|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  21 / 7 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

بين الشعارات السياسية والواقع الاقتصادي، تتكشف مفارقة عراقية معقدة: هل تكفي أولوية الرواتب والمستحقات لإنقاذ الاقتصاد، أم أنها تؤجل مواجهة جذور الأزمة؟

حين تصبح الأولويات عنوانًا للأزمة

نوري حمدان
(موقع الناس)

لا يكاد يمر تصريح سياسي في العراق إلا ويؤكد أن الأولوية تتمثل في تأمين رواتب الموظفين، وصرف مستحقات الفلاحين والمقاولين. وفي الظاهر، يبدو هذا الخطاب منطقيًا وإنسانيًا، لأن هذه الفئات تمتلك حقوقًا مالية لا يجوز المساس بها. لكن المشكلة لا تكمن في الحقوق، بل في البنية التي أنتجت هذا الواقع وجعلته يتكرر مع كل أزمة مالية.

فالقطاع الحكومي يعاني منذ سنوات من ترهل إداري واضح، نتيجة تضخم أعداد الموظفين بفعل سياسات التوظيف التي خضعت في كثير من الأحيان لمعادلات المحاصصة والولاءات الحزبية أكثر من خضوعها لحاجات المؤسسات الفعلية. لذلك، فإن تحويل رواتب الموظفين إلى عنوان دائم للأزمة يخفي سؤالًا أكثر أهمية: كيف وصل الجهاز الإداري إلى هذا الحجم الذي يثقل الموازنة ويحد من قدرة الدولة على الاستثمار في التنمية؟

والأمر ذاته ينطبق على مستحقات الفلاحين والمقاولين. فهذان القطاعان يمثلان ركيزة أساسية لأي اقتصاد منتج، لكنهما ما زالا يعتمدان بصورة كبيرة على التمويل الحكومي، ولم ينجحا في التحول إلى قطاعات تنافسية قادرة على العمل وفق معايير السوق الحديثة. ويعود ذلك إلى عوامل عديدة، من بينها ضعف البيئة الاستثمارية، وتداخل المصالح السياسية، وهيمنة شبكات النفوذ والمكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب على جزء من النشاط الاقتصادي.

إن الدفاع عن حقوق الموظفين أو الفلاحين أو المقاولين لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتجاهل الأسباب التي أوصلت الدولة إلى هذا الاختلال البنيوي. فالأولوية الحقيقية ليست فقط دفع المستحقات، وإنما إصلاح منظومة الإدارة العامة، وإعادة بناء اقتصاد يقوم على الإنتاج والمنافسة، ويمنح القطاع الخاص استقلاليته بعيدًا عن النفوذ السياسي.

وعندما يتحول الحديث عن الأولويات من معالجة النتائج إلى مواجهة الأسباب، عندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن اقتصاد يعتمد على الخزينة العامة إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة واستدامتها.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter