د. رياض الأمير
الثلاثاء 5/5/ 2009
أقزام الحرب الباردة الجديدةد. رياض الأمير
في بداية خمسينات القرن الماضي بدأت حرب باردة بين عملاقين كانا يسودان العالم فمن جانب كان الاتحاد السوفيتي ومعه منظومة أوربا الشرقية التي شيدها بعد الانتصار على الفاشية الألمانية وفي الجانب الآخر كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها أوربا الغربية أو الديمقراطية الغربية ضد أنظمة الحزب الواحد والزعيم الواحد. كلا المعسكرين كانا يملكان إمكانيات تسليحية هائلة ودعامة اقتصادية كبيرة ٬ لكن المعسكر الغربي لتفوقه الاقتصادي والتقني آنذاك استطاع من إنهاء الاتحاد السوفيتي وتفكيك منظومة أوربا الشرقية بالضربة القاضية في نهاية ثمانيات القرن الماضي. واليوم تحاول بعض الدول من إيجاد محور جديد يعيد إلى العالم مواجهات الحرب الباردة التي انتهت وأراحت البشرية منها.حاول الرئيس محمود احمدي نجاد في حديثه الأخير لشركة إعلام أمريكية عندما قال :" إن المتغيرات الأخيرة دفعته لإعادة تقديم حزمة الموضوعات التفاوضية مع الولايات المتحدة٬ لكنه لم يبين كنهها من اجل اجتذاب الرئيس الأميركي الجديد الذي أمضى مائة يوم في الرئاسة واجتازها بنجاح وحقق خلالها رضىً شعبيا كبيرا في الولايات المتحدة وحتى في أنحاء العالم، وفق نتائج العديد من الاستطلاعات. وفي الطرف الثاني في نظامه أعلن احمد خاتمي في خطبة صلاة الجمعة إلى عدم حصول تغيير في سياسة اوباما، على رغم مرور مئة يوم على تسلمه مهماته. وقال:" إن اوباما يتبع نهج الرئيس السابق جورج بوش حول إيران، ويقول إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة. الشعب الإيراني٬ رمى كل هذه الخيارات في مزبلة التاريخ". مما دفع وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون على التصريح :"اعتقد إن ذلك برهان على مدى صعوبة التعامل مع هذه الحكومة، فهم لا يبالون حتى بحقوق الإنسان".
وقبل أن يضع النظام الإيراني ملفاته العالقة مع جيرانه من الدول العربية على طاولة مفاوضات سلمية من اجل امن المنطقة او إغلاق الملفات العالقة مع المجتمع الدولي ٬ الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي حول برنامجه النووي يحاول خلق محور بينه وبين نظامين متعبين في أمريكا اللاتينية ؛ نظام الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز في فنزويلا والنظام الكوبي المترنح أصلا. إن اندفاع نظام طهران صوب أمريكا اللاتينية ليس حبا في مساعدة شعوبها في الأزمة الاقتصادية الحالية التي ضربت أيضا المواطن الإيراني٬ وإنما لان كلا النظامين الكوبي والفنزويلي يعاديان الولايات المتحدة .
فبعد التقرير الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية عن الدول التي تساعد الإرهاب بالخصوص دعم إيران لفيلق القدس وحدة النخبة في جهاز الحرس الثوري الإيراني ولحركة حماس وحزب الله وللمتطرفين في العراق ولطالبان في أفغانستان ٬ ندد وزيرا خارجية إيران وكوبا (منوشهر متكي) و(برونو رودريغيز) ، ووصفا السياسة الأميركية بالعنصرية. وأيد ذلك وزير الخارجية الفنزويلية نيكولاس مادورو العضو الثالث في مثلث دعاة الحرب الباردة - الساخنة الجديدة. ومن الغباء إطلاق صفة السياسة العنصرية الآن على الولايات المتحدة ٬ خاصة بعد انتخاب مواطن من أصول افريقية رئيسا لها .
في كاراكاس ، قال وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار خلال لقائه الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز،:" ان طهران عازمة على الاستفادة من إمكاناتها لتعزيز القدرات الدفاعية لفنزويلا، في إطار مذكرة التفاهم للتعاون الدفاعي بين البلدين التي وقعها نجار مع نظيره الفنزويلي رامون كاريزالس. وليس معروفا للعاقل كيف تستطيع إيران مساعدة فنزويلا عسكريا في حالة تعرض الأخيرة إلى هجوم ما ؟ ومن اجل الاندفاع في سياسة إشعال فتيل حرب وكراهية في أمريكا اللاتينية يخطط الرئيس نجاد إلى زيارتها خلال هذا الشهر لإظهار متانة علاقة نظام طهران مع الأنظمة المعادية للغرب والولايات المتحدة تحديدا.
إن تلك الزيارة مؤشر سيئ لنقل خبرة طهران في التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى وإشعال حروب متعددة على أراضي الغير وكذلك دعم التطرف ومعاداة العالم اجمع عبر بؤرتي كوبا وفنزويلا لزعزعة امن واستقرار القارة. مما لا شك فيه بأن الرئيس الإيراني سيقوم بإلقاء خطب لا تختلف قط في جوهرها عن كلمته في منتدى مناهضة العنصرية في جنيف التي قال عنها أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون: "إني آسف لاستغلال هذا المنبر من قبل الرئيس الإيراني بهدف توجيه الاتهام والتسبب بالانقسام وحتى الاستفزاز". وتابع :"من المؤسف تماما ألا تلقى دعوتي إلى احمدي نجاد للتطلع نحو مستقبل موحد آذانا صاغية لديه".
ورأى في كلام احمدي نجاد تعارضا مع أهداف هذا المؤتمر. واحتجاجا على ذلك ترك القاعة أربعون وفدا. وقالت شبكة بي بي سي الإخبارية أن كلمة أحمدي نجاد تعتبر كارثة بالنسبة للعلاقات العامة في الأمم المتحدة . فالأمم المتحدة كانت تتطلع إلى أن يكون المؤتمر نموذجاً رائعاً لتكاتف الدول، بين الأقوياء والدول الضعيفة، بين الأثرياء والفقراء وضد الظلم والجور، ولكن ما شوهد هناك لم يكن إلاّ الثغرة والخلافات والنزاع والنكسة والغضب٬ ولذلك يعتبر الأمر كارثة عظيمة في العلاقات الدولية للأمم المتحدة. في حين كان من المثير للسخرية والاشمئزاز أن يتحدث رئيس النظام الإيراني عن التمييز العنصري وهو الذي يمارس اشد أنواع التمييز ضد القوميات الأخرى ومنها العربية في عربستان ضد الأقليات الأثنية٬ نظام من أكثر الأنظمة مناهضة ضد حقوق المرأة حيث النساء محرومات ليس فقط من حقوقهن الأساسية بل تم إعدام آلاف منهن حتى الآن لمعارضتهن النظام وتتعرض عدد كبير من النساء يوميا للاعتقال والتعذيب بحجج واهية مثل سوء التحجب.
ان احمدي نجاد رئيس نظام أدين 55 مرة من قبل مؤسسات الأمم المتحدة لممارسته التعذيب المنظم والعقوبات القاسية. نظام سجل رقما قياسيا مقارنة بعدد سكان إيران٬ حيث تم إعدام 120 ألف سجين سياسي خلال ثلاثة عقود وفي كل عام في السنوات الأخيرة تم شنق حوالي 400 شخص أمام الناس باستخدام الرافعات. فكيف للرئيس الإيراني الذي يمثل نظاما له هذا السجل الأسود أن يقدم نفسه ونظامه لشعوب أمريكا اللاتينية التي تتمتع المرأة فيها باستقلالية وحرية كبيرة ؟