| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

راهبة الخميسي

 

 

                                                                                    الأثنين 23/5/ 2011

 

دوائر في الذاكرة
1921-1958

راهبة الخميسي

تختزن ذاكرة العراقيين, الكثير عن دائرة البريد والبرق والهاتف العراقية, لما قدمته للعراقيين من خدمات.
تأسس البريد العراقي عام 1874 في العهد العثماني وعندما جاء الانكليز الى العراق, قاموا بتنظيم دائرة البريد والبرق والهاتف, بشكل أوسع, وكان يديرها ضابط انكليزي على النمط البريطاني آنذاك.
لقد كان ساعي البريد, يتجول في أحياء المدينة لتوزيع الرسائل, واصبحت بينه وبين المواطنين علاقة حميمة, فهو الذي ينقل لهم أخبار الاحبة, متحدياً جمر القيظ, وقرص الشتاء وأمطاره, وصعوبة الوصول الى اماكنهم,
فلطالما تعرض سعاة البريد الى المصاعب, والى شتى انواع الاذى والحوادث الخطيرة, وتعرضوا للموت وهم يجولون في الطرق المحفوفة بالمخاطر, من اجل ايصال الرسائل والطرود, ومن اجل ادخال الفرح والطمأنينة الى نفوس الناس..

لقد كان التواصل بين العراقيين في الالوية والاقضية يعتمد على الرسائل والبرقيات, واعتقد ان الكثيرين من الاجيال الجديدة لا يعرفون شيئاً عن البرقيات, والتي هي تشبه الرسائل التي ترسل عن طريق الفاكس.

وقد كانت أهم صفات ساعي البريد هو تحليه بالامانة, ومن لم يكن أميناً فانه لا يصلح لهذه المهنة.
وكان حرصه على حقيبته الجلدية التي يحملها خلال عمله ويحفظ بها الرسائل, كحرصه على ممتلك شخصي ثمين, فهو يلتصق بها كما يلتصق الطابع على ظهر مظروف الرسالة.

وكان سعاة البريد يرتدون زياً خاصاً مميزاً.
وكان ايضاً ان أغلب الذين يعملون في هذا القطاع, هم من حملة الشهادة الابتدائية, ولكنهم ومن خلال علاقاتهم التي توطدت مع الاخرين, قد حظوا بفرصة كبيرة لتثقيف انفسهم, وقراءاتهم المستمرة للكتب التي تهدى لهم من قبل بعض المثقفين من الشخصيات المهمة التي ارتبطوا معها بعلاقات حميمية, كالكتب الادبية, ودواوين الشعر, مما عوضهم عن الشهادة عند البعض منهم, واقصد منهم الذين اصبحوا دائبين على القراءة والمطالعة .

ولقد كانت هنالك اماكن خاصة لصندوق البريد المنزلي, حيث توضع فيه الرسائل من قبل موزع الرسائل الذي هو ساعي البريد, كما هو موجود الان في الدول المتقدمة.

وكانت هذه الدائرة تتمتع باستقلالية الى حد كبير, فعلى سبيل المثال, عندما قامت ثورة 14 تموز عام 1958 إنهالت برقيات التأييد الى قادة الثورة عن طريق دائرة البريد, دون إعتراض أو تردد في ارسال هذه البرقيات وايصالها, وقد كتب الشهيد سلام عادل في مذكراته, أنه ذهب في صبيحة يوم الرابع عشر من تموز أي في اليوم الاول للثورة, ذهب الى دائرة البريد والبرق في شارع الرشيد, وأرسل برقية تأييد الى قادة الثورة, باسم الحزب الشيوعي العراقي, وقد أذيعت هذه البرقية.

وكان ساعي البريد أو موزع البريد يسمى ايضا البوسطجي, والكلمة مأخوذة من بوست الانكليزية.
وقد ارتبطت هذه المهنة حتى في الاغاني والتراث, ولوعات المحبين وانتظاراتهم لاخبار احبائهم (عندي صورة وصاحب الصورة بعيد...وانتظر ساعي البريد),
(رسالة للولف مني لوديها و قطعة من العتب والله لسويها), وغيرها.

أما اليوم فلقد تغيرت المراسلات بسبب الثورة المعلوماتية, واصبح التواصل عبر الانترنيت والتلفون النقال, وقد فقدت الرسائل بهذه الطريقة ما كان يرافقها من شوق ولهفة الانتظار, وكأنها بذلك فقدت الوانها وطعمها ايضاً, اضافة الى انها تسببت في خلق الوحشة والفراغ في حقائب سعاة البريد.

واضافة لهذه الخدمة في دائرة البريد والبرق والهاتف, كانت هنالك صناديق التوفير, حيث كانت هذه الدائرة تقدم خدمة أخرى للمواطنين, وهي ان كثير من المواطنين كانوا يفتحون لهم حسابا في دائرة البريد للايداع فيها, وهي خدمة مصرفية اضافية الى الخدمة البريدية, أما الجزء الاخر من هذه الخدمة فهي الخدمة الهاتفية, حيث كان المواطنون لا يملكون خطوط هواتف على نطاق واسع, وكانت الخدمة الهاتفية محدودة جدا. ولذا كان المواطن يضطر للذهاب الى دائرة البريد للاتصال مع المدن الاخرى من هناك.

يصادف يوم البريد العراقي في 21 نيسان , فتحية لعمال وموظفي هذا القطاع الجميل الذي يدان له الكثير من العراقيين الذين عاصروا فترته الجميلة, والتي لا تنساها الذاكرة العراقية, فهي ومضات أسرج فيها النور بقلوب الاهل والاحبة, وستبقى جزءا مهماً في تاريخ العراق.

وتحية لساعي البريد, ولمأمور البدالة, ولكل من عمل في هذه الدائرة العريقة في ذلك الزمن في عراقنا الحبيب.

ومن الدوائر الاخرى في الذاكرة, دائرة الكمارك والمكوس العراقية.
فلقد ساهمت هذه الدائرة في رفد الاقتصاد العراقي بعوائد كبيرة, والتي ساهمت الاخيرة (العوائد), بدورها في تغطية الميزانية العراقية آنذاك, اذ كانت الكمارك تفرض على كافة السلع المستوردة, وبنسب مختلفة, وكان للدائرة المذكورة هدفان, الاول هو فرض ضرائب على السلع المستوردة كالسيارات, والسلع الكهربائية, والملابس, والمواد الغذائية وغيرها لتغطية جزء من ميزانية الدولة.

وكان الهدف الثاني هو حماية الصناعة الوطنية النامية آنذاك, ولذا نجد أن الكثير من الصناعات نشأت في العراق والتي قام بها القطاعان العام والخاص, أما المكس فهو الضريبة المفروضة على السلع والخدمات المحلية, كالسكائر والمشروبات ودور السينما, والملاهي, والمسارح, فكانت علبة السكائر مثلا تلصق عليها ورقة بمبلغ معين هي حصة الدولة ويكتب عليها كلمة مكس.

أما اليوم, فنجد هذه الدائرة وقد انتشر في مفاصلها الفساد, وأدى الى دخول السلع الرديئة, وتكاد لا تذكر العوائد التي تعود للدولة, في حين تشير الاحصائيات أن ما استورد للعراق خلال عام 2010 يصل الى 50 مليار دولار, ومن المفروض أن حصة دائرة الكمارك من هذا المبلغ لا تقل عن 10 مليارات دولار تصب في خزانة العراق, ولكن ...!!!

 

السويد
 

 

free web counter