولة المساكن وقوارب الصيد البسيطة والمزارع. ومن الإجراءات البشعة التي صاحبتها سحل العلماء والمشايخ بدعوى القضاء على الكهنوت والإقطاع, بآلة إعلامية غوغائية وشعارات تحريضية منظمة من قبل أجهزة الحزب الحاكم الوحيد, مثل:

سالمين نحن أشبالك وأفكارك لنا مصباح.....وأشعلناها ثورة حمراء بإسم العامل والفلاح
وربما يكون الرئيس "سالمين" الذي أعدم من قبل رفاقه عام 1978م من أفضل الرؤساء في التجربة.

ومثل الشعار:

عنف بالعنف.....لولا العنف الإقطاع ما مات

هذه خواطر شخصية من واقع معايشتي للتجربة, وما عدا التعليم الأساسي والثانوي الذي حظيتُ به أبان الحكم السلاطيني, فقد أنهيتُ التعليم الجامعي في ليبيا عام 1975م والماجستير في الهند عام 1979م والدكتوراه في فرنسا عام 1987م وكلّها أيام التجربة, مع أنني لم أكن منضوياً تحت مظلّة أي إطار حزبي تابع لها أو تابع لمعارضيها.



المكلا في 26 يوليو 2025م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter