| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

نبيل عبدالأمير الربيعي

 

 

 

                                                                                  الأربعاء 19/9/ 2012




المفكر هادي العلوي ويوتوبيا السلطة المشاعية

نبيل عبد الأمير الربيعي

في محلة العباسية (الكرادة حالياً) عاش المفكر الراحل هادي العلوي طفولته , كانت خلافات الأخوة الفكرية تتردد على ألسنة أبناء المحلة , فتجد أحدهم يردد بدون مبالات :" لا شيء.. سيد هادي وحساني عادوا إلى خلاف الأفكار" ,كانت الخلافات بينَ الأخوين هادي وحسن العلوي حتى رحيل المفكر هادي العلوي الحياة في إقامتهُ الدمشقية , فكانت لقاءاتهم لا تنتهي بسلام , لها جذور من تربة العباسية , فهادي العلوي متمسك بالفكر الماركسي الناري وحسن العلوي متمسك بالقومية العربية ومعادياً في ذلك الوقت للزعيم عبد الكريم قاسم.

أكمل الدراسة الابتدائية والثانوية في بغداد عام1950 ولكن مكتبة جدهُ السيد سلمان الغنية في مجال التراث والفقه واللغة والتاريخ كانت لها التأثير في بداياتهُ الفكرية , فقد تخرج من كلية التجارة والاقتصاد بتفوق عام1955 ورفضَ مصافحة الملك فيصل الثاني حين وزع الشهادات على المتفوقين.

واكبَ العلوي على دراسة التراث الإسلامي في وقت سعى لإطلاعه على ثمار الحضارة الإسلامية والعربية منذ بداية الخمسينيات , كما ساهم في الحركة الوطنية العراقية , وتحول في وقت مبكر إلى الفكر الماركسي وخرج من العراق في وقت مبكر بعد المضايقات من قبل السلطة , مما مهد لهُ الشيخ جلال الدين الحنفي السفر إلى الصين لحاجتهم إلى من هو يعمل في الجانب الثقافي والفكري , ثم تنقل عام 1976 بين الصين ولندن وبيروت ودمشق حتى رحيله عام 1998,فقد لقبَ نفسهُ قبلَ رحيله بأعوام بـ (سليل الحضارتين) أي الحضارة الإسلامية والصينية , وقد علقَ على باب داره في دمشق لوحة كتبَ عليها (هنا يقيم سليل الحضارتين هادي العلوي) .

كانَ الراحل في بداية الستينات محتفياً بالنظرية الماركسية العلمية , وقد انعكست وأضاءت لاستغراقه في التراث العربي الإسلامي بصورة رائعة جداً من خلال كتابه (الحركة الجوهرية) لكن هذا الاستقرار سرعان ما زال وبات مرحلة الاضطراب السياسي الاجتماعي للراحل وتعيد تحفيزه في أعماقه, فراح يضفى عليه صفة (المفكر الثوري) بحيث دُفعَ إلى مدى عصي على التوجيه والسيطرة بكل فصائل اليسار فأصبحَ هادي حزباً متطرفاً في ذاته لا يستقر على موقف سياسي, فهو لم يصبح داخل حلبة المعترك السياسي المشروط بالحذر والاعتدال, فكان يستمرئ ذلك ويغذيه بدفء اليقين والاندفاع حتى رحيله إلى الصين , فقد تحولَ إلى الزاهد بالقناعة والتواضع واحتضانه الحرمان بالعنف واجتهاده في إحالة كل ذلك إلى قوانين حتى بات مفكراً متصوفاً متروّحناً , بمعنى الذات الباحثة عن الحقيقة لصالح الذات المتولدة عن اليقين , يتعامل مع قوة الحياة عبر الشاعر والمتصوف فيه , وينعكس ذلك في فيوضات نثره وشعره حتى أطلقَ على صوفيته تلكَ اسم (الصوفية الاجتماعية) , فقد انتخب من(لاوتسه , تشوانغ تسه ,أباذر , الحلاج , النفَرٍي , أبا العلاء , عبد القادر الجيلي) وإنتهى بالمحدثين (كوته , ماركس , تولستوي) فقد وظفَ تلك الجذور إلى معترك العقائد المشهودة , فكانَ يُرمْ نفسه من ملذات الحياة ويدعوا إلى الزهد والحرمان لاعتباره معياراً للمجتمع الصالح , معَ أن النزعة النباتية لديه كانت وليدة دوافع تدميريه حتى تطبع هادي العلوي عليها وعززها بشديد الضعف, يسير الانقياد في يوتوبيا المشاعية , كان يباهي كالطفل بأتباعه من أنصار لا يحسنون قراءة نصًه.

إن يوتوبياه التي تتطلب عنفاً قسرياً لتطبيقها على الأرض العراقية والدعوة إلى (دولة المشاعية العراقية) سيئة الطالع لتبدوا أخطر من الايديولوجيا , من خلال وضع مجموعة من القوانين التي تفرضها و المؤسسات التي تُحَدّد معالمها , كانت يوتوبيا (السلطة المشاعية) التي أحاطها بعلماً غير قاصر أبداً, فانتابهُ حُلمّ غريب تسلطَ على عقله , فتصور إن التغييرات القادمة ستؤدي إلى إصلاح كامل للجميع , وإن اللحظة قد حانت لإقامة جمهورية عالمية , ستكون تحتَ قيادته.

لكن هادي العلوي كان يحاول أمراً جديداً من خلال كتابه (مدارات صوفيه .. تراث الثورة المشاعية في الشرق) بإيجاد جذور لهذه المشاعية في التراث الشرقي وفي الموروث الصوفي , فالكتاب بيان تأسيسي يعتمد لغة غاية في التلقائية والتًدفق والدقة والرشاقة معاً, فكانت (يوتوبيا المشاعية) التي أعدها العلامة العلوي وخص بها الشعب العراقي جاءت في ظرف لم يعد فيه هذا الشعب يحتفل بمزيد من الحلول اليوتوبية التي أنهكته على مدى نصف قرن وذهبَ ضحيتها ملايين من أبناء الشعب بين قتيل ومفقود ومشرّد , فكان يدعو إلى تشكيل وزارة التنظيم المشاعي في العراق وبث اللجان المشاعية في كل حي وقرية لكي يدافعوا عن أسواقهم ومطاعمهم الشعبية ومستشفياتهم المجانية ضد الدولة, فكانت هذه الفقرة قد كشفت عن الجوهر العقائدي للعلامة العلوي , فهوَ ابن المِحنّ التي لا يليق إلا أن يكون ضحيّتها , ولكن كتابه ( مدارات صوفية ) رائع رغم ذلك لكونه يعتمد جوهراً محاطاً بمعارف واسعة وعواطف فيّاضة , على أن تقود إلى عالم الرؤى الممتحنة بالوجود المطلق .

لكن هادي العلوي ممتلئ بهذه الحقيقة التي يمكن الإحساس بها في كتابه إذا ما استطاع المتلقي أن يغض الطرف عن المقالات فيه , والنزعة اليوتيوبية التي تتمّ عن فقدان بعض الخبرة .
كانَ لهذا العلامًة الدعوة في إبراز دور الفقراء الذينً تَميًزوا بفضيلة الفقر خارج معركة التاريخ , فكانً يدعوا لنصرة الفقراء وما الفقراء إلا وسيله وهوً الغاية ولو تَمثلَ الفقر رجلاً لهُ لما قتله , فهم سادة الدنيا , هذا كان حُلم العلوي في دولته المشاعية .

سنواته الأخيرة:
كانَ العلامة العلوي في سنواته الأخيرة يرفض ارتداء الملابس الغربية ذات الصنع الأمريكي واستبدلها باللباس العربي التقليدي , كانَ أكلهُ النباتي الصارم , يجلس طوال اليوم يضع حقيبتهُ السوداء المستطيلة على فخذيه وهي مكتبهُ الوحيد في ترحاله وسفره , لا يطمئن للشعراء لأنهم ضعفاء أمام حضرة السلطة , كانً متصوفاً منذُ نشأته الأولى ثم ماركسياً متفانياً ثمَ صوفياً اجتماعياً متفانياً ,لكنهُ كان حماسياً تجاه شعر أدونيس لأنهُ أول من اكتشفَ في أدونيس جانب المفكر العقائدي , ووجد في شعره جانباً ينطوي على رسالة ومواقف.

في غرفة الاستقبال المتواضعة كان يعلق على الجدار صورة ماركس وجيفارا وملصقات الانتفاضة الفلسطينية وبعض الأبيات الشعرية المثيرة, وقد فرشَ أرض الغرفة سجادة واسعة لا يطأها أحد بحذاء ومكتب خشبي كان حافظ لأسرار بيته , فحين يزورهُ صديق ما ويريد أن يسًر زوجته أم حسن بشيء لا يصح أن يسمعهُ أحد أو التحدث معها باللغة الصينية حتى رحيلهُ الأخير في حالة الغيبوبة التي أصابتهُ وقد استغرقت (20) يوماً بسبب الاختناق الرئوي الذيً حَلً به فقد أوقفَ قلبهُ عن النبض تماماً صباح يوم 27-9-1998 في إحدى غرف مستشفى (الشامي) في دمشق, لم يرزق بأبناء فكان من كلماته اللاذعة ومزاحه بقوله (إذا جاءني ولد أسميه ذو السلفتين لأننيً حينما تزوجت أخذت سلفة الزواج وسلفة رهون).


 


 


 

free web counter