السبت 5/11/ 2011
قصيدة النثر بين النص المقدّس وأسلوب المترجمين!
سنان أحمد حقّي *
تكاد تنتهي قصيدة النثر إلى التفاعل مع أفكار ما بعد الحداثة بعد سلسلة من أدوار الإستحالة ونعني هنا تلك القصيدة النثريّة العربيّة فهي ليست وليدة قصيدة النثر الغربيّة بشكل شرعي تماما لأسباب عديدة قد نستعرض بعضها ، فقد خرجت عن المعيار النقدي للشعر بل عن مفهوم الشعر وليس في هذا بأس إذ أن عصرنا توصّل إلى مخرجات في الكتابة متنوعة منها المخرجات التي نتجت عن الأفكار العروضيّة والإجتهادات اللاحقة ثم اطّلع بعض الكتاب والشعراء على شئ بسيط من الأدب العالمي وطبعا كانت معظم مطالعاتهم تتم عبر الأدب المترجم وليس باللغة الأصليّة فأُُعجب الكثير بأسلوب المترجمين في كتابة الترجمة للقصائد الأجنبيّة وقد جاء بعضها فاتنا وجذّابا حتّى وإن كان بعيدا عن النصّ الأصلي أو غير صادق في الترجمة بعض الشئ فمثلا كنّا قرأنا ترجمة عدنان بغجاتي لأغاني غجريّة للشاعر الأشهر لوركا وكمثال لو تذكّرنا ترجمته لقصيدة الزوجة الخائنة فإننا سبق وأن انطبعت في أذهاننا موسيقى وعواطف تم التعبير عنها بأسلوب بغجاتي واليوم عندما نستعرض نفس القصيدة وأنا أحتفظ بنصّها بالإنكليزيّة لا أستسيغه وطبعا أيّة ترجمة أخرى لا أجدها تثير في نفسي تلك المشاعر الأوليّة التي كتبها بغجاتي رغم أن ترجمة بغجاتي أقلّ شانا من أيّة ترجمة اطلعت عليها فيما بعد بضمنها ما هو مترجم إلى الإنكليزيّة عن الإسبانيّة هنا نتوصّل إلى أن التأثير الذي أحدثه الأدب المترجم يعود نصفه أو أكثر من نصف أثره إلى أسلوب المترجم وليس الكاتب الحقيقي وهذه معضلة تفاقمت كثيرا في تأثيرها على فن كتابة الشعر إذ يمكن أن نعتبر شعر علي محمود طه المهندس قريبا من ترجمة شعر أجنبي من المرحلة الإنبهاريّة (الرومانسيّة) ولكن صيغت ترجمة الشعر المكتوب بالعروض الخليلي وهذا الإنطباع يتكون لدينا عندما نقرأ شيئا من الشعر الأجنبي حينما كان يترجم موزونا ومقفّى أعني مثل رباعيات الخيام وفي بعض القصائد ةالكلاسيكية من الشعر الفرنسي وبعض الشعر القديم وسوى ذلك من بعض القصائد الأجنبيّة أو الأوربيّة في الماضي، وقد جرى الترحيب بقصيدة التفعيلة لأنها تقرّب من شكل الأدب الذي كتب به المترجمون وكان التأثّر قائما على الشكل في البداية دون التقاط الفروق النقديّة والتباين في الذائقة الراسخة للمتلقّي ثم استرسل آخرون في مواكبة قوّة الدفع التي أحدثها الشعر الحرّ وللأسف فإن معظم الذين ساروا مع قوّة الدفع تلك لم يُطالعوا الشعر الأجنبي باللغات الأصليّة بل معظمهم اكتفى بالمترجم فلم يستطع لاالتخلص من أثر أسلوب كتابة المترجمين المختلفين ولا التعرّف على واقع الشعر وحركته للأمم الأخرى بشكل صادق وأصيل وعندما ذهبوا مع قصيدة النثر فإن الغالبيّة كانت ما تزال تكتب بأسلوب المترجم وليس تأثّرا بشكل وأسلوب الشاعر الأصلي أو كما في لغته الأصليّة لأنه معلوم أن الشعر فن يعتمد على ثقافة مختلفة تماما وهو ليس كالقصّة أو المقال أو المسرحيّة، وترجمة القصيدة تتطلب عمقا بعيدا في اللغتين والثقافتين أكثر بكثير مما تتطلّبه القصّة أو الرواية أو أي شكل من أشكال الكتابة الفنيّة بسبب كثافة وتركيز الجملة والعبارة في الشعر،وهكذا توجّه وسطٌ واسعٌ من الشعراء إلى كتابة القصيدة الخالية من الأوزان أو إلى قصيدة النثر وتبنّى عدد منهم مقولات لا أصل لها في النقد الغربي الذي وردتنا قصيدة النثر منه بل هي كما يُقال نتاجه الأصيل ،تحدّثوا عن الموسيقى الداخليّة كثيرا وأن الكلمة والمفردة بحد ذاتها تمتلك موسيقاها التي قد يكتفي بها الشاعر عن القيود المتنوعة التي يفرضها الشعر العربي ولكن العقدة الأساسيّة في المحاكاة بقيت ناقصة حيث أن الشاعر العربي لم يطّلع على موسيقى المفردة والكلمة الأجنبيّة لأن الأمر أصبح يعتمد على موسيقى اللفظ وبناء الكلمة في اللغتين فضلا عن أنهم لم يأخذوا بنظر الإعتبار الفروق الجوهريّة بين العروضين العربي والأنكليزي مثلا إذ أن العربي عروض كمّي أمّا العروض الأنكليزي عروض نوعي بالأساس أي يعتمد على قوّة المقطع من ضعفه وخفّته وليس على الحركة أو الحركة التي تنتهي بساكن كما هو الأمر في الشعر العربي فاجتهد الشاعر العربي في وضع ذائقة ليست أصيلة لأنها اقتبست الفكرة فقط دون أيّة قواعد موسيقيّة داخليّة يمكن اعتمادها ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لم نعد نحسّ أو نشعر بما كنّا نحصل عليه في قصائد الشعر العربي الكلاسيكي والحرّ أيضا من ذائقة ومن عواطف ومشاعر وفي الوقت نفسه لم نحصل على عرض أصيل متأثّر بقصيدة النثر الأوربيّة او الأجنبيّة ، إن قصيدة النثر الأجنبيّة أو الغربيّة كثيفة التركيز في أسلوب ( التشفير) إذا صحّ التعبير وهي تعتمد بشكل موسّع أساليب التورية والإستعارة وعلى أسس سرياليّة أحيانا أو ما ورائيّة إن صحّ التعبير أيضا وفي الحقيقة إنها ليست قصيدة وهذا ليس باب للإنتقاص من هذا الفن ولكن نقاط الإلتقاء بينها وبين ما نفهمه من الشعر قليلة وباهتة جدا . إن قصيدة النثر عند باوند وإليوت هي أقرب إلى التماهي مع أسلوب الكتب المقدّسة وإيحاءات معمّقة مليئة بالتمويه وبتزييف( عمل موديل مشابه ولا نقصد التعبير الدارج للتزييف) (1) للآيات الإلهيّة والعبارات المقدّسة ولهذا فهي أساليب خرجت عن مفهوم الشعر الذي تتطلبه ذائقتنا وقد تكون تجارب مبتكرة مفيدة وممتعة للقارئ المثقف ولكنها لا تصلح كمذهب فنّي أو مدرسة عامّة لأن قواعدها ممحوّة وتتعمّد ملء ما يشبه الآيات فيها بالفجوات تماهيا مع الغموض الذي يكتنف الآيات المقدّسة في الكتب الدينيّة يصاحبها استعراض( للعضلات) ونقصد استعراض خفي لثقافة الشاعر زيادة في الغموض والتمويه ولهذا فإن هذا النواع من الكتابة الفنيّة كان من الممكن أن يُسمّى أيّ شئ أمّا تسميته بالشعر فهذا أمر فيه صعوبة إذ انتهت التلقائيّة وكذلك العفويّة واندثرت العواطف وكذلك اختفت قواعد الموسيقى أيّا كانت وكان يمكن أن نسمّيه سورا أو آياتٍ وعبارات فنّيّة دون أن نجعله يمتزج بالشعر إذ أن الشعر تريد منه الذائقة الإعتياديّة أن يصلح للحفظ والترنّم والغناء ويناسب الإنفعالات المتنوّعة ولكن هذا النثر كما ذكرنا يُماهي بناء الجملة في الكتب المقدّسة ويُحيط جملهُ وتعابيره بقدر وافٍ من الغموض .
إن كاتب قصيدة النثر العربيّة وخصوصا ممن لا يُحسنون لغات أخرى قد وقعوا في شباك ما بعد الحداثة وأصبحوا يكتبون للتقهقر والفشل والهلوسة والخرف وأحيانا لبعض أعراض (مرض الزهايمر) وكل هذا طرحته أدبيات ما بعد الحداثة التي أشاعت مناظر الأنسجة البشريّة على شاشات التلفزيون وأدخلت الكاميرا والفنان إلى دورات المياه وتناولت القذارات في الأدب وسوى ذلك من مظاهر تمجيد الإنحطاط وبالتالي فإن قصيدة النثر العربيّة لا هي وليد شرعي لقصيدة النثر الغربيّة ولا هي قصيدة ما بعد الحداثة .
ولو تابع الشعراء هؤلاء ما يكتب غربيا باللغات الأصليّة كان من الممكن أن نشهد نوعا جديدا من الكتابة الفنيّة ولو تابعوا أيضا كتابات عزرا باوند أو توماس أليوت كنّا تحصّلنا على إيحاءات وكتابات ذات ملامح قدسيّة أومتماهية مع الكتب المقدّسة وفي الحال الأخير لا داعي لأن نتاثّر بأليوت أو باوند بل أن نتأمّل الآيات المقدّسة في مختلف الكتب السماويّة فهي آيات لم تُكتب بالوزن ولها موسيقاها الخاصّة سواء في حروفها أو كلماتها أو تناغم جملهابشكل محكم ولكنها طبعا ليست شعرا وهذا ما يقوله القرآن نفسه فهو ينفي صفة الشعر عن النبيّ (ص) إذا هو نثر مركّز أو شئ آخر سوى الشعر وهو يمكن أن يكون أسمى من الشعر ولكنه ليس الشعر الذي تطلبه الذائقة العامّة مما يمكن حفظه وتنغيمه والتغنّي به ويتناغم مع العواطف والمشاعر ويلبّي حاجات القلوب في الحبّ من الكراهية وفي البكاء من الفرح ولمّا كان الشعر من الفنون فإنه يتطلّب أن يمنح المتلقّي مشاعرا من الفرح أو الحزن وهو في غير تلك الحال ليس شعرا حتّى لو كان أرقى ما قالت البشر بعد كلام الله.وهكذا..
إن الشعر والشعراء في الشرق عموما وفي المجتمع العربي بخاصّة يتمتعون بمكانة كبيرة ومرموقة ولكنّه والحقيقة تُقال ليسوا على هذه المكانة في الغرب وربما تجد من لا يحتفظ له بموقع ومكانة محترمة فقد تجد أن الطبقات الأرستقراطيّة والعريقة لا تظهر قدرا كافيا من التوقير له ولهذا لم يرث في التقاليد العريقة مكانة توازي النحات مثلا أو الموسيقي ولهذا السبب تجد بعض الشعراء يجنحون شيئا فشيئا إلى التحوّل إلى الرواية أو الفكر المجرّد كالفلسفة وسواها أو إلى الدين واللاهوت لأن هذه الميادين توفّر توقيرا كبيرا وبتقدير كبير على خلاف الشاعر والأمر في مجتمعاتنا ليس هو نفسه إذ تجد شعر حافظ والخيام له شهرة ومكانة غاية في العمق والأثر لدى الأمّة الفارسيّة وكذلك شعراء الأتراك والأمر نفسه عند العرب عندما تتابع المتنبّي أو البحتري أو امرؤ القيس , سواهم وهو أي موقع الشعر والشعراء على نفس المنزلة لدى الأمم الهنديّة ولدى الصينيين ولعلنا نتذكّر طاغور ومدى ما تمتّع به من رفعة .
ويستغرب المتابعون مكانة شكسبير الإجتماعيّة أثناء حياته فيجد أن شكسبير كأنه صاحب مهنة أو حرفة كالصنّاع الآخرين فحينما عاد إلى داره بعد أن قدّم معظم مسرحياته توقّف تماما مثله مثل أي رجل يتقاعد من عمله ويتمتّع بأيّامه الباقية له وكلمة الصناعة والصنّاع هي ما نعت به أليوت شعر باوند حيث يسمّيه بالصنّاع الأمهر!وهذا يفسّر الكثير!وليس شأنه شان الشاعر العربي الذي يظلّ على كتابة الشعر ربما حتّى آخر لحظة من حياته مع بعض الإستثناءات بطبيعة الحال، ربما يعود ذلك لعدة أسباب منها مثلا كيفية النظر إلى الشعر بين مختلف أنواع الفنون الأدبيّة وكأنه أقوال بعيدة عن الصدق أو النفع ومنها أن الشعر عموما عندهم (تزييف ــ نقل وتقليد كما أسلفنا) للنصوص المقدّسة مع أنهم رقبوا جزالة التعبير وعمق المغزى في الآيات المقدّسة ولهذا يُدركون أنّه تزييف لا يستحقّ مكانة مذاق الثمرة الأصليّة وربما كان لرجال الدين والكنيسة أثرٌ عريض في الحطّ من محاولات التزييف المذكورة ونبذها لئلاّ يخرج عليهم من يدّعي ما يدّعي مما يتعارض أو يتنافس مع أقوال الربّ أو الأقوال المقدّسة بيد أن الشعر في عالمنا لم يتماهى مع الأقوال المقدّسة لأنه كان موجودا قبل الكثير من الكتب السماويّة وهو يتماهى في أبعد المديات مع الحكمة ربما فقط ، ولهذا يتحول هدف الشاعر الأوربي والأمريكي إلى التداخل مع الكلمة المقدّسة أو التقرّب من السلّم الكهنوتي ومفارقة مكانة الشاعر وهذا هو المحرّك الأساسي لولادة شعر عزرا باوند وتوماس أليوت وسواهما من الشعراء الأوربيين .
هل سمع أحدكم أن هناك جائزة لنوبل في الشعر ؟ نعم هناك للآداب ولكن لم يتم ذكر الشعر كماأن أحدا من الشعراء لم ينل جائزة نوبل للآداب سوى طاغور ومع أن طاغور شاعر ولكن طاغور كان أكثر من شاعر وأقرب للمفكّر بصورة عامّة وإلى الفيلسوف والمتأمّل الذي يطرح فكره عن طريق الشعر وهي بالتالي قريبة من فكرتنا من التماهي مع الكلمات المقدّسة وعبارات الكتب المقدّسة على الطريقة الهنديّة العاطفيّة وهي ليست رومانسيّة(إنبهاريّة) بقدر ما هي تمثيل وتشبيه بلاغي ولكنّه وفير المادّة الموسيقيّة كما أنّ الأمم الأوربيّة وأمريكا لا تقدّم لنا شعراء ولا تحتفي بهم كما يحلوا للعالم العربي أن يفعل أو جميع أمم الشرق تقريبا تفعله.
إن قصيدة النثر العربيّة تحتاج أن يواصل كتّابها قراءة النتاج الشعري للأمم الأخرى باللغات الأصليّة وأن يتخلّص شعراؤها من تأثير المترجمين ومن أسلوبهم الذي لا يستطيع أن يكون خالصا للشعر ولا هو من النثر وليس هو جزء من قصيدة النثر الأوربية أو الغربية كما أننا نودّ لو تخلّص شعراء النثر من تأثير أفكار ما بعد الحداثة التي هي ليست من قصيدة النثر أبدا ولا علاقة لها بها.
ومن ناحية أخرى نودّ أن ننوّه إلى أن عددا من القيود في كتابة الشعر يمكن أن يكون ذا فائدة كبيرة للشاعر على خلاف ما يتصوّر بعض دعاة التخلّص من جميع القيود المفروضة على شكل القصيدة من عروض وغيرها والفائدة يمكن أن نلخّصها في أن تلك القيود المختلفة من شأنها أن تضغط على العقل الواعي بقدرٍ محسوب لكي يُتاح للعقل الباطن أن يتخلل العقل الواعي لتظهر كثير من الفنون والتعابير والصياغات المكبوتة والمختزنة فيه ونعتقد أن هذا هو ما يتم اعتباره أو تسميته بالإلهام ومن هناك ياتي ما يُدعى بالوحي الذي يبتعد بالقصيدة عن الصناعة ويقترب بها من العبارة والكلمة الحيّة التي نحسّ ونشعر بنبضها وحيويتها ولهذا فإن الإبقاء على بعض القيود الشكليّة يُحافظ على تلك العمليّة الحيويّة والضروريّة كما أنّ التخلّص من جميع القيود الشكليّة (في الشكل) من شأنه أن يجعل الكتابة صناعة كما أسلفنا، ونعني أن تلك القيود في الشكل هي كالتسخين في عمليّة التفاعل الكيمياوي إذ بدونها لا يتم التفاعل المستهدففي عمليّة الإبداع.
(1) يُطلق تعبير التزييف على قيام الفنانين والرسامين بإعادة رسم اللوحات الشهيرة وتقليدها بشكل متقن ومطابق وهي عمليّة يمارسونها لغرض التعلّم وتفكيك أسس الرسم في الماضي وقد مارس هذا الفن كثير من الفنانين الكبار من أمثال بيكاسو ودالي وأعتقد ولكن لست متأكّدا أن ليجيه فعل ذلك أيضاوسواهم, وهي أعمال يجري القيام بها إلى يومنا هذا.
* مهندس ومنشغل بالثقافة