| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 24 / 3 / 2016 راهبة الخميسي كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس
ابوح بما تحدثت لي ناهدة الرماح
(1)راهبة الخميسي
(موقع الناس)
(لا امتلك غير كرامتي ومفتاحا بلا وطن)
(كم أفرحتني وأعادت لي الأمل من جديد رسالة المثقفين ألتي أرسلوها الى رئاسة الجمهورية قبل أيام) هكذا ابتدأت ناهدة الرماح حديثها معي قبل ايام قليلة, وتقصد بذلك الرسالة التي (وجهتها أنا) وبتخويل موقع من قبل عشرات المثقفين العراقيين الى مكتب فخامة الرئيس العراقي جلال الطالباني, ومكتب رئيس الوزراء الدكتور ابراهيم الجعفري. والتي : طالبنا فيها ان تنصف الدولة العراقية ابنتها الفنانة الكبيرة ناهدة الرماح. في هذا الزمن الرديئ حيث السكين تقطع أوصال الورود.واضافت ناهدة القول: (عيوننا فداك يا ناهده الرماح), أخذت من جديد كلمات الناس هذه تطرق ابواب ذاكرتي المغلقة, تلك الكلمات التي سمعتها منذ سنين وفي مسرح بغداد حين فقدت بصري عندما كنت أعرض مسرحية (القربان) لغائب طعمه فرمان آنذاك, سمعتهم من جديد يقولون ذلك في عالم عزّت فيه حتى الكلمة الطيبة (الصدقة)! كل الاصوات التي كانت تبتهل لي بالدعاء الصادق طرقت أسماعي مرة أخرى فكان قلبي يخفق في صدري كطائر حبيس يريد الانطلاق من شدة الفرح, وبعد السنوات العجاف عاودني الأمل كفيضان ربيعي في صحراء حياتي القاحلة. وبين دموع الفرح والترح والقسوة والحنان التي اختلطت عليّ عبر الاثير عاودت ناهدة الرماح ذكرياتها بالقول: تذكرت حين قال لي الاطباء ومنهم الدكتور فائز تبوني والدكتور عادل الموسوي: (أن هنالك أملا كبيرا في عودة النور الى بصرك بعملية جراحية معقدة لزرع الشبكية.) عادت اليوم بي الذاكرة الى تلك السنين الطوال, وبدأت أخطو مع تلك الحياة خطوة فخطوة, الى الوراء! رأيت ناهده إسماعيل القريشي بنت أبو محمد ـ الطفلة الجميلة التي يسكن أهلها منطقة (الحيدر خانه) في بيت شرقي جميل في أحد تلك الأزقة بين بيوت الجيران الذين يأبى الضمير إلا أن يحتفظ لهم بأجمل الذكريات: بيت أم خليل الى يمين بيتنا وبيت أم حسن الى اليسار وبيتنا يتوسط هذه البيوت ببابه الكبير الأسود ذي المسامير الذهبية الكبيرة, ومطرقة ثقيلة كأنها قطعة من الشمس البغدادية ليس لها مغيب ـ بيتنا بباحته المربعة الكبيرة التي تحتضن وسطها نخلة التمر اللذيذ والى جوارها شجرة النبق (السدر), ولا يزال ذلك السلم الذي يؤدي الى الطابق الثاني من ذلك البيت, لا يزال يحملني بين الحين والآخر الى غرف البيت الكبيرة العالية التي تتزين شبابيكها الكبيرة بشناشيل تطل على الزقاق, تلك الشناشيل التي هي مرتع لذكرياتي الجميلة والتي أعتبرتها مدخلا لمذكراتي التي بدأت بتسجيلها منذ فترة.
وتطوف ناهدة الرماح مع صباها في ازقة بغداد وحاراتها واهلها الطيبين: تأخذني الذاكرة فأرحل معها الى منطقة الكرادة الشرقية حيث بيتنا الذي إنتقلنا اليه والذي يطل على نهر دجلة ألذي طالما سهرت معه ليال طوال تحاورنا وتناجينا وإختلقت بيني وبينه شخصيات كثيرة تتحدث لي وأتحدث اليها طوال تلك الليالي والتي كان لها ألأثر الكبير في حبي لفن التمثيل منذ ذلك الزمان. وتمسك ذاكرتي بيدي لتقودني الى مناطق بغداد التي تنقلنا اليها من بيت الى بيت لألتقي هناك بالصدفة التي قادتني لأن أكون ممثلة وأؤدي دورا مهما في عالم السينما العراقية لأكون (معصومه) في فلم (من المسؤول) الذي تدور أحداثه في إحدى محلات بغدادي الجميلة. (هكذا تسمي الرماح مدينة بغداد). نعم لقد كنت (معصومة) فعلا وتعاطفت مع شخصيتها حتى شعرت أنني هي وأديت دوري بهذا الفلم العراقي الذي هو أول خطوة لي في عالم الفن والسينما العراقية.
بعد هذا الفلم دخلت عالم المسرح العراقي من خلال فرقة المسرح الفني الحديث عام 1957 حيث مثلت دورا في مسرحية (الرجل الذي تزوج إمرأة خرساء) ألمترجمة عن الفرنسية وأذكر أن ألزميل (عبد الله حبه) هو الذي مكيجني في هذه المسرحية وكانت زوجة الرسام (إسماعيل الشيخلي) السيدة الفرنسية (سوزان) هي المسؤولة عن تجهيز الملابس لممثلي تلك المسرحية, (كنت صغيرة... صغيرة). لا أنسى اللحظة الأولى التي وقفت فيها أمام الجمهور حين فتحت الستارة وأنا أرتجف وأستمع الى صوت يقول لي :خذي نفساً عميقاً, خذي نفساً عميقاً. نزلت درجة فدرجة لاكون في منتصف قاعة المسرح فسمعت همهمات الجمهور, سمعت دقات قلوبهم, فأنتشيت, إنتعشت وفرحت ,أحسست بيد كبيرة تصافحني ألا وهي يد المسرح العراقي, كان ذلك على قاعة مسرح الملك فيصل, وكان أول وجه ألتقيه من بين الجماهير الجالسة هناك هو وجه أمي الذي طالما كان حزيناً باكياً فجاء ليكتسب مسحة من الفرح من خلال ظهوري على المسرح ولأول مرة, فكان هو دافعي للإستمرار والتقدم في عملي الفني.
ومرت بي الأعوام وأنا أخدم حركة المسرح العراقي بكل أمانة من خلال ما قدمته من أعمال فنية مسرحية كثيرة لن أنساها ولن ينساها جمهوري الحبيب الذي يردد الى الان كلماتي في (من المسؤول ,النخلة والجيران ,الضامئون, ست دراهم, يوم آخر,نفوس, المفتاح, حكاية الرجل الذي صار كلبا, والقربان التي كانت شاهدا على مأساتي حين فقدت بصري على مسرح بغداد وأنا أؤدي دوري بها كما قلت), ولن أنس وقتها كيف أن جمهوري الذي حضر هذا العرض المسرحي أحاطني من كل جانب وهو يدعو لي بالشفاء ولا تزال أصوات الرجال والنساء تملأ مسامعي حتى هذه اللحظة: (عيوننا فداك يا ناهده الرماح), لن أنس تلك الليلة التي رجعت فيها الى بيتي لأجد باقات الزهور تملأ داري وحشود المحبين وهم يرفعون رؤوسهم يدعون من الله وينذرون النذور لسلامة عينيّ , لن أنس ما حييت ذلك الشيخ الكبير الذي حضر الى بيتي في ذلك اليوم ليتوسلني أن أقبل مساهمته المتواضعه لعلاج عينيّ وكانت مبلغ عشرة دنانير كان قد وفرها هذا الرجل الفقير لعائلته ولأولاده التسعة الذين كان هو المعيل الوحيد لهم ولا يملك غيرها, ولا أنسى النساء اللائي كن يرددن بصوت صادق: (إذا كان ممكناً أن نمنحك بصرنا في عملية جراحية فنحن جئنا لهذا السبب يا ناهده).
وحين سافرت الى لندن وأجريت العملية الاولى لعينيّ رجعت الى بغداد لأرى جمهرة كبيرة تتقدمها فرق الموسيقى والجوبي العراقية لتزفني كعروس لبلدي بين أهازيج وأغاني المحتفلين بوصولي الى العراق. لقد كانت قلوب جمهوري معي منذ لحظة فقداني لبصري والى الآن أو ليس رداً مني على هذا الحب الصادق الكبير أن أردد دوما بأن جمهوري هو نور عينيي الذي أرى من خلاله كل العالم؟ لقد منحني هذا الحب تماسكا وإصرارا كبيرين لأصمد أمام مأساتي التي أنا فيها وأحافظ على كرامتي التي لم أساوم عليها يوما حتى في أحلك الظروف التي تعرضت لها في العراق, والتي كان أولها محاربتي ومطاردتي وحتى إجباري على ترك عملي الذي أحببته وأخلصت اليه.
2005
* ناشطة مدنية - السويد