|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  23  / 4  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



ما بين غزة والسودان

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

طُلب مني من أحد المنتديات الثقافية في المكلا باعتباري أحد الخريجين من مدارس السودان أن اعقد مقارنة بين سودان الأمس وسودان اليوم إزاء ما يحصل اليوم من حرب بشعة في السودان قضت على ما كان معروفاً به أهل السودان من خصال إنسانية حميدة وراقية. وما يحصل في السودان اليوم من سياسة الإبادة الجماعية والتدمير المُمنهج ربما يشابه إلى حد كبير ما يحصل في غزة وإن كان الحال في غزة أكثر وحشية ودموية وبشاعة. ولعلي أقر منذ البداية أن الإنسان السوداني يتّسم بشكل عام بحب الضيف وحب الغير والكرم والتواضع والولاء للوطن والعاطفية الشديدة والجنوح نحو التفوق والتميّز وليس صحيحا كما شهدنا له أثناء دراستنا في السودان في مدرسة حنتوب الثانوية 1966-1970م كما يُشاع, بأنه يميل للكسل والتكاسل, ولا اعتقد أن هناك تغيّر كبير في طبيعته وخصاله الحميدة في سودان اليوم. رُبما لتوارد الأهواء السياسية والحزبية المختلفة والتباين الطائفي والاثني المتعدّد خلق بعض الحالات من عدم الاستقرار الاجتماعي والتنافر المجتمعي في مناطق ذات طبيعة ديموغرافية خاصة مثل جنوب السودان ودار فور, وحتى على مستوى العاصمة المثلثة رُبما هناك حساسيات خفيفة بين الحركات الدينية والطائفية, كالطائفة الختمية والمهدية والصوفية والحركات الحديثة ولكنها لم تسفر عن كوارث إنسانية واجتماعية واضحة ومشهودة. ولهذا وددتُ بداية أن أقدّم نبذة مختصرة عن تاريخ السودان في الحقبة الأخيرة, لعلنا نتبيّن ولو بصعوبة هل هناك فعلا ما يمكن وصفه بسودان الأمس وبسودان اليوم؟

يُعرف السودان في فترة الاحتلال الانجليزي المصري بين عامي 1899م و1956م (السودان الانجليزي المصري). نال السودان استقلاله من بريطانيا في 19 ديسمبر 1955م, وشهدت البلاد حالة سياسية مستقرة في بداية الأمر, فهناك البرلمان وحكومات مدنية ونشطت الأحزاب والحركات السياسية, وهذه هي الفترة الديمقراطية الأولى (فترة اسماعيل الأزهري وعبدالله خليل), ويبدو أن الاختلافات الحزبية بدأت تطرأ في أوساطها فيما بعد الأمر الذي على أثره قام الفريق إبراهيم عبّود بانقلاب أبيض في 18 نوفمبر 1958م. وبعد ست سنوات من حكمه اندلعت ثورة شعبية عارمة في أوساط طلاب جامعة الخرطوم في 21 اكتوبر 1964م ضد نظام الرئيس الفريق إبراهيم عبّود وسقط فيها الطالب أحمد القرشي شهيداً, وكانت هذه أول ثورة شعبية في افريقيا والعالم العربي. واستمرت فترة ديمقراطية ثانية (فترة سر الختم خليفة ومحمد أحمد المحجوب والصادق المهدي) حتى يوم 25 مايو 1969م عندما قاد العقيد جعفر محمد النميري انقلابا عسكرياً على هذه الحكومة الديمقراطية الثانية التي أنهكتها الصراعات الحزبية. وقد عاصرتُ شخصياً فترة جعفر النميري في بداية حكمه, إذ جاء لمدرسة حنتوب الثانوية في زيارة خاصة عام 1969م وهو عام الانقلاب, وهو من خريجي هذه المدرسة. استمر حكم النميري 16 عاماً لتطيح به ثورة شعبية جديدة في 6 أبريل 1985م. بعد سقوط نميري تسلّم السلطة خلال الفترة الانتقالية المشير عبد الرحمن سوار الذهب لمدة عام بصفته أعلى قادة الجيش وبتنسيق مع قادة الانتفاضة من أحزاب ونقابات, أجريت بعدها انتخابات ديمقراطية وترك المشير سوار الذهب السلطة طواعية كرئيس للسودان ووزير للدفاع وهي نادرة سياسية وأخلاقية قلما رأيناها في عالمنا العربي, وهذه هي الفترة الديمقراطية الثالثة.

وفي 30 يونيو 1989م نجح التيار الإسلامي في تدبير انقلاب عسكري جديد بقيادة العميد عمر حسن البشير الذي شهد عهده للأسف عدة محطات فارقة هيأت المناخ لانفصام جزئي للسودان رُبما أرضا وليس إنسانا, أبرزها انفصال جنوب السودان والحرب في دار فور وانهيار كامل للاقتصاد في آخر أيامه.

استمر حكم البشير نحو 30 عاماً حتى سقوطه في 11 أبريل 2019م بعد انتفاضات صاخبة عمّت ربوع السودان أشدّها كانت في العاصمة المثلّثة, اشتركت فيها كافة القوى السياسية المعارضة والنقابات بمختلف شرائحها. ويعتبر حكم البشير الطويل الذي ألغي فيه منصب رئيس الوزراء هي الفترة العسكرية الثالثة في تاريخ السودان بعد فترة إبراهيم عبود وفترة جعفر النميري.

يبدأ سودان اليوم مجازاً من هذه الفترة التي عصفت بالبلاد موجة من العنف والقتال الأهلي أو بالأحرى اقتتال الجيوش والمليشيات. وأرى أنه من الصعوبة بمكان أن نضع حداً فاصلاً بين سودان الأمس وسودان اليوم فيما يتعلق بالسلوك الإنساني للشخصية السودانية, وفي اعتقادي كما أسلفتُ ليس هناك تغيّر على وجه العموم في نمط الأخلاقيات وأبجديات السلوك وقواعد القيم والأعراف.

هذه الفترة المأساوية والمؤلمة في تاريخ السودان تخللتها الحرب العبثية بين الجيش السوداني النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان و خصمه محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد الجنجويد مليشيات الدعم السريع, ارتكبت فيها جرائم حرب من نهب وسلب الممتلكات العامة والخاصة وشاركت فيها للأسف جهات خارجية لزرع بذور الفتنة وتأجيج نيرانها, ومن ذلك استقدام عناصر مرتزقة من خارج السودان. وللأسف ما زالت الحرب دائرة حتى اليوم بين كرٍّ وفر بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع.

أما فيما يخص الحرب في دار فور فهو نزاع مسلّح اندلع في فبراير 2003م (في عهد البشير) عندما بدأت مجموعتان متمرّدتان هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة بقتال الحكومة السودانية المتّهمة باضطهاد سكان دار فور من غير العرب. ردّت الحكومة بحملات تطهير عرقي أدّت إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين, واتهم بسببها الرئيس عمر البشير بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب ضد الإنسانية من قبل محكمة العدل الدولية.

هناك عدّة تفسيرات لجذور الصراع الحالي من أهمها:
- النزاع على الأراضي بين رعاة الأغنام شبه الرحّل والمزارعين غير الرحّل
- الصراع حول الماء سبب رئيسي أيضاً
- الذهب يؤجج الصراع, فمنطقة جبل عامر الواقعة في إقليم دار فور فقيرة ومهجورة, لكن أراضيها تقع على مناجم من الذهب, فتحوّل الصراع من صراع عرقي سياسي إلى قتال على المعدن النفيس. وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن حصيلة الصراع على مناجم الذهب تجاوزت من قتلوا في المعارك بين الجيش والمتمرّدين والقبائل المتحاربة في دار فور.

وما يحدث في غزة اليوم يحدث في السودان وبالذات في العاصمة الخرطوم من تدمير للمباني واتباع سياسة الأرض المحروقة وإجبار السكّان على النزوح أو الموت, فيما تم نهب ما يزيد على مليون منزل تناثرت محتوياتها مع أشلاء البشر الذين قضوا نحبهم جرّاء القصف والقذائف.


المكلا في 20 أبريل 2025م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter