|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  21  / 7  / 2024                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



فين بدّنا نروح؟

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

رغم توجّعي الدائم لحالات القهر والقتل بدمٍ بارد لأهلنا في غزة وفي الضفّة الغربية من قبل وحدات الجيش الصهيوني الغاشم, وفي دك منازل المدنيين الأبرياء العُزّل وإجبارهم على النزوح لأماكن آمنة كما يزعمون زوراً وبهتاناً, وقصفهم دون هوادة فيها وأحاديث السياسيين والعسكريين الصهاينة الصريحة والوقحة بسياسة الإبادة الجماعية دون وازعٍ من ضمير أو عرف أخلاقي أو إنساني, إلا إن هناك عبارة آلمتني كثيراً " فين بدّنا نروح" لفتاة فلسطينية يافعة تحمل حقائبها وهي في منتهى التوتّر والتعب والإنهاك وتتساءل بتوجّع وحيرة بتلك العبارة وهي تبكي بحرقة وألم وقهر كانت فوق قوة احتمال مشاعري المجروحة أصلاً من الوضع المؤلم في أحداث الحرب على غزة, والسكوت المخزي للأنظمة العربية وعدم اتخاذ مواقف إيجابية رادعة لوقف المجازر اليومية المروعة وسياسة الإبادة الجماعية الوحشية التي لم يحدث مثيلٌ لها على مدار حقب التاريخ.

من المؤسف أن مخطط الإبادة الجماعية وسياسة التهجير الممنهجة تُمارس من قبل جيش الاحتلال الصهيوني عياناً جهاراً ويُعلن عن ممارساتها الوحشية من قبل القادة السياسيين والعسكريين والحاخامات اليهود, وهناك الكثير من التصريحات والشهادات الموثّقة التي تُبرهنُ على ذلك. فعن بعض الجنود العائدين من مناطق الاشتباكات في قطاع غزة قولهم أن الجيش أعطاهم أوامر صريحة بارتكاب فظائع وبدون حدود فقد أحرقت المباني بعد الانسحاب منها وأعدمت عائلات بأكملها داخل منازلها بعد إحراقها ومُنعت أطقم الإسعاف وأفراد الدفاع المدني من الوصول إلى تلك المنازل لانتشار القنّاصة على أسطح البنايات العالية, ووصل الأمر أن تتم عمليات إعدام للنساء المسنّات والأطفال داخل المنازل التي يتم حرقها ببشاعة. فلننظر لمثال واحد فقط على دقّة هذا الطرح الخبيث والوقح, إذ يقول أحدهم موجهاً حديثه للمدنيين الأبرياء المحاصرين:
(اهربوا من رفح كما هربتم من مدينة غزة, كما هربتم من جباليا, كما هربتم من دير البلح, كما هربتم من بيت حانون, كما هربتم من خان يونس. أهربوا أو سنقتلكم, سنسقط قنابل
GBU- 39 على مخيماتكم ونشعلها, سنقصفكم بالمدفعية وقذائف الدبابات, سنقتلكم بالقناصة, سندمر خيامكم, مخيمات اللاجئين, مدنكم وبلدياتكم ومنازلكم مدارسكم ومستشفياتكم ومحطات تنقية المياه. سنمطر عليكم الموت من السماء. أهربوا حفاظا على حياتكم مرة تلو الأخرى. احزموا ما بقى لديكم من أمتعة بطانيات بعض الأواني بعض الملابس . لا نكترث أبداً لمدى كبر سنكم أو مدى صغر سنكم. أهربوا أهربوا أهربوا, وبينما تهربون في رعب إلى جزء من غزة سنجعلكم تستديرون وتركضون إلى جزء آخر منها, محاصرين في متاهات من الموت ذهاباً وإياباً, صعوداً وهبوطاً جنباً إلى جنب ست مرات, سبع مرات, ثمان مرّات. نتلاعب بكم كالفئران في الفخاخ ثم نطردكم حتى لا تتمكنوا من العودة أبداً أو نقتلكم. فليُندّد العالم بإبادتنا الجماعية, لماذا يهمّنا ذلك؟ مليارات المساعدات العسكرية تتدّفق من حليفنا الأمريكي: الطائرات المقاتلة, قذائف المدفعية, الدبّابات, القنابل, إمداد لا ينتهي. نقتل الأطفال بالآلاف, نقتل النساء والمسنّين بالآلاف. يموت المرضى والمصابون من دون ماء ولا مستشفيات. نسمّم المياه, نقطع الطعام, نجعلكم تجوعون. نحن من صنعنا هذا الجحيم. نحن الأسياد, القانون الواجب قواعد السلوك لا وجود لها بالنسبة إلينا. لكن أولاً نتلاعب بكم, نهينكم, نرعبكم, نستمتع بخوفكم, نسخر من محاولاتكم البائسة للبقاء على قيد الحياة. أنتم لستم بشراً. أنتم مخلوقات أدنى من البشر. نغذّي شغفنا بالسيطرة, أنظروا إلى منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي, لقد أصبحت منتشرة بشكل كبير. منشور يظهر الجنود وهم يبتسمون في منزل فلسطيني مع مالكي المنزل وهم مربوطون ومعصوبو الأعين في الخلف. ننهب سجادات, مستحضرات تجميل, دراجات نارية, مجوهرات, ساعات, نقوداً, ذهباً, تُحفاً. نسخر من بؤسكم نهتف لموتكم, نحتفل بديننا, بأمتنا بهويتنا, بتفوقنا بمحو وجودكم. الانحطاط هو معيار الأخلاق الوحشية, هي مسيرة البطولة, الإبادة الجماعية هي الخلاص)

هل بعد هذه القطعة الجهنمية الوحشية الممهورة بتعطّشها للدماء وسفك الأرواح والأنفس وانتهاك الحرمات وهتك الأعراض دون حدود وسلب المال والمتاع وهدم البيوت ونهبها أمام أعين وأبصار أصحابها دون رادع من ضمير أو مانع من أخلاق إنسانية؟ أتألّم أن طال بي العمر أن أشاهد مثل هذه التراجيديا الدامية الجارحة في الأعماق, رغم أني قد عاصرت من الحروب بين هذا الكيان الصهيوني الغاصب ودول الطوق العربية وفيها جولات من الانكسارات والهزائم وجولات من الانتصار, وكلها كانت قصيرة وخاطفة. لكن هذه الحرب الأخيرة ليست عادلة في موازين قواها وليست متكافئة في أسلحتها وذخائرها. طفح الكيلُ أيها الوطن العربي المغلوب على أمره.



المكلا في 21 يوليو 2024م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter