|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  1  / 1  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



تأهيل السواقي وقنوات مياه الشرب التاريخية في المكلا

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

هذا عنوان بحث كنتُ قد تقدمتُ به بمشاركة أستاذ زميل في إحدى المؤتمرات العلمية التي تنظّمها كلية الهندسة بجامعة عدن, وارتأيت أن أقدم تلخيصاً له في هذه المقالة. بالرغم من أن مدينة المكلا اليوم قد زُوّدت بشبكة مياه حديثة، واستحدثت بها خزانات مياه أرضية كبيرة على سفوح الجبال المطلّة على أحياء المدينة لتستقبل المياه التي تأتيها من آبار ارتوازية حُفرت في منطقة النقعة القريبة من مدينة غيل باوزير والتي تبعد ستين كيلومتراً عن مدينة المكلا، أو من تلك الآبار المستحدثة في منطقة زَمَنْ والتي لا تبعد كثيراً عن مدينة المكلا, إلا أن المدينة كانت تعتمد في السابق على سواقي وقنوات سطحية مكشوفة ترد إليها الماء من آبار وعيون من المناطق القريبة منها. تهدف هذه الدراسة إلى توثيق تلك السواقي و قنوات مياه الشرب التي أصبحت آثاراً معمارية وتراثية، عكست إبداعات البنّائين في حضرموت وإلى إعادة تأهيلها.

والمعروف أن مدينة المكلا كانت عبارة عن قرية صغيرة يسكنها الصيادون لتصوين سفنهم وحفظ معداتهم فيها، ثم أصبحت مركزاً تجارياً مهماً، الأمر الذي جذب إليها الكثيرين, فقد اتخذها كلا من السلطان الكسادي ثم السلطان القعيطي عاصمة سياسية له حتى جلاء الإنجليز في عام 1967م ضمن ما جلت عنه المملكة المتحدة عن سلطنات منطقة الجنوب العربي. وكان من الضروري في تلك الفترة ما قبل الجلاء البحث عن طريقة لتوصيل مياه الشرب للتجمّعات السكانية في المكلا، إزاء ندرة مصادر المياه العذبة في المدينة. وقد توصّل البنّاؤون إلى شق وإنشاء قنوات سطحية تمتد من آبار وعيون في المناطق القريبة حتى صهاريج تُسمى (جوابي) في مراكز الأحياء القديمة للمكلا، طُمست للأسف الشديد أجزاء كبيرة منها. إنه من الضروري للغاية أن تَحظى مثل تلك الموروثات الحضارية بقدر وافي من الاهتمام والتوثيق، بغرض الحفاظ عليها والاستفادة منها في عرض إبداعات المهندسين والبنّائين اليمنيين. وعليه فقد حُدّدت اتجاهات البحث بعمل سلسلة من المسوحات الميدانية بغرض التوثيق العلمي المدعّم بالمخطّطات الإيضاحية, وقد تم تتبّع آثار تلك السواقي، ووُثّق الظاهر منها, واقترحت بعض الحلول المناسبة لإعادة تأهيل تلك المنشآت التاريخية التي ارتبطت بمدينة المكلا، ودراسة التوافق البيئي والتجانس العمراني بينها وبين البيئة المحيطة.

تفتقر مدينة المكلا (القديمة) في العهود السابقة إلى مصادر للمياه العذبة الصالحة للشرب، إلا من بعض الآبار القليلة المالحة، مما جعل سكانها يعتمدون على مصادر مياه عذبة من خارج حدود المدينة. ففي الفترة الأولى لتكوين نواة مدينة المكلا أعتمد الناس على مياه البحر وعلى بعض الآبار القريبة من التجمّعات السكانية لتلبية استهلاكاتهم المنزلية، أما مياه الشرب العذبة فقد كانت تُجلب على ظهور الجمال والحمير لتصب في صهاريج ثم توزع عبر السقّائين. ومع نمو المدينة العمراني والزيادة المطّردة في عدد السكان، أصبحت كمّيات المياه التي تُجلب على ظهور الجمال والحمير لا تلبّي احتياجات السكان، لذا تم إنشاء شبكة من القنوات المكشوفة لنقل المياه من مناطق العيون القريبة من المدينة، لتصب في خزانات تُسمّى (جوابي) بُنيت خصيصا لهذا الغرض، بعدها يُوزع الماء بين السكان بشكل مقنّن تبعاً لحجم الأسرة. ومع إدخال شبكة المياه الحديثة في مطلع الستينيات من القرن المنصرم أُهملت هذه الشبكة المتكاملة من القنوات والمصافي والخزانات لعدم الحاجة إليها، فتهدّم الجزء الكبير منها بسبب الإهمال واندثر، كما التهم بعضها العمران الحديث، وظلّت الأجزاء القليلة الباقية منها شاهدة حتى اليوم على إبداع حضارة الأسلاف. إن مشكلة الحفاظ على مثل ذلك التراث العمراني يتطلب جهداً وبحثاً عن وثائق ربما لا يمكن الحصول عليها في الوقت الحاضر، لغياب برامج التوثيق والتسجيل في تلك الحقبة من التاريخ، الأمر الذي سوف يتم الاستناد على الاستنتاجات الهندسية والمشاهدات الخاصة. إنه من الواضح أن تعرّض مثل ذلك التراث المعماري و العمراني للتعدّيات والإزالة في أسوأ حالاتها إنما يرجعُ في كثير من الأحيان إلى عدم وجود وعي بقيمة التراث الوطني وذلك على مستوى السياسات العمرانية للدولة من ناحية وممارسات الأهالي التي لا تعوّل كثيرا على التشريعات البلدية والضوابط البيئية المختلفة من ناحية أخرى.

وبناءً على ذلك تم توثيق بالمسح التصويري بعض من الآثار المعمارية والإنشائية لهذه السواقي وقنوات مياه الشرب للمدينة القديمة, حيث بيّنت هذه المسوحات الأولية إبداعات العقلية اليمنية على أرض حضرموت تواصلاً مع حضارات الأجيال السابقة وموروثاتها الحضارية والإبداعية على مستوى اليمن بشكل عام. وتوصّل البحث إلى استقراءات مبتكرة واستكشافات مهمة في مجال الآثار لا سيما فيما يتعلق بالسواقي وقنوات مياه الشرب القديمة في مدينة المكلا وتناغم أجزاء كبيرة من هذه المنشآت مع نمط العمارة السائد في تلك الحقبة التي بُنيت فيها. لقد تعرّضت معظم سواقي و جوابي مدينة المكلا لعوامل تلف مختلفة كانت ناتجة عن تأثير عوامل طبيعية وإنسانية، كالأمطار وجرف السيول وتعرية الرياح المحمّلة بالرمال وهزات أرضية خفيفة تضرب المدينة في فترات متباعدة مسبّبة تصدعات وانهيارات في المنحدرات الجبلية التي عادة توجد عندها السواقي. كما لعب العامل الإنساني دوراً لا يُستهان به في تعرّض السواقي للتلف والاندثار خصوصا داخل المدينة من خلال التوسع العمراني وجهل الناس بالحفاظ على الموروث الحضاري. وهناك الكثير من الأبنية التي شُيّدت أساساتها و جدرانها من حجارة تلك السواقي، وفي أماكن أخرى اتخذت من السواقي أساسات لتلك المباني.

وحتى يتم الاستفادة من هذه الدراسة فقد أوصت بحماية ووقاية الأجزاء المتبقية من السواقي والمنشآت التابعة لها وحمايتها من العوامل البشرية وذلك بوضع القوانين التي لا تسمح بأي تعديل أو إضافات عليها مع عمل الصيانة للأجزاء المهترئة منها. إن عملية الترميم وغيرها من عمليات الحفاظ يجب أن تواكبها عملية ارتقاء بالبيئة المحيطة بالمعالم التاريخية وذلك من خلال الارتقاء بالبنية الأساسية والخدمات وذلك للاستفادة من هذه المعالم في برامج السياحة الوطنية على المستويين الداخلي والخارجي. إن ما تمتلكه مدينة المكلا من موروثات ثقافية و حضارية لا يقتصر على السواقي فقط وإنما يتعدّى ذلك بكثير. ولتشجيع البحث في هذا الجانب المهم من الموروث الثقافي و الحضاري، توصي الدراسة، بإحصاء ومسح وتوثيق كل المعالم التاريخية في مدينة المكلا بل وفي كل مدن وقُرى حضرموت، وهو الأمر الأساسي لعمليات الحفاظ والتأهيل لتلك المعالم.



المكلا في 1 يناير 2025م
 


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter