| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 20 / 8 / 2025 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الحفاظ على إرث العمارة الطينية
مدن وادي حضرموت نموذجاًد. سالم رموضه *
(موقع الناس)تمتلكُ اليمن كأرض حضارات عريقة وموغلة في القدم تاريخاً ثقافياً بارزاً في الفنون المختلفة والتراث المعماري المتنوع, ولهذا تتوالى عملية الاكتشافات لمدن قديمة يعود تاريخ بعضها الى ألف عام قبل الميلاد من حضارات سبأ حضرموت، معين، قتبان وأوسان إضافة بطبيعة الحال الى الشواهد الحية للحضارات اللاحقة, وبالتالي فإن مهمة صيانة وحفظ تلك المنظومة الكبيرة من التراث الوطني والإنساني تُعد مهمة نبيلة وعظيمة ومعقدة في نفس الوقت. ذلك لأن طبيعة الإنشاء وتركيباتها ونوعية المواد وخواصها قد حكمتها من ناحية العقلية الهندسية وقتها وما هو صالح في ذلك الزمن قد لا يكون كذلك في زماننا هذا. وهناك أيضاً من ناحية أخرى طبيعة المعالجات الخاصة التي يفهمها أبناء ذلك العصر, منها ما قد تناقلته إلينا خبرة الأجيال المتواصلة, ولكن الكثير منها قد تسرّب الى مجاهل النسيان بحكم بدائية النقل وعدم تحرّي الدقة العلمية فيه. كما إنه يجب أن لا نغفل بأي حال من الأحوال الظروف المناخية القاسية وعوامل البيئة المتغيّرة، وقد يكون من أقساها تلك الحالات الشديدة من الأمطار وما يعقبها من سيول عارمة وجارفة كما هو حاصل اليوم من سيول متدفّقة في بعض مجاري ووديان مدن وادي حضرموت, وللأسف فإن معالماً تاريخية كثيرة ربما تكون قد اندثرت أو طُمست على أحسن الأحوال نتيجة لذلك على مدار السنين. ولسنا هنا في مجال استعراض قائمة طويلة من الآثار والتراث المعماري الذي يمتد من جبال اليمن في صنعاء وصعدة الى سهولها ووديانها في شبوة وحضرموت، ومن قصر غمدان وسد مأرب في صنعاء ومأرب الى صهاريج الطويلة في عدن وناطحات السحاب في شبام, وهي إحدى حواضر وادي حضرموت, وهي المدينة التي تُعتبر بحق رمز حي ومثال معبّر عن إرث العمارة الطينية في اليمن بشكل عام وفي وادي حضرموت على وجه الخصوص. كما إن بعاصمة وادي حضرموت مدينة سيئون يقع حصن الدولة مقر حاكم الدولة الكثيرية وهو حصن طيني في غاية الإبداع من ناحية تصميمه وموقعه, ويُعد هذا القصر في مدينة سيئون من أبرز المعالم التاريخية والأثرية في محافظة حضرموت واليمن بشكل عام, فهو يُعتبر من أكبر المباني الطينية في العالم ويُعد رمزاً للهوية الثقافية والمعمارية في حضرموت, وواجهة رئيسية للزوار والسياح والباحثين في التاريخ والتراث من داخل اليمن وخارجها.
ووادي حضرموت عبارة عن وادي كبير يمتد على مسافة 160كيلومتر من الهضاب المفتوحة في الغرب، حيث تتقارب المنحدرات الصخرية من الشمال والجنوب بالقرب من شبوه في اتجاه الشرق حتى تلتقي مع وادي المسيلة الأقل اتساعاً وخصوبة ومن ثم يميل هذا الوادي في اتجاه الجنوب الشرقي حتى يصل شاطئ البحر العربي. يبلغ طول المجرى الرئيسي لوادي حضرموت من رملة السبعتين غرباً حتى مصب الوادي شرقاً عند قرية العيص في محافظة المهرة قرابة 425 كيلومتر. يتراوح عرض وادي حضرموت الرئيسي حوالي 12كيلومتر في بعض المناطق وبمتوسط ارتفاع 700 متر عن مستوى سطح البحر، ويبلغ أكبر عمق له 300متر وبعرض 2كيلومتر. يُغذى وادي حضرموت بمجموعة من الوديان الفرعية، أهمها وادي دوعن، وادي العين، وادي عمد، وادي سر، وادي بن علي، وادي عدم، ووادي هينن.
وقد أنشئت في هذا الوادي عبر القرون المختلفة واحدة من أعظم الإنجازات المعمارية للبشرية، والتي تحمل طابعاً فريداً ومتميزاً استفاد وتفاعل مع طبيعة المواد والبيئة المحيطة به, وهي عبارة عن مدن وقرى ذات بيوت وقصور عالية مبنية من الطين الني، غنية في أشكالها وأنماطها المعمارية وتفاصيل نقوشها وزخارفها الداخلية والخارجية, هذه التجمعات السكنية تمتاز ببيوت تتجاوز ارتفاع أشجار النخيل التي تزيّن الوادي. ومن بين هذه القرى والمدن تقف مدينة شبام، مثالاً حياً للإرث المعماري الذي نحن بصدد الحديث حول الحفاظ عليه وإعادة تأهيل ما تهدم أو طمس منه. ولاشك أن هناك مدن قديمة وجميلة أخرى مثل سيئون وتريم والقطن وهينين وحريضة والهجرين وغيرها من المدن والقرى في وادي حضرموت.
ومن الملاحظ أنه منذ أن ضُمّت مدينة شبام حضرموت والمناطق ذات القيمة الثقافية والطبيعية في وادي حضرموت ضمن لائحة التراث العالمي الإنساني عام 1982، تم الإعداد لحملة عالمية لحمايتها بمساعدة منظمة التربية والثقافة والعلوم، اليونسكو, إذ دُشنت هذه الحملة في مدينة شبام في 22 ديسمبر 1984م بواسطة المدير العام لليونسكو وقتها السيد أمادو مختار أمبو، تحت شعار:
(لحماية مدينة شبام ووادي حضرموت)
هدفت هذه الحملة لتحفيز النوايا الصادقة محلياً وعالمياً لإعادة التأهيل والحفاظ على هذا الموروث الثقافي والمعماري والأثري والذي يعد الآن ضمن مسؤولية الإنسان المتحضّر في هذا العالم. وحقيقة فقد بُذلت مساعي حكومية سابقة منذ عام 1980م بمساعدة اليونسكو، لإعداد خطة عمل لحماية وإعادة تأهيل مدينة شبام وكذلك مدن وادي حضرموت. وعلى هذا الأساس أرسلت اليونسكو بعثات فنية متخصّصة لدراسة تلك المواقع على الطبيعة في عام 1982م وكذلك في عام 1983م. أخذت خطة العمل المشار إليها شكل برامج تنمية اجتماعي واقتصادي إقليمي متكامل، يهدف إلى تنشيط القطاعات المختلفة للحياة الاقتصادية والثقافية في المنطقة وفي نفس الوقت إلى تأهيل وصيانة المباني الرئيسية لمدينة شبام ومدن وادي حضرموت. وتقديرا لأهمية هذا التراث المعماري الطيني في هذه المدينة الأعجوبة وضرورة الحفاظ عليه أصدرت اليونسكو شهادة في حقها في ديسمبر 1984م بالقول:
"إن العمارة الطينية في مدينة شبام هي من أكمل الشواهد على ما بلغه الفن والهندسة المعمارية"
المكلا في 20 أغسطس 2025م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق