د. نبيل الحيدري
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(4)نبيل الحيدرى
وصلت الحلقة الثالثة إلى الصلح بين النظامين العراقى والإيرانى بعد موافقة ولى الفقيه الخمينى الذى اعتبره كتجرع السم إرضاء للإيرانيين بعد استغراقهم فى إطالة الحرب ومزيد من الدماء والمعوقين والنكبات. كان الصلح والتطبيع يمثل صدمة حقيقية للمعارضة العراقية خصوصا حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق الذائب كليا فى ولاية الفقيه والمراهن على استحالة الصلح تحت شعارات ولى الفقيه (الصلح بين الكفر والإسلام خيانة لله وللرسول) (الخمينى يسلم الراية للمهدى المنتظر) (صدام ساقط لامحالة ولن يحييه حتى السيد المسيح القادر على إحياء الموتى). طبعا المجلس كان يمثل الصدارة فى عصا ولى الفقيه واتهام الآخرين من التيارات الإسلامية بأنهم أعداء ولاية الفقيه والمرجعية والتشيع وأهل البيت والإسلام الأصيل وبأن معارضى ولاية الفقيه كلهم عملاء الأجانب وأمريكا.
بعد الصلح لا يحتاج النظام الإيرانى إلى المعارضة العراقية كما كانت زمن الحرب (التى كان لقوات بدر ضمنهم بعض الأسرى دور بارز فى الحرب مع إيران فى معارك كثيرة منها صد هجوم مجاهدى خلق (الذين استوعبهم النظام العراقى) وقد عبرت مجاهدو خلق الحدود الإيرانية وتصدى لها فيلق بدر واسمه الرسمى (سباه نوه بدر) التابع للحرس الثورى الإيرانى (سباه) حيث أعلنها هاشمى رفسنجانى فى خطبة الجمعة تمجيدا بقوات بدر فى محاربة إخوانهم العراقيين (متى ما طلب الإيرانيون منهم ذلك) كما تكلم باقر الحكيم فى خطبة الجمعة الإيرانية بيان العلاقة الإستراتيجية بين القوات الإيرانية وقوات بدر تحت إمرة ولاية الفقيه كلما أمرت به بتعبيره (نجاحنا وقوتنا فى ذوباننا فى ولاية الفقيه الشرعية الوحيدة). انتهت الحرب الظالمة بعد سقوط الضحايا من الملايين القتلى والمعوقين والمشردين وبدأ الصلح والتطبيع والوفود المتبادلة بين النظامين بل التجارات على أعلى المستويات لدرجة بين أبناء هاشمى رفسنجانى وأبناء صدام حسين على جزيرتى كش وقشم وصفقات النفط وغيرها.
ومن حق العراقى أن يسأل ما فائدة الحرب ولماذا استمرت لثمان سنوات دامية ولماذا سقط ملايين الأبرياء؟ لماذا يتم الأطفال ورملت النساء؟ وعشرات الأسئلة الأخرى؟؟؟ إنها السياسة لتجار السياسة من الطرفين وتجار الدين وتجار الحروب وزعماء الأحزاب الدينية الذين تربعوا على عروشهم بعد تصفية خصومهم ولولا الحروب والدماء والمجازر لما وصل النكرات ليتحولوا إلى زعماء ويحكموا بعد أن كانوا ماكانوا عليه ونحن نعرف تاريخهم وواقعهم الحقيقى وكيف يحولون نكبات الشعب إلى مكاسب شخصية لهم ولو كانت على جماجم ملايين الأبرياء. بدأ النظام الإيرانى بتسليم بعض العراقيين وملاحقتهم ومطاردتهم فى أبسط أنواع المعيشة حتى الكارت الأخضر الذى كان ذليلا فى تحصيله وفوائده قد منع عنهم كمامنع أى عمل أو زواج أو غير ذلك من الحقوق البسيطة لأدنى الكرامة البشرية.
بدأ النظام الإيرانى وخصوصا وزارة الداخلية بشن حملة واسعة ضد العراقيين بكل مرافق الحياة ومنها تسليم الكثير منهم للنظام العراقى. بينما كنت مدرسا فى بعض الجامعات قمت بزيارة باقر الحكيم وطلبت منه موقفا قويا أمام الإجراءات الإيرانية فأخبرنى أن الإيرانيين لايسمعون ولايحترمون ولايجيبون رغم كتابته عريضة طويلة فى المطالب وقدمها للخمينى نفسه، وأن معتمده فيما سماه (المجاهدين) قد سلمته السلطات الإيرانية إلى بغداد كدليل على سياسة جديدة للإيرانيين. طلبت منه أن يعلن أمام الملأ رفضه واستنكاره فلم أجد له رغبة فى ذلك، ثم سألته عن تطليق إيران وهجرته إلى بلد عربى فأجاب بأن النظام العراقى يطارده وسألنى عن البلد العربى، فاقترحت له لبنان وقلت له (إن فضل الله ليس بأكبر منك والشعب اللبنانى طيب، وإن لك رحم بلبنان) فسكت ولم يجب، وهى طبيعته عندما يحرج ويقع فى حيرة ولايجد جوابا.
وقد طلبت منه الإنفتاح على العراقيين وعلى مخالفيه من المعارضة العراقية وما أكثرهم، فحاول توسيطى فى ذلك قائلا (أنت مستقل ولم تنتم لأى حزب أصلا ويحترمك الجميع فأرجو توسطك مع العراقيين الآخرين)... سأتطرق لها فى الحلقات القادمة .
بدأت الهجرة العراقية فرارا من إيران وطغيانها وقد بدأتها القيادات الإسلامية إلى دول ماسمى بالكفر رغم إصدارهم الفتاوى بحرمة ذلك بعنوان (حرمة التعرب بعد الهجرة). حينها بدأت الأحزاب الدينية بتجارة جديدة وكبيرة فى بيع الجوازات والفيز وغيرها من متطلبات الهجرة إلى مختلف أصقاع الدنيا بحثا عن وطن أو سكن أو عمل أو حرية أو كرامة حيث بدأت الأمواج العراقية تبحث عن وطن علما أن أجهزة المخابرات فى إيران وسوريا قد طبعت جوازات مزورة عراقية تقدمها لأتباعها من الأحزاب.
أعان الله البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة مما أدى إلى الكثير من المآسى والمصائب فضلا عن العنصرية الإيرانية الشديدة وتسمية العرب (عرب خر) إهانة لهم حتى نظم فقيه شيعى عراقى كاشف الغطاء قصيدته المشهورة (أراح الله قلبى من بلاد) ويشرح فيها أخلاق الإيرانيين وعنصريتهم ضد العرب. وقد اتخذ العراقيون مختلف الوسائل والسبل للهروب من الطغاة فى إيران حتى مات بعضهم فى البحار والمحيطات أو ضاع فى الصحارى أو سرقت أمواله وتعرضوا إلى مافيات النصب والإحتيال فى عمليات الهجرة والبحث عن وطن. وللأحزاب الدينية فوائد جمة وملايين كثيرة من محنة هجرة الآلاف من العراقيين، هكذا كانت الهوة واسعة بين نكبة الملايين ومحنتهم والقيادات المستفيدة من محنتهم والتى عاشت فى قصور فى إيران وغيرها علما أن بعضهم يحمل جوازات لأكثر من دولتين منها إيران وسوريا وغيرهما.
لقد تفاقمت الصراعات بين الأحزاب الإسلامية بشكل واسع ومتنوع ويقودها فى المجلس صدر الدين القبانجى (لقبه العراقيون فى إيران بعلى كيمياوى لقسوته وطاغوتيته) الذي أسس حزب الله فرع العراق مع أجهزة المخابرات الإيرانية وطبعوا المنشورات وأسسوا الندوات واللقاءات والتظاهرات فى تسقيط الآخرين خصوصا من التيارات الإسلامية الأخرى والقيام بأعمال قذرة تلبية لأجهزة المخابرات الإيرانية وما سيذكر فى الحلقات القادمة.
ثم غزا النظام الصدامى هذه المرة بلدا عربيا شقيقا أعانه فى الحرب الإيرانية مما شق العرب نصفين ودخول المعارضة العراقية فى مرحلة جديدة هى الخامسة التى سيأتى الحديث عنها لاحقا فللحديث صلة فى الحلقات العشر.
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (3)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (2)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (1)