| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 15 / 9 / 2026 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
شخصيات أكاديمية مرّت على جامعة حضرموت (10)
الدكتور عامر الشهوبي الرقيعيد. سالم رموضه *
(موقع الناس)وددتُ أن أبيّن دائماً إن هذا الرصد البسيط والموجز لشخصيات أكاديمية وافدة مرّت على جامعة حضرموت, كان قدوم معظمهم في بداية إنشاء الجامعة وخاصة أثناء عملي أول نائب لرئيس جامعة حضرموت المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد أول رئيس للجامعة ومؤسّسها. وجاءوا كذلك في ظروف مختلفة, فأكثرهم أتى بناءً على اتفاقيات مُسبقة مع جامعاتهم ووزارة التعليم العالي في بلدانهم كما هو الحال مع الشخصيات الأكاديمية التي وفدت من العراق العظيم, وخاصة أيام الحصار الظالم والجائر الذي فُرض على شعبه وأرضه ومقدّراته ومطاراته ومنافذه البحرية وتُرك له فقط بعض المنافذ البرية مثل منفذ طريبيل البرّي الذي يربطه بالأردن وبعض المنافذ الشمالية التي تربطه بسورية وربما بتركيا كذلك مثل منفذ القائم. أما البعض الآخر من هذه الشخصيات الأكاديمية أتى بخياره الخاص كما هو الحال بالنسبة للأستاذ الذي قدم من ليبيا العزيزة الدكتور عامر الشهوبي الرقيعي الذي تحصّل على شهادة الدكتوراه في الهندسة المعمارية عام 1992م من جامعة واترلو في كندا, وكانت أطروحة الدكتوراه بعنوان " تخطيط المدن التراثية, مقارنة مدن مدريد وكوبيك وفاس وطرابلس ", وهي دراسة ضافية لمقارنة هذه المدن التراثية وتخطيطها وإدارتها, فتخصّصه إذن يرتبط بالتخطيط الإقليمي مع اهتمام بالتخطيط التراثي, كما إن له اهتمام خاص بالعمارة الطينية والمدن الصحراوية, ومن أعماله في هذا المجال دراسات عن غدامس في ليبيا وكذلك حول بعض المدن الطينية في شمال أفريقيا. وواضح إن حضور الدكتور عامر الرقيعي في حضرموت في تلك الفترة التي أنشئت فيها الجامعة يتفق تماماً مع مساره البحثي واهتمامه بالمدن التاريخية والعمارة الطينية التي تشتهر بها مدن وادي حضرموت, ولذلك فإن مشاركته العلمية في حضرموت ليست مجرد زيارة أكاديمية عابرة بل تبدو منسجمة مع مشروعه البحثي الذي يركّز فيه على المدن التراثية والعمارة التقليدية, والدليل على ذلك مشاركته عام 1998م في مؤتمر العمارة العربية: الماضي والحاضر والمستقبل حيث قدّم بحثاً بعنوان" حماية وتحديث التراث المعماري", وكان المؤتمر كما يقول بتنظيم اتحاد مجالس البحث العلمي العربية وجامعتي صنعاء وذمار ووزارة الإسكان. ولمّا كانت كلية الهندسة والبترول بجامعة حضرموت تضم قسم الهندسة المعمارية والتخطيط البيئي فقد تم قبوله مباشرة للحاجة الماسة لأعضاء هيئة تدريس في مجالات العمارة وهم قلّة ونادرون, وما لبث أن تولّى رئاسة القسم في 12نوفمبر1997م واستمر قرابة ثلاث سنوات في هذا المنصب قبل أن يهاجر إلى كندا التي يعرفها جيداً ودرس فيها, فجامعة حضرموت إذن كانت بالنسبة للدكتور عامر الرقيعي منصّة انطلاق نحو آفاق أوسع عبر المحيط الهندي ثم المحيط الهادي صوب كندا التي درس فيها دراساته العليا الدكتوراه والماجستير. ومع ذلك فربما قطع المسافة الشاسعة هذه مرة أخرى عائداً عبر المحيط الهادئ ثم المحيط الهندي والخليج العربي ليثبت حضوره في أروقة الجامعة الأمريكية في دبي تارة والجامعة الأمريكية في رأس الخيمة تارة أخرى كأستاذ في التصميم الداخلي, وبهذا فإن الدكتور عامر الرقيعي الذي جاء جامعة حضرموت عام1997م انتهى به المطاف بعد أكثر من عشرين سنة في دولة الإمارات العربية المتحدة, ولكن ظل اهتمامه بالتراث والتصميم حاضراً في عمله الأكاديمي من خلال أبحاثه المتعلّقة بهذه المجالات, ومنها "تصميم المناطق المحمية في دبي وتطور الحدائق والمناطق الطبيعية والمحميات". ولهذا رغبتُ في التحدّث عن هذه الشخصية الأكاديمية التي مرّت مرور الكرام على جامعة حضرموت في بداية إنشائها لعدة أسباب من أهمها محاولة إنجاح مهمتي التي أتيتُ من أجلها حضرموت حتى قبل إنشاء الجامعة, فقد أصدر لي الأستاذ الدكتور محمد سعيد العمودي رئيس جامعة عدن أطال الله عمره في ذلك الوقت العصيب من عام1994م تكليفاً بتاريخ 16 أكتوبر1994م لتنفيذ قراره رقم (63) لعام1994م بشأن تأسيس فرع لكلية الهندسة في المكلا وتضمّن التكليف مهمة التنسيق الأكاديمي لفرع كلية الهندسة في حضرموت مع الكلية في عدن وكذا مع جهات الاختصاص في رئاسة جامعة عدن, وكانت البداية هي التركيز على قسم الهندسة المعمارية الذي لم يكن أصلاً قائماً في كلية الهندسة بجامعة عدن. ولكن عندما استجدّت ظروف جديدة بشأن الفكرة الاستراتيجية الكبيرة بإنشاء جامعة حضرموت التي صدر لها القرار الجمهوري رقم(45) في 19 أبريل 1993م, تماهى ذلك التكليف مع بدء افتتاح جامعة حضرموت بكليتين هما كلية الهندسة والبترول وكلية البنات في المكلا في شهر فبراير 1996م. ولعلي وددتُ كذلك أن أرد الجميل عن طريق هذه الشخصية الأكاديمية التي أتت من ليبيا ومن كلية الهندسة بجامعة طرابلس التي درستُ فيها عام 1970م وتخرّجتُ منها ببكالوريوس هندسة مدنية عام 1975م وتركتها مع معظم زملائي الخريجين, وليبيا عبارة عن ورشة عمل في كل المجالات, ولكنّا فضّلنا العودة لأرض الوطن رغم كافة المغريات بالبقاء في أرض الفاتح أو بالأحرى في أرض شيخ الشهداء عمر المختار.
ورغم تحفّظ أعضاء اللجنة العلمية لمشروع جامعة حضرموت على افتتاح القسم بحجة وجوده في كثير من الجامعات الحكومية وكثرة أعداد الخريجين المعماريين الوافدين من البعثات الخارجية, إلا إني جهّزتُ تقريراً مُقنعاً على ضرورة افتتاح القسم وكان وقتها أعداد المهندسين المعماريين في حضرموت لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ووقف بكل حرصٍ ومساندة الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة المرحوم علي هود باعبّاد مع ضرورة افتتاح القسم واقترحتُ له الاسم غير النمطي " قسم الهندسة المعمارية والتخطيط البيئي", بإضافة المضامين البيئية والاهتمام بمعايير التخطيط والوعي البيئي في فلسفة العمران.
ويبدو من باب الإنصاف أن أذكر شخصية أكاديمية وطنية توازى حضورها مع حضور الدكتور عامر الرقيعي وتعاونت بإخلاص وتضحية في بداية التدريس في هذا القسم رغم الظروف المعيشية القاسية في المكلا وقتها وسوء الخدمات من كهرباء وتوفير سكن لائق لأساتذة زائرين وهو الأخ العزيز:
الأستاذ الدكتور محمد أحمد سلام المدحجي
الذي كان يأتي من صنعاء بداية كل أسبوع, إذ كان يعمل بقسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة, جامعة صنعاء ويعود في نهاية نفس الأسبوع بعد أن يكون قد غطّى من المقررات المعمارية بشكل مكثّف العبء التدريسي لشهرٍ كامل, وبالتحديد فقد قام بتدريس مقرر الرسم المعماري ومقرر أسس التصميم خلال العام الجامعي 96- 1997م وهو العام الأول لإنشاء الكلية, وقد امتاز أداؤه بالكفاءة والإتقان واقترن عطاؤه العلمي بالتعاون الملموس وروح المبادرة في تقديم ما من شأنه الدفع بالعملية التعليمية في القسم نحو الأفضل. أمنياتي القلبية للوافد الليبي عامر الشهوبي الرقيعي وللكادر الوطني المخضرم محمد أحمد سلّام المدحجي باضطراد التقدّم في أنشطتهم العلمية والبحثية والتوفيق في كافة أعمالهم الأكاديمية.
المكلا في 15 سبتمبر2026م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق