د. صادق البلادي
الأربعاء 1/8/ 2007
فريق واحــــــــــــــــد و شـعــب وا حــــــــــــــد
صادق البلادي
حيدر ، ألماني المولد والمنشأ والجنسية . لم يشهد العراق في حياته -- أربع وثلاثين سنة له من العمر-- أكثر من ثلاثة أسابيع متفرقة ، زاره مع أبيه الذي غادر العراق عام 1954 للدراسة في ألمانيا ، فكان الحب والزواج والعمل طبيبا ناجحا والاقامة الدائمة مع الحبيبة وما رزق بهن أختين لحيدر.
حيدر يشتغل في اندونيسيا منذ بضعة سنوات خبيرا ألمانيا . لم يتوفق في الحصول على وظيفة أخرى ، لفشله في مقابلة تعيين أخرى . الاستاذ – الفاهم -- الذي قابله كان يفترض أن حيدر يعرف العربية ، خاصة وإن اسم الأب ينضح عراقية. عراقية اسم العائلة الفاضح جعلت الامريكان في حرب الخليج الثانية يتصلون بأخت حيدر لتعلم ضباطهم العربية فطردتهم ،وهي ألمانية كأخيها ، صارخة في وجوههم تريدون أن أعلمكم العربية لتقتلوا أهل أبي.
حيدر يعمل في مدينة تبعد عن جاكارتا أكثر من 600 كلم . شاهد بالصدفة لعبة العراق مع كوريا الجنوبية فخابر أباه في ألمانيا ليشاهد اللعبة . لما فاز المنتخب للنهائية أخذ حيدر إجازة وطار الى جاكارتا ليكون ضمن المتفرجين. خلال اللعبة النهائية يخابر أباه مرات عديدة معلقا بابتهاج على لعب المنتخب العراقي. حبه للعراق لا شغفه بالرياضة دفعه لدخول الملعب وتشجيع منتخب العراق.
حيدر لا يدري إن كان مسلما ، فكيف إن كان شيعيا أو سنيا. فالأب رباه على أخلاق فاضلة، لا على طقوس الدين . تربى الأب وربى بأفكار التنوير : ما قبله العقل قبلناه ، وما لم يقبله أولناه بل رفضناه. و أ تكون صفة مسلم أو مسيحي أو يهودي أسمى من صفة إنسان ؟؟ . هكذا تعلم أبوه و تعلمت ، ففي عهدنا كان الانسان المتعلم متدينا أو غير متدين يخجل أن يجهر بدينه أوطائفته ، عدا بعض المعممين من رجال الدين كانوا يرتزقون بالطائفية كالصواف من الاخوان المسلمين، والسيد البغدادي من روزخونية المنبر الحسيني .
احتشد حيدر بين المتفرجين مشجعا عراقيا لا غير. وهكذا لعب أعضاء المنتخب : عراقيون لا غير ، العلم الرسمي علمنا ، وموطني نشيدنا . قرأوه جميعا، ومعهم قرأه العراقيون في الملعب ، وفي العراق و المغتربات. أسماؤهم تدل على انتماءاتهم العرقية والمذهبية. و لكن ما شأن ذلك في بغيتهم : أن يفوزوا لوطنهم ويدخلوا الفرحة ولو للحظات لقلوب شعب العراق وللنساء الصابرات ، للأمهات الثواكل منهن خاصة. ضربة من هوار يكملها يونس برأسه فيكون الهدف الذي جعل دموع العراقيات والعراقيين مستهلات فرحا ، وما تزال لحد اليوم . هوار ويونس جسدا لنا ما كان العراقيون، الديمقراطيون منهم ، يترنمون به عهد ثورة الرابع عشر تموز :
من تهب أنسام عذبة من الشمال على ضفاف الهورتتفتح قلوب
لو عزف علناي راعي بالشمال علربابة يجاوبه راعي الجنوب
ومنذ أمس والعراقيون يحتفلون سوية في مختلف مدن العراق ، وفي المغتربات من كل الأعراق والأديان والمذاهب ،عربا كوردا وتركمانا وكلدو- أشور، مسلمين ومسيحيين ، صابئة وإيزيدية ، يشتركون بالرقص والغناء والهلاهل ودق الطبول ، لا يعرفون سوى أنهم شعب واحد فريق المنتخب يمثلهم حقا لا مجلس النواب هذا فريقا واحدا في الفرح وفي بناء العراق الواحد. يتجمعون مؤكدين هذه الوحدة - وحدة اعضاء المنتخب ووحدة الشعب في احتفاله -- كشفت عورة المحاصصين من الساسة ، الذين رقصوا على أنغام بريمر، فتحاصصوا ، وصاروا يتصارعون على تقسيم الغنائم فيما بينهم ، فعم بينهم الفساد ، ثم راحوا يبررون سوءتهم ويحاولون سترها بغربال مظلومية الشيعة ، أوانعدام الثقة بالعرب ، أو حق السنة .
وعندما بدأت شاشة التلفزيون تنقل احتفالات أهلنا في البصرة وغيرها أخذت في كتابة أخبار عاجلة تبين أنها برقيات تهنئة من أعضاء فريق المحاصصة ومكرمات بعضهم ، من أموال الشعب طبعا ،لا مما نهبوه : من السيد فلان وعلان رئيس أو نائب رئيس أو عضو مجلس النواب أوعضو الوزارة ، وذهب الأمر بأحدهم أن يطلب من فريق المنتخب الى التظاهر سلميا أمام المنطقة الخضراء " ليناشدوا بها الساسة العراقيين - أعضاء فريق المحاصصة الذي خرب البلاد وأهلك العباد -- أن يضعوا خلافاتهم جانباً و أن يصلحوا هذا الحال ". وكبير فريق المحاصصة استغل جهازه الاعلامي الرسمي لينشر تهنئة عقيلته على حساب الشعب ، كأنها الوحيدة في عراق الصابرات تهنئ فريق المنتخب ، فأين احترام الدستور الذي ينص على مساواة مواطني العراق جميعا.
كان بين المهنئين معممون أيضا ، من كبار العمائم ، وكثير من " أتباع أهل البيت " والذين نسوا في تلك اللحظات ، كما يتجلى ما نقله السيد مقتدى عن تحريم السيد والده للعبة كرة القدم لآنها تلهي عن ذكر الله.