|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  13 / 7 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

قراءة نقدية تكشف ما وراء خطاب رئيس الوزراء، وتفكك رسائل الشراكة والإصلاح، متسائلة: هل تتحول الوعود إلى واقع، أم تبقى مجرد خطاب سياسي ينتظر الاختبار؟

بين طموح الخطاب واختبار الواقع..
قراءة نقدية في مقال رئيس الوزراء المنشور في "واشنطن بوست"

نوري حمدان
(موقع الناس)

قبل ساعات من توجهه إلى العاصمة الأميركية واشنطن، نشر رئيس الوزراء علي الزيدي تدوينة على منصة "إكس" قال فيها: "نتوجّه اليوم إلى واشنطن، على رأس وفد حكومي واقتصادي، عازمين على ترجمة متانة العلاقات العراقية-الأميركية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية حقيقية، تفتح آفاقًا أوسع للتعاون في الطاقة، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، والاقتصاد الرقمي، وشراكات التمويل. هدفنا واضح وهو استقطاب الاستثمارات، ونقل الخبرات، وتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، بما يعزز مسيرة التنمية، ويرسخ مكانة العراق شريكًا موثوقًا وعنصرًا فاعلًا في استقرار المنطقة وازدهارها".

هذه التدوينة لم تكن مجرد إعلان عن زيارة رسمية، بل شكّلت المدخل السياسي والإعلامي للمقال الذي نشره رئيس الوزراء قبل يومين في صحيفة "واشنطن بوست"، الذي سعى من خلاله إلى تقديم رؤية حكومته لمستقبل العلاقة العراقية-الأميركية، بوصفها علاقة تتجاوز الإطار الأمني التقليدي نحو شراكة اقتصادية واستثمارية أوسع.

جاء مقال الزيدي، المنشور في صحيفة "واشنطن بوست"، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إذ يسبق زيارة إلى واشنطن، ويتزامن مع مرحلة يعاد فيها رسم ملامح العلاقة العراقية-الأميركية بعد انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي. ومن الواضح أن المقال لم يكن موجهاً إلى الداخل العراقي بقدر ما كان رسالة سياسية واقتصادية إلى صناع القرار الأميركيين ومجتمع الاستثمار الدولي.

يعتمد المقال على خطاب يقوم على ثلاث ركائز أساسية: استعادة هيبة الدولة، والتحول نحو الاقتصاد والاستثمار، وإعادة تعريف الشراكة مع الولايات المتحدة بعيداً عن منطق الأزمات الأمنية. وهي رسائل تبدو منسجمة مع التحولات الإقليمية والدولية، إلا أن نجاحها يبقى رهناً بقدرة الحكومة على تحويلها من تعهدات سياسية إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ.

ومن خلال المقارنة بين التدوينة والمقال، يمكن ملاحظة وحدة الرسالة السياسية؛ فكلاهما يركز على استقطاب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وبناء شراكات استراتيجية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. غير أن المقال حاول أن يمنح هذه الرسائل بعداً استراتيجياً يخاطب صانع القرار الأميركي، بينما جاءت التدوينة أقرب إلى الإعلان السياسي الموجز عن أهداف الزيارة.

أكثر ما لفت الانتباه هو حديث رئيس الوزراء عن إحراز تقدم في نزع سلاح الجماعات المسلحة وفتح الباب أمام دمجها في مؤسسات الدولة خلال أقل من ستين يوماً. ورغم أهمية هذا الإعلان، فإنه يثير تساؤلات مشروعة أكثر مما يقدم إجابات. فما طبيعة هذا التقدم؟ وما هي الآليات القانونية والتنفيذية التي اعتمدتها الحكومة؟ وهل المقصود دمج الأفراد وفق معايير الدولة أم إعادة إنتاج نفوذ الفصائل داخل المؤسسات الرسمية؟ فهذه القضية تمثل جوهر مشروع بناء الدولة، ولا يكفي فيها الخطاب السياسي من دون مؤشرات عملية واضحة.

كما حرص المقال على تقديم العراق بوصفه بيئة استثمارية واعدة تمتلك النفط والموارد الطبيعية والقوة البشرية والسوق المحلية، وهي مقومات لا خلاف عليها، لكن المستثمر الدولي لا يتخذ قراره بناءً على حجم الموارد فقط، بل على أساس استقرار التشريعات، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وضمان تنفيذ العقود. وهي ملفات لم يتناولها المقال بالتفصيل، رغم أنها تشكل التحدي الحقيقي أمام أي نهضة اقتصادية.

وفي جانب السياسة الخارجية، حاول رئيس الوزراء رسم صورة لعراق يقف على مسافة واحدة من الصراعات الإقليمية، ويتبنى سياسة تقوم على التوازن والشراكات المتعددة. وهذا الطرح يعكس توجهاً دبلوماسياً مهماً، لكنه يواجه اختباراً عملياً يتمثل في قدرة بغداد على المحافظة على هذا التوازن وسط بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب، حيث لا تزال الضغوط المتبادلة بين القوى الدولية والإقليمية تلقي بظلالها على القرار العراقي.

ومن الناحية الخطابية، نجح المقال في الانتقال من لغة الأمن إلى لغة الاقتصاد، وهي نقلة تعكس إدراكاً لأهمية التنمية باعتبارها مدخلاً للاستقرار. كما أن التركيز على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية ينسجم مع متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث، إلا أن هذه العناوين تحتاج إلى برامج تنفيذية واضحة، وإصلاحات مؤسسية عميقة، لا إلى رسائل سياسية فقط.

في المقابل، غاب عن المقال الحديث بصورة مباشرة عن أبرز التحديات الداخلية التي تشغل الرأي العام العراقي، مثل البطالة، والخدمات، والإصلاح الإداري، ومكافحة الفساد، وهي ملفات سيكون لها الدور الأكبر في تقييم نجاح الحكومة. وربما كان التطرق إليها سيمنح الخطاب مزيداً من المصداقية أمام القارئ العراقي، لا سيما وأن المقال كُتب باسم رئيس حكومة يقود مشروعاً إصلاحياً داخلياً قبل أن يقود مشروع شراكة خارجية.

كما أن الرهان على جذب الاستثمارات الأجنبية لا يرتبط فقط بإقناع الشركات العالمية بفرص السوق العراقية، بل يبدأ بإقناعها بأن البيئة القانونية والإدارية والأمنية قادرة على حماية رأس المال وضمان استدامة المشاريع. وهذه الرسالة، على أهميتها، تحتاج إلى ما هو أبعد من الخطاب السياسي، إذ تتطلب إصلاحات ملموسة يشعر بها المستثمر قبل المواطن.

في المحصلة، يمكن القول إن مقال رئيس الوزراء يمثل إعلاناً عن رؤية سياسية واقتصادية جديدة للعراق أكثر من كونه عرضاً لإنجازات مكتملة. فقد نجح في إيصال رسالة إلى واشنطن بأن بغداد تريد الانتقال من مرحلة التعاون الأمني إلى الشراكة الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه وضع حكومته أمام اختبار صعب، لأن المجتمع الدولي لا يقيس نجاح الدول بجمال الخطاب، بل بقدرتها على تنفيذ الوعود وترسيخ مؤسسات الدولة وسيادة القانون.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الرسائل، التي لخّصها رئيس الوزراء في تغريدة ووسّعها في مقالٍ دولي، إلى نقطة انطلاق لإصلاحات حقيقية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر، أم أنها ستظل جزءاً من خطابٍ سياسي ارتبط بزيارة خارجية وظرفٍ دبلوماسي محدد؟ إن الإجابة، كما في كل التجارب السياسية، لا تُحسم بالكلمات، وإنما بما ستكشفه الوقائع والإجراءات العملية خلال الأشهر المقبلة.
 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter