|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  24 / 7 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يناقش المقال زيارة رئيس الوزراء إلى طهران، متسائلاً عن مكاسب العراق، ويدعو لسياسة خارجية توازن العلاقات وتحمي المصالح الوطنية والسيادة أولاً عبر نتائج ملموسة للمواطن.

زيارة طهران... هل عاد العراق بمكاسب توازي ما قدم؟

نوري حمدان
(موقع الناس)

في السياسة، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حرارة الاستقبال، وإنما بما تحققه من مصالح وطنية ملموسة. ومن هذا المنطلق، فإن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى طهران تستحق قراءة عراقية هادئة، بعيداً عن الاصطفافات، وبمنظار سؤال واحد: ماذا كسب العراق؟

ما صدر عن الجانب الإيراني خلال الزيارة يلفت الانتباه أكثر مما صدر عن الجانب العراقي. فمحافظ البنك المركزي الإيراني أعلن بوضوح أن أولوية بلاده كانت البحث في استعادة ما بين 10 و11 مليار دولار من الأموال والمستحقات الإيرانية الموجودة في العراق، مؤكداً أن هذه الأموال تمثل أهمية حيوية للاقتصاد الإيراني في ظل ظروفه الحالية. وهذا تصريح يكشف أن طهران جاءت إلى طاولة الحوار وهي تحمل هدفاً اقتصادياً واضحاً ومحدداً.

في المقابل، لم يسمع العراقيون حديثاً واضحاً عن أولوية عراقية مماثلة. لم نسمع عن اتفاقات ملزمة لمعالجة أزمة المياه، أو ضمان حقوق العراق المائية، أو إعادة تنظيم ملف الطاقة بما يقلل الاعتماد على الخارج، أو استرجاع حقوق اقتصادية عراقية، أو وضع حلول عملية للقضايا التي تؤرق المواطن العراقي يومياً.

بل إن البيان المشترك ركز على تعميق التعاون الاستراتيجي، وإعداد وثيقة شاملة للعلاقات، وتوسيع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي، فضلاً عن الإسراع في تنفيذ مشاريع الربط والنقل والتعاون المصرفي، وهي عناوين تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها تثير سؤالاً مشروعاً: هل جرى تحديد الضمانات التي تجعل هذه الشراكة تحقق مصلحة العراق أولاً، أم أنها ستضيف التزامات جديدة على بغداد؟

لا أحد يعترض على بناء علاقات جيدة مع إيران، فهي دولة جارة تجمعها بالعراق حدود طويلة ومصالح متشابكة لا يمكن تجاهلها. لكن حسن الجوار لا يعني أن تتحول العلاقة إلى مسار أحادي الاتجاه، تُطرح فيه أولويات الطرف الآخر بوضوح، بينما تبقى الأولويات العراقية غامضة أو مؤجلة.

العراق اليوم بحاجة إلى سياسة خارجية قائمة على مبدأ بسيط: لا تنازل عن المصالح الوطنية، ولا مجاملة على حساب المواطن. وإذا كانت إيران تسعى لاستعادة أموالها، فمن حق العراق أن يسعى بالقدر نفسه إلى معالجة الملفات التي تمس أمنه الاقتصادي والمائي والسيادي، وأن يجعلها بنداً أساسياً في أي حوار ثنائي.

كما أن الحديث عن تعزيز التعاون الأمني والاستراتيجي يجب أن يكون منسجماً مع مبدأ سيادة الدولة العراقية واستقلال قرارها الوطني، لأن أي تعاون لا يحترم هذا المبدأ قد يفتح باباً لتفسيرات لا تخدم استقرار البلاد ولا علاقاتها المتوازنة مع محيطها العربي والدولي.

وتأتي هذه الزيارة بعد زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة، وفي ظل حديث عن محاولة بغداد الحفاظ على التوازن بين واشنطن وطهران. وهذا التوازن لا ينبغي أن يكون هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة العراق. فنجاح الدبلوماسية العراقية لا يُقاس برضا هذه العاصمة أو تلك، وإنما بقدرتها على تحويل موقع العراق الجغرافي والسياسي إلى مصدر قوة ومصلحة وطنية.

المشكلة ليست في زيارة طهران، كما أنها لم تكن في زيارة واشنطن. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الوضوح أمام الرأي العام العراقي بشأن ما تحقق فعلياً للعراق من هذه الجولات الخارجية. فالمواطن الذي يواجه تحديات الخدمات والبطالة وشح المياه وأزمات الطاقة، يريد أن يرى نتائج ملموسة، لا بيانات دبلوماسية عامة.

في النهاية، تبقى العلاقات مع إيران ضرورة جغرافية وسياسية، لكن الضرورة الأكبر هي أن تكون بوصلتها بغداد، وأن يكون معيار نجاح أي زيارة خارجية هو مقدار ما تضيفه للعراق، لا مقدار ما تحققه للطرف الآخر. فالدول تحترم من يعرف ماذا يريد، ويجلس إلى طاولة المفاوضات وهو يحمل قائمة واضحة بمصالح شعبه، لا بمجرد عناوين عامة عن حسن الجوار والتعاون.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter