الأربعاء 22/7/ 2009
ثورة 14 تموز و (مستر) حاشوشناصر الثعالبي
في بداية الخمسينات ، حين كنا صغارا ، نحتضن شط العرب الذي تقع بيوتنا على ضفته الغربية ، محصورة بمستطيل بين نهر (الرباط الكبير) و نهر (الخندق) ، نجلس ساعات طوالا ، نتأمل الضفة المقابلة و ننتظر أن تعلق سمكة بسناراتنا .
كانت البواخر الأجنبية ترسو أمامنا كوحش ، خرج من شط العرب على شكل سمكة كبيرة ، فهي تنقل خيرات بلادنا إلى بعيد وتُغرق أسواقنا بفائض الإنتاج الرأسمالي ، متخذة من بلادنا سوقا لتصريف ركودها الاقتصادي .
تعلمنا ، و نحن صغار كلمة (مستر) أي السيد من الرجال الذين يستقبلون النوتية و الجنود و الضباط الانجليز الذين تحملهم لضفتنا زوارق بخارية ، يستقبلهم رجال ، ينحنون بشكل مذل للقادمين و يصيحون : هلو مستر ! هؤلاء أطلق عليهم رجال محلتنا لقب (هِتلِية) ، و هؤلاء الهتلية يستجدون الأجانب بشكل يوحي إلينا ، و نحن صغار ، أن رؤوسهم تعودت الانحناء ، فيرمي الأجانب إليهم قطعا نقدية صغيرة ، حسب ما يفيض من نقد لا يستحق الانحناء ، فيضحك الأجانب حين يشاهدون عراك الهتلية للحصول على النقود .
انتشرت كلمة مستر في محلتنا حتى كنا نمثلها كمسرحية ، و نحن أطفال ، وكانت تعني لدينا القوة و المال حتى ترسخت في وعينا . تعلمنا أيضا كلمة أخرى من رجال سمر يلبسون الكاكي (هنود ، سيخ ، كركة) وهي كلمة (صاحب) ، و لم يكن الهتلية ينحنون لهؤلاء الرجال السمر ، و هم لا يرمون إليهم بشيء من النقود . وفي بلدنا الآن كثير من (المساتر) في زمن لم تكن للكرامة سارية عند البعض والذين صنعهم الأمريكان إخوان الإنجليز ، فهم يجيدون صناعة المساتر .
كانت البواخر تتجه إلى ميناء البصرة الوحيد آنذاك ، و هو يقع في منطقة المعقل شمال المدينة ، لتفرغ حمولتها هناك ، فتكتظ الأرصفة بعمال النقل (الحمالون) . لم تكن وسائل النقل في الميناء متطورة- سوى الرافعات العملاقة- التي تنقل البضائع من البواخر إلى أرصفة الميناء . الحمالون أغلبهم من الكادحين ، وقد كانوا فلاحين هربوا من ظلم الإقطاع في (لواء العمارة) آنذاك واستقروا بأكواخ من (البواري) - حصران من القصب تصنع منها الأكواخ وتكون أضلاعها من القصب .
هؤلاء الحمالون كانوا يسمون ب(المصاليخ) مفردها (مصلَّخ) ويسمى الفرد منهم (مصلوخي) . وقد اختلفت الروايات في أصل التسمية ، بعضهم ردها إلى عشيرة المصاليخ و بعضهم ردها إلى لباسهم ، فهم نتيجة للفقر يلبسون عباءة من الصوف ، ليس تحتها أي شيء بما فيها الملابس الداخلية ؛ على طريقة نبلاء الرومان حيث تكون صدورهم نصف عارية و ظهورهم كذلك ، و يبدون كرجال عراة وهذا هو المرجح عندي .
كان بين المصاليخ رجل يدعى (حاشوش) يعمل حارسا في رصيف الميناء ، وفي وقت فراغه كان يصطاد السمك و لديه قصبة غليظة نسميها في البصرة (قصبة فارسي) و هي من فصائل الخيزران و بها خيوط متعددة وعدة سنارات ، وهذه القصبة طولها غير مألوف لدى الصيادين .
في الميناء ، و عند خروج العمال بعد انتهاء العمل ، يجري تفتيشهم و بشكل دقيق و بإشراف أحد الضباط الإنجليز وكانت أغلب السرقات هي السكر و الشاي حيث تُشق أكياس السكر وتُفتح صناديق الشاي . هاتان المادتان شحيحتان و أساسيتان لدى العراقي ، و قد احتار الإنجليز و جواسيسهم في الميناء في تفسير أمر السرقات .
حاشوش حاله كحال العمال الآخرين يُفتش بشكل دقيق أيضا . و في أحد الأيام انتبه الضابط المشرف على التفتيش لقصبة حاشوش الطويلة ، فاستدعاه إلى غرفته ، وفحص القصبة ، فوجد بطرفها فلينة ، تُسد بها عادة قناني الشراب ، سحب الضابط الخيط المربوط بالفلينة فاندفع السكر إلى الخارج ، ثم سحب الخيط الثاني فخرجت فلينة ثانية وانسكب الشاي ، و بقيت قصبة حاشوش المجوفة فارغة . ارتعب حاشوش وبدأ يتوسل ، غير أن الضابط ضحك من الأعماق ، وهو يرى ارتباك حاشوش قائلا : مستر حاشوش أنت رجل ذكي ، مكانك معنا و مدّ يده و أعطاه بعض النقود مكافأة له على ذكائه و وظفه مسؤولا على مراقبة العمال المصاليخ أبناء جلدته .
و حاشوش هذا كان واحدا من حاشية شيخ من شيوخ العمارة (حوشي) ارتكب جرما مخلا بالشرف فهرب إلى البصرة ، و هو يجيد التملق و الفهلوة حتى اشتهر بأنه يشغِّل العمال مقابل أن يأخذ قسما من أجورهم ، و كلما أراد عامل أن يشتغل في الميناء ، يقول له الإنجليز : اذهب إلى مستر حاشوش حتى أصبح اسم مستر مرتبطا بحاشوش.
في ساعة مبكرة من صباح 14 تموز 1958 هدر المذياع بالبيان رقم 1 أُعلن فيه عن إسقاط الملكية و قيام الجمهورية . خرجت الجماهير تأييدا للثورة و طوقت مؤسسات الدولة و خرج عمال الميناء الأكثر وعيا لقيادة مظاهرات العمال . و في هذا الخضم صاح أحدهم : طوقوا المساتر ، فتقدم الجمع الهائج إلى دوائر الميناء . لمح أحدهم (حاشوش) فصاح بالآخرين : اقبضوا عليه ، إنه (مستر حاشوش) ، تراجع حاشوش إلى الخلف مرتعشا و صرخ بصوت متوسل : (عمي آنا حاشوش المصلوخي العن أبو الانكليز اللي سووني مستر) . تُرى متى يصرخ مساترنا الجدد ؟ و متى تتجدد روحية إخاء تموز العظيم ؟ إن غدا لناظره قريب .