| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 10 / 3 / 2026 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
حول التعليم الهندسي في الجامعات اليمنيةد. سالم رموضه *
(موقع الناس)قد يكون مثلُ هذا الموضوع واسع المجال ومفتوح النطاق من كل جانب, إلا إنه بالإمكان تحرّي الإيجاز المقبول والتركيز على مضامين بعض المصطلحات الحديثة والاسترشاد بها في أساسيات البحث حول التعليم الهندسي في الجامعات اليمنية. لقد بدأت هذه الجامعات في بداية السبعينيات في ظل حكومات التشطير, ففي صنعاء عاصمة الشمال كانت جامعة صنعاء, وفي عدن عاصمة الجنوب كانت البداية بجامعة عدن وفي كل منهما أُنشئت كليات للهندسة في أوقات متقاربة بعيد الإنشاء بفترات وجيزة. ابتدأت هذه الكليات بالأقسام النمطية والتقليدية كما هو حاصل في معظم الجامعات العربية وبالذات أقسام الهندسة المدنية والهندسة المعمارية والهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية. وتوالت الجامعات الأخرى في عواصم المحافظات لا سيما بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22مايو 1990م, وأُنشئت بها بطبيعة الحال نفس الأقسام الرئيسة وربما أضيفت إليها أقسام جديدة وحديثة لتتناسب مع متطلبات خطط التنمية في البلاد. ولكنه من الضروري انتهاج أساليب حديثة ورؤى واضحة تُعزّز بيئات سليمة لجودة التعليم الهندسي في الجامعات اليمنية ومن أهمها:
1- تطبيق معايير الجودة الشاملة في التعليم
2- التركيز على التعلّم بدلاً من التركيز على التدريس
3- مبدأ عالمية التعليم وبعض المبادئ الأخرى التي تتبناها الاتجاهات الحديثة في التعليم
4- التقويم المستمر عبر برامج الاعتماد الأكاديمي المحلّي والدولي
5- إدخال مقرّرات حديثة تبنّتها كثير من الجامعات العالمية ذات السمعة العلمية الرصينة
إن الجامعات الرصينة التي تحتضن كليات متميّزة بما في ذلك كليات الهندسة بالذات عليها أن تتّسم بجملة من المزايا المهمّة لعل منها:
- الجودة العالية في التعليم
- التفوّق في البحث العلمي
- نشر المعرفة والثقافة والعلوم في الحياة المدنية للمجتمع
مجمل هذه المزايا وما سبقها من تحديد بعض الأساليب الحديثة إن تم الحرص على تحقيقها بإمكانها الارتقاء بواقع التعليم الهندسي في الجامعات اليمنية إلى آفاق متقدمة, مع الاعتراف بأنه لا يختلف كثيراً واقع التعليم الهندسي في الجامعات اليمنية بشكل عام عن واقعه في الجامعات العربية. فمؤشرات التخلّف فيها تكاد تكون مشتركة, وبالإمكان الاستدلال عليها بكل وضوح من خلال الضعف والقصور في المؤشرات التالية:
- النشر العلمي الرصين في المجلات الإقليمية والدولية
- براءة الاختراعات المسجلة دوليا ونوعيتها المتميّزة
- عقد المؤتمرات والندوات الدولية الرصينة
- الحصول على جوائز عالمية ومنها جائزة نوبل في المجالات العلمية والتقنية
- نسبة الإنفاق على البحث العلمي وتشجيع القائمين عليه
إن تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين قائمة اليوم على المعرفة واقتصاد المعرفة وبالذات في مجال الحاسبات الصغيرة وتطبيقاتها المتنوعة والهندسة الوراثية والبيئية وتكنولوجيا المعلومات وما يتعلّق بها من تخصّصات الذكاء الاصطناعي والأمن السبراني وغيرها من التخصصات الهندسية الحديثة التي أوجدتها الثورة المعرفية والمعلوماتية والتكنولوجية.
يُعد نشأة التعليم العالي الجامعي في اليمن إلى مطلع العقد السابع من القرن الماضي وتمثّل بإنشاء جامعة صنعاء عام 1970م. وفي العام نفسه تأسست كلية التربية العليا بعدن وتلاها تحويل معهد ناصر للعلوم الزراعية إلى كلية ناصر للعلوم الزراعية في عام 1972م ومثّلت هاتان الكليتان نواة جامعة عدن التي صدر القرار رقم 22 والخاص بإنشائها في العاشر من سبتمبر 1975م. أما بخصوص إنشاء كليات الهندسة, فإنه في عام 1978م أُنشئت كلية التكنولوجيا في جامعة عدن تطويراً للمعهد الفني العالي الذي تبنّاه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, كما تأسّست في المقابل كلية الهندسة في جامعة صنعاء عام 1983م. وفُتح المجال للقطاع الخاص من خلال تشريعات وأنظمة وقوانين للاستثمار في مجال التعليم الجامعي لإعطاء فرصة لرأس المال الوطني في المساهمة في التخفيف من أعباء الدولة في هذا المجال. فأصدرت وزارة التعليم العالي أكثر من 40 ترخيصاً تم بموجبه افتتاح أكثر من أربعين جامعة وكلية أهلية ابتداء من عام 1983م, كما توالت بطبيعة الحال افتتاح عدد من الجامعات الحكومية في عواصم محافظات الجمهورية حتى أصبح في الوقت الحالي وجود جامعة في كل محافظة بما فيها تلك المحافظات النائية كجامعة المهرة وجامعة أرخبيل سقطرى, وتحرص هذه الجامعات الحكومية والخاصة على فتح بعض من الأقسام الهندسية في كلياتها.
من تلك المصطلحات البارزة التي ظهرت مصطلح التركيز على التعلم بدلا من التركيز على التعليم, بمعنى التخلي عن أسلوب التدريس التقليدي الذي يقوم على الحفظ والتلقين وحشو ذهن الطالب بالمعارف والمعلومات ولكن بالأحرى اتباع استراتيجيات التعلّم الفعّال الذي يقوم على استخدام استراتيجيات التدريس النشط لتعزيز مهارات الطالب التخصّصية وتنمية قدراته على البحث والاستقصاء وعلى التعلّم المستمر. وبذلك يكون تعلّم الطالب لم يعد مسؤولية عضو هيئة التدريس وحده فقط, بل أصبح مسؤولية مشتركة يتقاسم فيها عضو هيئة التدريس والطالب المسؤولية على حدٍّ سواء. وفي هذا الخصوص على أعضاء هيئة التدريس تفهّم الخطط الدراسية ومضامين مناهجها وقناعاتهم بها وتطبيقها, كما يتطلّب أن يكون أعضاء هيئة التدريس مؤهلين تأهيلاً جيّداً لممارسة استراتيجيات التعلّم النشط وقادرين على استخدام التقنية الحديثة في تدريسهم.
ظهرت كذلك عبارة التنظيم المبتكر في التعليم العالي, والمقصود من هذا المصطلح هو ألا تعتمد الجامعات في ميزانيتها على ما تعتمده لها المؤسسات الرسمية بل عليها أن تعتمد على ما تتحصّل عليه من رسوم الطلاب وتمويل البحوث العلمية التي يقوم بها أساتذتها وكادرها البحثي. إن الجامعات القائمة على مفهوم التنظيم المبتكر تنال تقدير الجميع بين نماذج الجامعات المتعلّقة بالقرن الحادي والعشرين. إن الملامح المميّزة لشخصيّة الجامعة التي تقوم بسياسة التنظيم المبتكر المتمثّل في النظام الإداري الفعّال والمحيط التطويري الموسّع والقاعدة التمويلية المتنوّعة والأساس الأكاديمي المحفّز وثقافة التنظيم المبتكر المتكاملة تعكس جميعها ثمار الاستقلال الموجّه بطريقة ذاتية نحو الارتقاء بالجامعات صوب التطور والازدهار.
المكلا في 10 مارس 2026م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق