| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

سنان أحمد حقي

 

 

 

الخميس 29/11/ 2012

 

تعقيب رابع وأخير حول الوجود الروسي شرق المتوسّط.

سنان أحمد حقّي * 

أودّ أن أوضّح نقطة خلاف جوهريّة بين مقالي ومقال الأستاذ فلاح علي الموقّر ، يُحاول الأستاذ العزيز أن يجعل من مقاله بحثا أو تقريرا أكاديميّا بالإكثار من الشواهد والأسانيد والأرقام والمراجع .

في حين يُحاول كاتب هذه السطور أن يجعل من مقاله مقالا بالمعنى الأدبي والصحفي أي بمعنى أن تتوفّر فيه الفائدة والمعلومة إلى جانب المتعة والشكل الفنّي الذي يسمح باستخدام المجاز والعبارة الفنيّة والجمل ذات التوسّع بالمعنى بهدف عدم صرف القارئ عن الملل والإستغراق في التقريريّة.

هذا وتوجد نقاط خلاف أساسية علينا أن نركّز عليها وخلافه سيصبح جدالنا لا نهاية ولا نفع منه كما توخّينا في بدايته وأعني أننا لو تشبّثنا كلٌّ في زوايا فرعيّة قد لا تؤثّر على مفهوم المقال العام فإننا ربما سنسلك ما يُشبه منهج برنامج (Windows) حيث ننفذ من إحدى النوافذ وما هو إلاّ وقت قصير حتّى ننفذ إلى نافذةٍ أخرى وبالإستمرارنفقد بذلك هدف الحوار.

لا أستطيع الآن أن أراجع تفاصيل نقاشنا منذ بدايته لتشعّبه كما قلنا ولكنّني أستطيع فقط متابعة المقال الأخيرللأستاذ المكرّم بجزأيه مع بعض الإختصار لئلاّ نُثقل على القراء الكرام أكثر مما فعلنا لحد الآن وأعتبر ما لم يأتِ الأستاذ فلاح عليه من تحفّظات بمثابة إقتناع منه به .

كما أرغب أن أشير أيضا إلى أن الحقبة التي يتحدّث عنها الأستاذ العزيز حقبةٌ معاصرةٌ و حديثة ٌ جدا ولا يتطلّب الأمر معها إلى البحث عن المراجع والمصادر وأنه ما زال ممكنا أن نعتمد على الأحداث التي شهدناها وتابعناها سواء كشهود عيان أو بواسطة وسائل الإعلام والأخبار حيث تحتفظ بقوّتها ولا تتطلّب دفعها إلى التحليلات التخصّصيّة لأنها قد تخضع لإعادة إنتاج وهذا كما هو معلوم لدى أستاذنا الموقّرقد يضرّ بالحقائق إضرارا بالغا:

أوّلا: يُحاول الأستاذ المكرّم أن يضع شروطاعلى فيمن يُحاوره ويشترط مؤهلات محدّدة وشروطا أخرى للحوار والمواضيع التي يتطلبها ذلك فضلا عن وضع أهداف للمناقشة وهنا أقول أنني مواطن بسيط يفهم الأمور على ما هي عليه ولا أتّفق معه من أن مواطنا بسيطا غير مؤهّل حسب تقييمه وتقديمه في مطلع الجزء الأول لمناقشة مقاله ولو كان هذا صحيحا كان من المفترض به أن ينشر مقاله في إحدى الدوريّات العلميّة أو المجلات التخصّصيّة ولكنه طالما نشره في موقع عام فإنه لا يحق له أن يضع شروطا ومتطلبات لا في الشخص الذي يُحاوره ولا في موضوع الحوار، علما بأن الحقائق غالبا ما لا تحتاج إلى تخصّصات معقّدة ولا دقيقة حيث يُقال أن الحق أبلج.

ثانيا: إن مهمّة التوازن الدولي التي يُشير لها أستاذنا العزيزو كما ذكرنا سابقا لم تعد تخصّ روسيا وحدها بل هي من أهم ما يشغل بال العالم أجمع من ناحية وهي تتعلّق بالأعضاء الكبار في مجلس الأمن جميعا من ناحيةٍ أخرى ولم يعد يخدم قضايا السلم والتوازن في العالم أن تجعل روسيا منها مهمة تختصّ بها منفردة ومن المعلوم أن نقل المواجهات والتوازنات المختلفة إلى طاولات البحث والحوار يخدم قضايا السلم والأمن في العالم أكثر بكثير من الأفعال التي تُشبه تحركات القطعات العسكريّة على الجبهات حيث يُقدّم هذا الطرف بيدقا إلى موضع ما فيفهم الطرف الآخر أن المقصود كذا أو الهدف ذاك فيردّ عليه بخطوةٍ أخرى وهكذاــ أي ما أُسمّيه بلغة الصراع وليس الحوار ــ مما يسهم في تصعيد وضع المواجهات في الساحات الساخنة خصوصا في منطقتنا التي تُعدّ من أسخن مناطق العالم كما يعرف الأستاذ الموقّر اما إذا إذا كان هدف روسيا مصلحة الأمن والإستقرار في منطقتنا وبلداننا فلا نستطيع أن نقتنع بهذا الطرح لحد الآن بسبب ما أورده الأستاذ عن المحاولات العالميّة لاستعادة التوازن الموصوف ومنها ما يحصل في آلاسكا مثلا ، إن المهمة الموصوفة لكي تكون ذات نفع بعد أن نعيد النظر بالوضع الدولي عقب إنهيار الكتلة السوفييتيّة والمتحالفين معها هي السعي لمواصلة الحوار وكسب الأصدقاء والتأييد الدولي وكسب الرأي العالم العالمي والتحرّك من خلال مصالحهم الوطنيّة والإقليميّة (أي الأصدقاء)  ومتطلبات إستقرار تلك المناطق لا المساهمة في خلق أو زيادة التوتّر ولا أدري هل يعتبر الأستاذ المكرّم أن الوجود الروسي العسكري يُسهم في إستقرار وأمن من؟ لبنان؟ أم سوريا؟ أم فلسطين وإسرائيل؟ أم العراق؟ أم تركيا؟ أم مصر؟ أم الخليج والجزيرة العربيّة ؟ أم من؟ لقد بدانا نلمس سخونة التوتّر منذ الآن فلقد حذّرت روسيا تركيا من نصب صواريخ باتريوت بينها وبين سوريا وأصبحت لدينا منطقة ساخنة إضافيّة وهي ساخنة جدا لأنها توشك أن تُحقّق نقطة مواجهة بين الناتو وروسيا أي نقطة ساخنة على المستوى النووي بالإضافة إلى موضوع الصواريخ المزمع نصبها أوربيّا والخلاف الذي نشأ حولها.هل من المفيد مثلا نقل التوتّر من منطقة البلقان إلى شرق المتوسّط؟

ثالثا: إنني لم أقتنع لحد الآن أنه حصل الآن حالة قطبيّة أحاديّة وقد أيّدتُ فقط أن الولايات المتحدة حاليا لا نعتقد أنها تطمح بأكثر من موقع متميّز ولكن هي تُدرك أنها لا تستطيع أن تتزعّم العالم فهذاأمر يتطلّب قدرات أمنيّة واقتصاديّة هائلة وليس من صالح العالم أن نهوّل هذا الحال ونّسمّيه قطبيّة أحاديّة أي (نقدّر القضا قبل وقوعه) كما يقول أخواننا المصريون وبالتالي فأي بناء منطقي أو فلسفي على فرضيّة القطب الواحد حاليّا ليس مقبولا بالنسبة لي فأوربا مهمّة الآن وكذلك توجد أهميّة كبرى واعدة على المواقع المأمول الوصول إليها من قبل الهند وألمانيا والبرازيل وربما اليابان أو أحد نمور آسياهذا فضلا عن العملاق الكبير وهو الصين .إن التوازن أيضا أصبح من مهمّة الجميع وأن تحرّك روسيا لوحدها وأخذ مسؤوليّة ذلك على عاتقها في الوقت الحاضر وبعد أن أقرّت التنازلات الواسعة بعد انتهاء الحرب الباردة أمر نشكّ أنه يخدم قضايا السلم والإستقرارالعالمي إذ لا بدّ أن يكون هناك إعتبار لرأي المشاركين الآخرين الذين ذكرناهم بل ضرورة مساهمتهم.

رابعا: أودّ أن أذكّر الأستاذ العزيز أنني أنتقد منذ أول رأي لي الوجود الروسي شرق المتوسّط حاليّا وهذا إنتقاد يطرح في مضمونه مفهوم إقتراح مقبول وهو عدم المساهمة في تسخين المنطقة أكثر مما هي عليه من السخونة التي يتفجّر الوضع فيها كل حين وآخر وينذر بمواجهات دوليّة غير خافية لوجود عناصر تساعد على التفجّر السريع وأن شعوب هذه المنطقة قد نالها من الويلات ما لم تنله شعوب أوربا والإتحاد السوفييتي السابق في الحرب العالميّة الأخيرة لو أضفنا الخسائر الماديّة الهائلة وخسارة فرص التنمية والمبالغ التي أُنفقت على التسليح وإشغال شعوبنا بما لا يخدم مستقبلها أبدا.

خامسا: لقد أجبرنا الأستاذ المكرّم على الخوض في الأوضاع الإقتصاديّة لروسيا حاليا وعندما نُجيب على إحصاءاته والبيانات التي إستشهد بها يعود ليقول أنه غير معني بالوضع الإقتصادي وأنه يتحدّث عن التوازن الستراتيجي ومع ذلك أودّ أن أُشير إلى موضوع مهم جدا كنت قد كتبت فيه مقالا حول الخصّصة في روسيا فهي في الحقيقة  ملك العمال أقصد المعامل وأصولها الثابتة وليست تخصّ الحكومة وليست من ممتلكاتها فقد دفعت الطبقة العاملة مقابل إنتزاعها من أرباب العمل السابقين دما وأرواح ولا يحقّ للدولة أن تبيعها ولو وجدت أنها لم تعد تنتفع بها كان من المفروض عليها أن تُعيدها إلى المنتجين والطبقة العاملة لتتصرّف بها حيث أن الحكومة ليست هي المالك الحقيقي لها (لأن تأميمها حدث على أساس تمليك وسائل الإنتاج  إلى قوى الإنتاج مع خصم جزء للدولة من فائض القيمة).

سادسا: كيف يُمكن أن  يصبح بوسع روسيا أن تكون لها مصالحها وأن لا تكون لها أطماع ؟ إن التاجر الذي يدخل السوق ليس له هدف سوى الربح وهذه هي أبسط قواعد الإقتصاد والسياسة فليس بوسع هذا التاجر أن يتصرّف لمصلحة المشتري وإلاّ كان التجار طردوه من السوق بألف وسيلة ووسيلة و(قفاه يقمّر عيش) أيضا كما يقول أخواننا المصريون ــ وهذا لشيوع الحوار المصري في عموم البلدان العربيّة طبعا ليس إلاّــ

وليس بوسعنا أن نناقش النقاط الأخرى حول السياسة الراهنة لروسيا في المنطقة إذ أنها ما زالت مشاريع مواقف ولم يتأيّد لنا بعد صحّة أيّ منها ولا اتّضحت مصداقيتها بعد  وإنما هي نوايا لكن القابل من الأيام هو الذي سيُبرهن لنا مدى صدقها وإخلاصها وهذا نراه بسبب من أن تلك المواقف لا تصدر عن عقائد راسخة كما كان الأمر أيّام الإشتراكيّة مما يُطمئن الشعوب بشأن صدقها وهي على كل حال ليست مهمة الناقد أو المحلل لأنها تكون كذلك بعد أن تقطع مشوارا يسمح بالنظر فيها لما تنطوي عليه السياسة من تعدد الأطوار و سرعة تطوّر الأحداث.

يعود الأستاذ العزيز في الجزء الثاني إلى القول من أنه معنيٌّ بالتوازن الدولي وأنا أعود أيضا لأقول أن هذا لم يعد من مهام روسيا لوحدها بل هي مهمة العالم بأجمعه ولا سيما أوربا والقوى الصاعدة مثل الصين والهند وألمانيا والبرازيل وطبعا دول المنطقة ولن يكون السباق في الزعامة هنا خاضع للوسائل الستراتيجيّة العسكريّة بل للإقتصاد والبناء الإقتصادي الذي كان وسيبقى البناء التحتي لكل الأهداف الستراتيجيّة بكل أنواعها

سابعا: لا أجد في تعبيري بالمشاعر القوميّة ما يُسئ لأي طرف فمعلوم أن الشعوب تعتزّ بقومياتها وهذا أمر طبيعي ومفهوم ولكن إنتقال روسيا من الإشتراكيّة والأهداف الشيوعيّة إلى التخلّي عن كل ذلك بما فيها التثقيف الأممي حيث كانت المشاعر القوميّة لا تعتبر من أولويات الصراع الطبقي وبالتالي هبط التنادي بها إلى ما تحت الأرض ولكنه بعدما ذكرناه من تخلّي عن الأمميّة عادت تلك المشاعر إلى الظهوربسبب كونها ظواهر موضوعيّة وتاريخيّة لم يكن من الصائب قمعها، وأكرر أننا لم نشهد عودة هذه الظاهرة بالشكل الواسع إلاّ في روسيا وليس في كل بلدان العالم كما يقول أستاذنا الموقّر .

ثامنا: ليس سبب إهتمام الشعوب بإنجازات الإتحاد السوفييتي السابق العلميّة ناجم عن كونها إنجازات علمية مثيرة ومبهرة وحسب بل لسبب مهم وهو لأنها تصدر عن قوى متحالفة معها (مع الشعوب المستضعفة) وعن دولة العمال والفلاحين الذين لم يكن أحدٌ يؤمن بأنهم أي العمال والفلاحين سينجحون في إدارة دولة حديثة يمكنها أن تصل بهم إلى مصاف أكثر الكيانات الدوليّة تقدّما ورقيّا بل إلى الحد الذي تستطيع معه سحق النازيّة المتغوّلة.

تاسعا: لا أتكلّم عن جوانب فنيّة في تعليل الوجود الروسي شرق المتوسّط إن كان في المياه الإقليميّة أو الدوليّة وما إلى ذلك، بل أحاول أن أنتقد الأهداف والمقاصد امّا الكيفيّة فهي تخضع للأهداف والمقاصد المشار إليها .

عاشرا: قبل أن أبيّن مصادر معلوماتي حول مشروع حرب النجوم أودّ أن أُبيّن للأستاذ الفاضل أن هناك بونا كبيرا ربّما لا يُشكّل عذرا مقبولا بالنسبة له ولكن وجب أن أذكره الآن فالأستاذ الكريم يتوفّر له الحصول على ما يُريد من المراجع والمصادر والكتب والصحف ليُعزّز بها آراءه ومقاله ولكنّني أعتمد على الإنترنيت فقط الآن لأن جميع أو أغلب ما كان معي من مراجع وكتب وصحف لم تعد موجودة بسبب ظروف التهجير المؤسفة ومع ذلك أقول أنني كنت سمعت في راديو موسكو في حينها أي ربما بعد 87 أو قبلها ولا أتمكّن من التحديد إعتمادا على الذاكرة فقط وفي مقابلة مع أحد العلماء المتخصّصين بالصواريخ والصواريخ المضادّة سمعته يقول أن مشروع حرب النجوم مشروع يمكن إختراقه بأية قذائف وإن كانت صغيرة لأن شكل منظومة المشروع طوبولوجيا (نسبةً إلى علم الـ Topology وهو علم مختصّ بهندسة الفضاءات المتحوّلة والمتغيّرة Deformed  بالإستناد إلى علوم المجموعات ) تشبه قشرة رقيقة جدا و كبيرة جداعلما أن أحد خواص تلك العلوم هو إهمال القص أو الإلتصاق وهكذا ولا يحضرني تفاصيل تصريحه ولا تحليله ولستُ مؤهّلا للخوض في علوم غاية في التعقيد وتعلمون أن الإعلام هذه الايام له القوّة والمصداقية حتّى في وثائق الأمم المتّحدة حيث لم تكن تُقبل في الماضي القريب وهكذا نجد أن العلماء الروس هم أنفسهم الذين شكّكوا بأهميّة مثل هذا المشروع قبل سواهم وأن طرحه ربّما كان لغرض تعجيز الإتحاد السوفييتي عن مسايرة الولايات المتحدة إقتصاديّا وأنه سيُدخل الإتحاد السوفييتي في خانق إقتصادي كبير في نفس الوقت الذي كان الإتحاد السوفييتي يُعاني من ضائقة إقتصاديّة كبيرة.ولو كانت تسجيلات محطة الإذاعة السوفييتيّة ( موسكو ) موجودة لحد الآن لربّما أمكن الوصول إلى تلك المقابلة للتعرف على العالم المقصود وتفاصيل تحليلاته تلك. ( من المعلوم أن أكبر علماء العالم في الصواريخ هم العلماء الروس كما أن علم الرياضيات الذي يعتمد عليه مثل مشروع حرب النجوم ووصف الشبكة الأساسية للمشروع لا يوجد أحد يستطيع أن ينافس فيه العلماء الروس بسهولة ولا في أفضل  بلدان العالم تطوّرا).

هذا وبعد أن أوسعنا الحديث بحثا أنا وزميلي في الحوار الأستاذ الموقّر فلاح علي وحيث قد نكون أثقلنا على القراء الكرام فإنني سوف لن أتابع الموضوع بعد هذا وأتقدّم بالتحيّة والتقدير للأستاذ فلاح علي ولموقع الناس الذي واصل تعقيباتنا بصبر وطول بال وأناة وسمح بنشر مماحكاتنا ولجاجاتنا الطويلة وإلى القراء الأفاضل الذين تابعوا حوارنا مشكورين وكذلك أرغب أن أتوجّه إلى الشعب الروسي الصديق بأسمى آيات المودّة وأتمنّى على كافة الأوساط السياسيّة والإقتصادية في روسيا الصديقة وفي بلدان الشرق الإسلامي جميعا أن يعملوا على تعميق أسس الصداقة والسلم والأمن كلما أمكن ذلك وعلى أسس نزيهة كما تعوّدنا أن نلمس من أصدقائنا في روسيا خصوصا في شئوننا المصيريّة لكي يكون لنا نصيب في المشاركة في صنع مستقبل البشريّة وأمّنا الأرض.

مع وافر التقدير.

  

* مهندس ومنشغل بالثقافة

 

 

free web counter