|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  19 / 6 / 2021                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



عدن
بين الذكرى والشجن

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

كل من تابع مراسيم توقيع اتفاقية الرياض الثلاثاء 5نوفمبر 2019م وما تلاها من تحقيقات وتغطيات صحفية حول مدينة عدن وجمال موقعها الطبيعي وطيبة أهلها وكيف أصبحت تلك المدينة وأهلها في حصار ظالم وهي التي كانت جوهرة الجزيرة العربية, سوف يبارك تلك الاتفاقية لأنها بمثابة النجاة من مطحنة المطرقة والسندان. فقد عاشت عدن خلال الفترة الماضية مظاهر مؤلمة كان التسلّح عنواناً بارزاً لاختلال موازين الحياة الإنسانية السليمة فيها. هذا الأمر خرج تماما عن دائرة المألوف لمدينة مدنية مسالمة ارتبط أهلها برقة الحس الحضاري والتنوع الثقافي المستند عل امتزاج أعراق وأثنيات متعدّدة. ارتبطت عدن عندي بأحيائها العريقة المختلفة بذكريات جميلة منذ ريعان الصبا, فقد قُدّر لي أن أزورها عدّة مرات برفقة والدي الناخوذة الذي كان يرتاد البحار ما بين موانئ حضرموت وحتى موانئ عدن وجيبوتي والموانئ الصغيرة الأخرى على طول ساحل بحر العرب, غير أني لم أحظ بتردّده على موانئ أخرى أبعد من ذلك مثل موانئ الهند كميناء بومباي وغيرها. كان مقر إقامته المؤقتة في عدن في المعلا دّكة أو المعلا نفسها في مبنى اشتهر بتسميته منظرة ( أبو حوت ) ويرتاده زوار عدن من بلدة الديس الشرقية, كما أن به ساكنين دائمين من الديس الشرقية بحكم عملهم في الميناء أو القاعدة البريطانية في المطار بخور مكسر. أتحدّث عن عدن الستينيات بجمال بيئتها واحترام النظام فيها وتجانس سكانها ورخص أسعارها وقمّة التكافل الاجتماعي في نسيج أهلها المتنوع. ظلّت عدن معي في ذاكرتي ونحن نغادرها صغاراً عام 1966م أثر استكمالنا بتفوّق المرحلة المتوسطة مبتعثين من السلطنة القعيطية إلى السودان للدراسة في ثانويتها الشهيرة بمدرسة حنتوب الثانوية, وكان يُبعث إليها الخمسة الأوائل في كل سنة, كما كان يُبعث الخمسة الأوائل الآخرون الذين بعدهم في الترتيب لمدرسة بورتسودان الثانوية وهي لا تقل في مستواها عن نظيرتها حنتوب في وادي مدني. والشاهد في الأمر أن عدن كانت مركزا تجاريا مزدهرا بحكم مينائها الحر الاستراتيجي, وهي نقطة التقاء عالمية لكثير من الخطوط البحرية والجوية فكنا نتبضع من عدن معظم محتاجاتنا الضرورية كالملابس القطنية وصوابين اللوكس والكامي واللايف بوي وأقمشة الموهير والهيلد الانجليزية وحقائب السفر الأنيقة السمسونايت, بل أن بعض الزملاء ممن لديهم الحس التجاري كان يشتري من كريتر التبغ الغيلي من دكاكين شارع الزعفران والاحتفاظ به حتى رحلة القاهرة المعتادة في الإجازات الصيفية إذ كان يباع هناك بأسعار مجزية مع أقمشة الهيلد الصوفية المشتراه من محلات جبر في كريتر. كنا ننزل في فندق الجزيرة بالميدان الذي كان في منتهى النظافة والأناقة, كما كانت غرفه نظيفة ومرتّبة بالملايات البيضاء الجميلة, وكانت إقامتنا فيه وإعاشتنا على حساب السلطنة القعيطية. ولا أنسى كيف كانت تداهم قوات الاحتلال البريطانية بطاقياتهم الحمراء ذات الريش البارز من الأمام أسطح الفندق بحثاً عن ثوار الجبهات الذين ربما يلتجئ بعض منهم للفندق هربا واختباء من تلك القوات لقربه من مواقع المواجهات.

دارت الأيام وتقدّم بي العمر مراحل مختلفة, كان آخرها العمل بعدن مدرسا بالمعهد الفني العالي بالمعلا عام 1975م أثر تخرجي بشهادة بكالوريوس من كلية الهندسة جامعة طرابلس, وكان مدير ذلك المعهد المستحدث عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المرحوم عبد الرحمن شرف, وبه كادر إداري وتدريسي يتسم بالكفاءة وطيب التعامل, لعل منهم محمد حيدر, محمد ذهب, عبد الكريم سيف, عبدالله الأصبحي, جابر الخلاقي, إبراهيم فقير, عبدالله سيف, فوزية مريسي, فوزية ثابت, فوزية حمود, نسيم يوسف, شائع محسن, أحمد فريد, علي عوض, ناصر سلامة, وكثير غيرهم, كما كان المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المعهد هو الخبير اللبناني المرحوم حبيب صوايا. هذا المعهد سرعان ما طُوّر إلى كلية التكنولوجيا عام 1978م وترأّس عمادتها المرحوم فيصل محسن ثابت. وعندما عدنا في مستهل عام 1979م من الهند إثر استكمالنا درجة الماجستير مع زملائي سالم محمد بن قاضي وعبدالله سعيد بن غوث المبتعثين من المعهد الفني العالي, كانت هناك خبرات تدريسية أجنبية من الهند وروسيا والصين إضافة إلى الكادر الوطني لعل منهم المرحوم أحمد سعيد بن سرور, جميل عبد العزيز, هويدا باصدّيق, أنور عبدالله باسيف والمرحوم عبد الولي علي هادي الذي تولّى مهام نائب عميد الكلية. وقد توطّدت علاقتي بهذا الأستاذ الأنيق بجديته المشوبة بدعابات سريعة وصرامته الإدارية وحبّه للعمل, مستفتحٌ يومه الدراسي المعتاد مشيا على الأقدام من حافة القاضي بكريتر حتى محطة سيارات الأجرة للكلية, وقد سافرنا لفرنسا لدراسة الدكتوراه وإن سبقني بسنة واحدة ولكنا عدنا سويا هو من مدينة جرونوبل في شرق فرنسا وأنا من مدينة تولوز الوردية في جنوب فرنسا في منتصف عام 1987م, وقُدّر له أن يكون عميداً للكلية خلفا للأستاذ الدكتور محمد سعيد العمودي أطال الله عمره الذي تعيّن رئيساً لجامعة عدن.

تركت عدن الحبيبة مُجبراً عام 1994م بعيد تلك الحرب العصيبة إلى المكلا عاصمة محافظة حضرموت وانتظم عملي الجديد بجامعة حضرموت نائباً لرئيس جامعتها المؤسس المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعباد, واصبحت عدن محطّة بارزة لذكريات جميلة, ولكن يظل الصديق الدكتور عبد الولي هادي يشكّل علامة مشرقة من بقايا ذكريات عدن وإن كان هناك علامات أخرى ولا أود أن أعدّد حتى لا أقع في حرج نسيان عزيز. ومن جامعة حضرموت سافرت إلى فرنسا عام 2000م في دورة قصيرة إلى معهد العمارة الطينية في جرونبل وهي المدينة التي درس فيها الدكتور عبد الولي مرحلة الدكتوراه ووجدتها مناسبة طيبة أن أزور المدن التي كانت لي إقامة فيها منها مدينة روان في شمال فرنسا وهي فترة دراسة اللغة الفرنسية, وسعدت بلقاء الأستاذ الأديب حبيب سروري وهو من أبناء الشيخ عثمان في عدن, ثم زرت مدينة تولوز في جنوب فرنسا وتقابلت مع بعض أساتذتي فيها, ثم عدت لاستكمال الدورة المقرّرة في مدينة جرونوبل. وخطر لي أن أزور معهد الكهرباء التقني الذي كان يدرس به الأخ عبد الولي, واستقليت المترو الأنيق إلى المدينة الجامعية منذ الصباح, وطفت بها وكانت تعجُّ بالطلبة والطالبات وأبصرت مبنى جميلاً من بعيد حواليه تجمّع طلابي كثيف فقلت في نفسي أذهب إليه وأشاهد ما به, فكان ذلك هو مركز الأنشطة الطلابية. وفي طريقي إلى بوابته الكبيرة وقع نظري على شخص أسمر اللون يمشي أمامي على مهل وعندما التفت وراءه لسبب ما فإذا به و لعجائب الصدف الأخ العزيز عبد الولي هادي وقد جاء أيضاً في زيارة قصيرة لفرنسا دون أن يعلم كلانا بمقدم الآخر, فقلت سبحان الله, ورب صدفة خيرٌ من ألف ميعاد.

ستظل عدن بكل ذكرياتها في القلب, عدن التي اكتوت على مدار عقود منذ خرج المستعمر البريطاني منها في 30 نوفمبر 1967م, في دورات صراع دموية بين رفاق الأمس. ومع كل ذلك ووسط مشاهد القتل والتدمير في عدن, ستظل تربة تلك المدينة الجميلة تحتضن قبور شهداء تلك الحروب وقتلاها على مدار سلسلة الصراعات الدموية المختلفة منذ ما قبل عشية الاستقلال من بريطانيا, وهي تترجّى الدعاء والرحمة منا جميعاً, بيد أن هناك كذلك قبران في تربة عدن أحن إليهما بشجن خاص وهما قبر والدي الذي دُفن في مقبرة العيدروس في 20 أبريل 1976م وقبر الصديق عبد الولي هادي الذي دفُن في 21 أغسطس 2010م, رحمهما الله. وهناك قبرٌ ثالث كان لصاحبه ذكرى شجن في فترة شبابي في عدن, رحم الله كل شهداء عدن, على رجاء أن تُفتح صفحة جديدة لاستعادة مدينة عدن مكانها اللائق بها كأجمل مدينة وجوهرة على شاطئ بحر العرب.
 


المكلّا في 15 يونيو 2021م


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter