| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 17 / 2 / 2022 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
معكد. سالم رموضه *
(موقع الناس)هذا عنوان كتاب باللغة الفرنسية كتبته سوزان طه حسين زوجة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وقد قام بترجمته إلى اللغة العربية الأستاذ السوري بدر الدين عرودكي وراجعه المفكّر العربي الراحل محمود أمين العالم. وقد سبق أن نشرته دار المعارف عام 1977م ثم المركز القومي للترجمة عام 2008م. بالإضافة إلى ذلك كانت هناك طبعة فرنسية للكتاب صدرت للمرّة الأولى بباريس عام 2011م, أما الآن فقد صدر الكتاب مترجما في طبعته الأولى الجديدة والمنقّحة عام 2015م عن دار مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة. وقد قرأتُ هذا الكتاب بأناةٍ وإمعان, وكان ذلك لأكثر من سبب.
أول هذه الأسباب أن كتابات الدكتور طه حسين ارتبطت بمراحل تعليمنا الابتدائي والثانوي, فقد كان كتاب "الأيام" بأجزائه الثلاثة مقررا علينا دراسته في الأدب العربي, ناهيكم عن قراءاتنا لكتبٍ أخرى للدكتور طه حسين ككتاب "الوعد الحق" وكتاب "دعاء الكروان". كما أن هناك كذلك كتّاب آخرون دون شك في أثناء تلك الفترة الذهبية من عصر الثقافة والأدب في مصر المحروسة مثل عباس محمود العقّاد وإبراهيم المازني ويحيى حقّي وعلي أحمد باكثير وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبد القدّوس وأحمد أمين ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي والشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
وثاني هذه الأسباب أن الدكتور طه حسين درس في فرنسا فترة شبابه وابتدأت دراساته الجامعية في إحدى مدن الجنوب الفرنسي وهي مدينة مونبيلييه قبل أن ينتقل إلى جامعة السوربون العريقة في الحي اللاتيني بباريس, ودرستُ شخصيا في مدينة تولوز الوردية بجنوب فرنسا كذلك ولكن بعد ما يقرب من مضي سبعة عقود من فترة دراسة الدكتور طه حسين.
والسبب الثالث وهذا السبب ربما يكون عاطفيا فقد مررتُ بقصّة مشابهة لقصّة الدكتور طه حسين عندما التقيت في مدينة نيو دلهي أثناء دراستي للماجستير في المعهد الهندي للتكنولوجيا بفتاة عدنية جاءت مع والدتها لعلاج عينيها وقُدّر لها أن تكون أوّل شريكة حياة ولكن لفترة للأسف لم تدم طويلاً, بعكس تلك العلاقة العاطفية الجميلة التي ربطت الدكتور طه حسين بسوزان بريسّو. والشاهد في الأمر أن كلانا التقى في مستهل شبابه بفتاة في بلادٍ أجنبية, واحدة في غرب الكرة الأرضية والأخرى في شرقها. ففي 12مايو 1915م التقى طه حسين بتلك الفتاة الفرنسية التي اقترن بها طوال عمره وفي 15 مايو 1978م التقيت بتلك الفتاة الجميلة من مدينة عدن والتي انتقلت لرحاب الله بعد أن أبقت خلفها ما يذكّرني بتلك القصّة القدرية الجميلة, بعد أن شاركتني تلك الراحلة لرحاب الله مشوار الاغتراب في فرنسا منذ شهر أكتوبر 1982م أثناء دراستي للدكتوراه, ابتداء من دراسة اللغة الفرنسية في روان شمال باريس إلى مدينة بيزنسن في شرق فرنسا فترة التطبيقات العملية للغة الفرنسية, وأخيرا الاستقرار لمدّة أربع سنوات كاملة في مدينة تولوز في جنوب فرنسا لاستكمال برنامج الدكتوراه في أجمل مدينة فرنسية حيث يُطلق عليها " المدينة الوردية".
لقد كان الكثير من المقرّبين للأديب طه حسين يبدون إعجابهم بتلك العلاقة الفريدة من نوعها التي ربطت طه حسين بزوجته الفرنسية في ثنائية متعاكسة وعجيبة: مسلم ومسيحية, مصري وفرنسية, عربي الثقافة والانتماء الحضاري وأوروبية في ثقافتها وانتمائها الحضاري, علاقة استمرّت أكثر من خمسين عاماً نسجها حبٌّ عميق واحترامٌ لا يقلُّ عنه عمقاً. وكم كان ذاك الأديب الأعمى يعبّر في كتاباته أو تقديمه لبعض كتبه عن ذلك الحب الجميل وعن وفائه وامتنانه لصاحبته. ولعل في كتاب "الأيام" وهو سيرة ذاتية رائعة من أفضل ما كُتب في مجال السِيَر, فقرات عاطفية عميقة لهذا الحب العميق. أجيال متتالية قبلنا ومؤكد بعدنا عرفت الدكتور طه حسين من خلال كتبه المتنوعة في المباحث الإسلامية وفي الأدب والنقد وفي مجال القصّة والرواية وفي التراجم والسير وفي صنوف الاجتماع والتربية.
والجدير بالذكر أن كاتبة الكتاب سوزان طه حسين توفيّت بالقاهرة يوم 26 يوليو 1989م عن عمر ناهز أربعة وتسعين عاماً بعد حياة طويلة غنيّة قضت منها خمسة وسبعين عاماً في مصر, أما طه حسين نفسه فقد غادر دنيانا في 28 أكتوبر من عام 1973م, بعد أن قُرّت عيناه بانتصار مصر وسورية في حرب أكتوبر المجيدة في 6 أكتوبر 1973م بعد سلسلة من الهزائم الأليمة التي مُنيَ بها العرب في عقود سابقة موجعة منذ نكبة فلسطين 1948م. إن كتاب "معك" وهو في شكل مذكرات حميمة وردت بعضها في قالب يوميات مختارة باعتماد تام على الذاكرة الحادة التي اتّسمت بها السيّدة سوزان طه حسين وهي فوق كل ذلك بمثابة شهادة صادقة حول الحياة الفكرية والفنّية والسياسية لمصر من العشرينيات إلى الستينيات في قلب مجتمع عالمي كانت فيه اللغة الفرنسية لغة النخبة المفضّلة. وهو شهادة حميمية أيضا حول حياة رجل وامرأة كان يمكن أن يفصل بينهما الثقافة والدين والجنسية والعائق, ولكنهما رغم ذلك ألتقيا يوما ما وتزوّجا وعاشا متّحدين بثبات وربما بفضل كل هذه الاختلافات بينهما صارت هي نفسها وثاق حبّهما. حتّى لما كانت سوزان طه حسين تستعيد بدايات تلك العلاقة وكيف تطوّرت إلى أن تطلب من أهلها الموافقة على زواجها منه بعد أن رفضت طلبه في المرّة الأولى فهي تقول " ويمضي زمنٌ ثم يأتي يومٌ آخر أقول فيه لأهلي إنني أريد الزواج من هذا الشاب, وكان ما كنت أنتظره من ردِّة الفعل: كيف ؟! من أجنبي ؟! وأعمى ؟! وفوق ذلك مسلم ؟! لا شكَّ أنكِ جُنِنتِ تماماً". وكان لا بدَّ من نضالهما معاً من أجل ذلك القرار حتى يستمر في حياته الدراسية أوّلاً ومساعدته في كتابة رسالته للدكتوراه لدرجة أن تكتب بدهشة في كتابها الجميل" ثمَّ عكفنا على الرسالة, وكلما فكّرت بها عاودتني الدهشة من أنَّ امرأً يشكو كفاف البصر وقلّة الاستعداد في الثقافة الغربية, استطاع في أقل من أربع سنوات أن يَتحصّل على إجازةً ودبلوم في الدراسات العليا وأن ينجز رسالة دكتوراه".
لقد عاشت الفرنسية سوزان طه حسين رفيقة رائعة خلال أكثر من ستين عاماً لمصري أعمى صار أكبر كاتب عربي في القرن العشرين. كانت على الدوام إلى جانبه راعية مخلصة محبّة, ساعدته على التغلّب على عاهته وعلى أن يصير ما كان عليه. كانت حاضرة دوماً حين كان بحاجة إليها حتى أنه قال هو نفسه " لولا زوجته لما كان شيئاً".
المكلا في 4 فبراير 2022م
* نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق