راهبة الخميسي
ثورة الفيس بوك
راهبة الخميسي
دأبت الحكومات التي جاءت عن طريق الانقلابات العسكرية في الاقطار العربية, منذ أوائل الخمسينات من القرن العشرين, على طرح شعارات وطنية, ووعدت شعوبها بالحرية والتحرر والرفاه, وكان أغلب هؤلاء الثوار الذين تسلموا مقاليد الحكم, من طبقات شعبية, ففي مصر مثلا, كان القادة من عموم الشعب المصري في ثورة يوليو عام 1958, ومنهم جمال عبد الناصر ابن الموظف البسيط, وأنور السادات ابن العائلة الفلاحية, وآخرون من الثوار, فهؤلاء ذاقوا مرارة العوز والحرمان والكبت, قبل ان يتقلدوا مناصب الحكم في بلدانهم.
لكن ما الذي تغير بعد ثورة يوليو في مصر؟
ولكي لا نبخس حق أحد, فلقد قام الراحل جمال عبد الناصر, بسلسلة من الاصلاحات, منها إصدار قانون الاصلاح الزراعي, وتوزيع الاراضي على الفلاحين, بعد انتزاعها من الباشوات.
وأمم قناة السويس عام 1956, وأعادها الى السيادة المصرية, وساند الشعوب العربية والافريقية, ودعم حركاتها التحررية.
ولكن, من جهة اخرى, فانه قمع الحريات السياسية في مصر, والغى اجازات الاحزاب التي كانت ِيبق امام الشعب المصري الا اللون الواحد والقائد الاوحد, والصحافة التي تنطق باسم السلطة.
واذا ما قورن بين ما كان في مصر قبل عام 1952 وما بعدها, نجد ان التعددية, والصحافة المتنوعة, كانت في زمن ما قبل الثورة.
وبعد رحيل عبد الناصر عام 1970, تسلم انور السادات السلطة في مصر, واستمر نظامه بما كان سائداً قبله, مع بعض الانفتاح الاقتصادي والسياسي, ولكن بحدود بسيطة.
قتل السادات عام 1981, وتسلم نائبه حسني مبارك, السلطة, فعزز سلطاته السياسية, وترأس الحزب الوطني الذي أصبح حزب السلطة, كما هو الحال في حزب البعث في العراق مابين 1968_2003 فلأعضاءه, الوظيفة الجيدة والامتيازات, والايفادات, وللاخرين الفتات, اضافة الى كثرة السراق والفاسدين, الذين يتسترون بالانظمام الى الحزب الحاكم.
توسعت الهوة ما بين الحزب الوطني, وبين طبقة الشباب المصري الواعي, والطامح للحرية, والحياة الافضل, اسوة بشعوب العالم.
وكانت نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المصرية, من أوطأ النسب بين الدول على الاطلاق, فلم تصل في احسن الاحوال الى 30%, ممن يحق لهم التصويت, ولكن الرئيس المصري حسني مبارك, لم يكن يأخذ هذا المؤشر بالحسبان, فان مقاطعة الانتخابات تعبر عن رفض, وتمرد على ماكان يجري في مصر.
وكان آخر ما قام به مبارك, هو تزوير الانتخابات البرلمانية (مجلس الشعب), على نطاق واسع في نوفمبر2010, مما دعا عدداً كبيراً من المرشحين في احزاب المعارضة, للانسحاب وترك الساحة السياسية له ولاعوانه, مما أدى الى احباط كبير في نفوس الشباب المصري, فكانت انتفاضة 25 يناير, ووقعت المواجهة بين الجيل الجديد (جيل الفيس بوك) , والجيل القديم.
ومما يذكرنا بحصان طروادة الخشبي قبل 3000 سنة, عندما وضع بداخله عدد كبير من الجنود, وخرجوا فجأة في ارض المعركة, هو ماشاهدناه من مشهد غريب يوم الاربعاء 28 يناير, حيث كانت الجمال والخيول التي تحمل على ظهورها حيواناتاً بهيئة البشر, وهي تتوسط ميدان التحرير, وخلفها قطعان ( البلطجية ) التي سخرها النظام لقمع الشباب الاعزل.
ان العالم تغير, وكان على النظام ان يبحث عن اسلحة اخرى يواجه بها العقول التي ارتقت بها الحضارة في زمننا هذا.
تحية للشعب المصري بانتصاره ضد الظلم والفساد, والى نهضة حضارية وتنموية, تساهم في تغيير وجه مصر السياسي والاقتصادي والثقافي.
تحية لهذا الشباب الرائع الذي قام بنتظيف ميدان التحرير, والميادين الاخرى, ليسجل بذلك انتصاراً اخراً على التخلف, وليعطي صورة مشرقة لثورته التي ستكون نبراساً لكل الشعوب الساعية نحو الحرية والتقدم.
السويد