| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 15 / 6 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يناقش المقال أزمة العلاقة بين السلطة والمواطن، مؤكدًا أن الاحتجاج السلمي حق أصيل، وأن الحوار واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية هما السبيل لمعالجة أسباب التوتر.
حين يصبح العنف لغةً للجميع
نوري حمدان
(موقع الناس)
تُظهر الصورة لحظة مشحونة بالتوتر بين رجل أمن ومحتج. وقد يختلف الناس في تفسير ما حدث قبل هذه اللحظة أو بعدها، لكن المؤكد أن المشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد مواجهة عابرة؛ إنه يعكس العلاقة المضطربة بين السلطة والمواطن حين تغيب لغة الحوار وتحضر لغة القوة.
الاحتجاج والتظاهر السلمي ليسا منحة تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى شاءت، بل هما حق إنساني ومدني أصيل، تلجأ إليه الشعوب للتعبير عن مطالبها والدفاع عن مصالحها والمطالبة بالعدالة والكرامة. والمجتمعات التي تغلق أبواب التعبير السلمي تفتح، من حيث لا تريد، أبواب الاحتقان والتوتر.
وفي المقابل، فإن أفراد القوات الأمنية ليسوا أعداءً للمواطنين، بل يفترض أن يكونوا حماةً لهم ولحقوقهم. ومن هنا تصبح ثقافة حقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من تكوين رجل الأمن، لا مادةً ثانوية تضاف إلى المناهج التدريبية. فوظيفة الأمن في الدولة الحديثة لا تقتصر على فرض النظام، وإنما تشمل حماية الحقوق والحريات العامة، وفي مقدمتها حق التجمع والتظاهر السلمي.
إن إنهاء التظاهرات بالقوة ينبغي أن يكون استثناءً شديد الضيق تحكمه شروط قانونية صارمة، وليس خيارًا اعتياديًا تلجأ إليه السلطات كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالحقوق. فالقانون العادل لا يحمي النظام العام فقط، بل يحمي كذلك حق المواطنين في الاعتراض والنقد والمطالبة بالتغيير.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن العنف لا ينتج إلا مزيدًا من العنف. فحين تتحول الهراوة إلى وسيلة للحوار، يتحول الغضب إلى رد فعل، وتدخل الأطراف جميعًا في دائرة لا رابح فيها. وما تحتاجه المجتمعات ليس المزيد من أدوات القمع، ولا المزيد من مشاهد الاشتباك، بل المزيد من الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل.
إن القيمة الإنسانية التي يجب أن تنتصر في النهاية هي أن كرامة الإنسان لا تتجزأ؛ كرامة المحتج، وكرامة رجل الأمن، وكرامة كل مواطن. وحين تصبح الحقوق مصونة بالقانون، والحريات محمية بالمؤسسات، والواجبات محترمة من الجميع، يصبح الاحتجاج وسيلةً للإصلاح لا ساحةً للمواجهة.
فالمشكلة ليست في وجود الاحتجاجات، بل في الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، وليست في رفع الصوت للمطالبة بالحقوق، بل في غياب الآذان التي تسمع قبل أن تتدخل الأيدي التي تدفع أو تضرب.
وفي دولة القانون، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف ننهي التظاهرة؟ بل كيف نعالج الأسباب التي دفعت الناس إلى النزول إلى الشارع أصلًا؟ فهذا هو السؤال الذي يليق بمجتمع يحترم الإنسان وحقوقه وكرامته.