|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  12 / 6 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يؤكد المقال أن القشلة معلم تاريخي وثقافي عراقي، ويحذر من تحويله إلى مشروع تجاري يهدد هويته، داعيًا إلى حمايته والحفاظ على رمزيته الوطنية.

القشلة ليست للبيع

نوري حمدان
(موقع الناس)

ليست القشلة مجرد مبنى أثري يقف على ضفاف دجلة شاهداً على حقبة من تاريخ بغداد، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية للعراقيين، وعنوان من عناوين الهوية الثقافية التي تشكلت حولها أجيال من الأدباء والكتّاب والقراء ورواد شارع المتنبي. ولذلك فإن أي حديث عن تحويل هذا الصرح التراثي إلى فضاء تجاري يثير قلقاً مشروعاً لدى كل من يؤمن بأن الثقافة ليست سلعة، وأن التاريخ لا يُقاس بلغة الأرباح والخسائر.

قد يكون من حق الجهات المعنية البحث عن موارد مالية لصيانة القشلة والحفاظ عليها، فهذا هدف لا يختلف عليه أحد. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثمار من وسيلة للحفاظ على المكان إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح المعيار التجاري متقدماً على القيمة الرمزية والثقافية للموقع. فالقشلة اكتسبت مكانتها لأنها كانت فضاءً عاماً مفتوحاً للناس، ومتنفساً ثقافياً يرتبط عضوياً بشارع المتنبي، وليس لأنها مشروع اقتصادي يدر عائداً مالياً.

لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن المواقع التراثية تفقد جزءاً من روحها عندما تُخضع بالكامل لمنطق السوق. فالمباني التاريخية لا تُحفظ بجدرانها فقط، بل بوظيفتها الثقافية والاجتماعية أيضاً. وإذا فقدت القشلة هذه الوظيفة، فإننا سنكون قد حافظنا على الحجر وخسرنا المعنى.

إن حماية القشلة لا تعني رفض التطوير أو التحديث، بل تعني وضع ضوابط واضحة تضمن بقاءها مركزاً للثقافة والمعرفة والفنون، لا أن تتحول إلى مجمع للمحال والمطاعم والنشاطات التجارية التي يمكن أن توجد في أي مكان آخر من المدينة. فبغداد تملك الكثير من المواقع المناسبة للاستثمار التجاري، لكنها لا تملك الكثير من الأماكن التي تختزن هذا القدر من الذاكرة والرمزية الوطنية.

القشلة ليست عقاراً عادياً يمكن تغيير وظيفته متى ما اقتضت الحاجة، بل إرث حضاري يخص جميع العراقيين. ومن واجب الدولة والمجتمع معاً أن يحافظا عليه بوصفه مساحة للثقافة والتاريخ، لا مشروعاً تجارياً يبحث عن الزبائن. فالأمم التي تفرط بذاكرتها، مهما ربحت مالاً، تخسر جزءاً من مستقبلها.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter