| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

نبيل عبدالأمير الربيعي

 

 

 

                                                                                  الأثنين 17/10/ 2011




الروائي الراحل غائب طعمه فرمان.. جسد في الغربة وفكر ووجدان في الوطن

نبيل عبد الأمير الربيعي

(كان فرداً في جماعة , لا تسمع لهُ صوتاً وفي همسهِ حفيف الريح, يؤدي العمل وينسحب , يقف في المؤخرة وهو في الطليعة , لأن ما يعنيه هو قرب القلوب لا قرب الأجساد... شيوعي الفكر , يسوعي الضمير والفكرة , إذا لم يرافقها ضمير يسوعي تنتهي إلى سلطنه..) المفكر الراحل هادي العلوي

بدأ غائب طعمه فرمان سيرتهُ الأدبية بقرض الشعر في مرحلة المتوسطة , فقد تعرف بتلك الفترة بكل من "بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي" وفي عام 1947 تعرف بالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري , وهو مازال في الصف الرابع الثانوي .

لقد كان ذو عقل مبدع وخلاق , يزخر دائماً بالأفكار والتطورات الجديدة المبتكرة ذو الحدًس والبصيرة النفاذة, حيث التصورات من الواقع ثم أعاد صياغتها في أعماله الأدبية ضمن وعي حرفي كامل وفن راسخ , إذ تكون انعكاساً لأحداث بدأت منذ الطفولة ومضى عليها عشرات السنين أو أقل أو أكثر , لقد كان هو الوطن بكل ناسه من المسحوقين الذين عربد الزمن بمصائرهم ومقدراتهم وأحلامهم الصغيرة وأنماط حياتهم الصغيرة الرتيبة , فقد صدرت مجموعته القصصية الأولى " حصيد الرحى" سنة 1954 , حيث كانت مرحلة خصبة في تناول الحياة الاجتماعية , في أعمال الكتاًب والشعراء والفنانين , وكانت الحركات السياسية آنذاك قد استقطبت أبرز مبدعي تلك الحقبة , "عبد الملك نوري ومجموعتهُ (نشيد الأرض) وخالد الرحال وبدر شاكر السياب وعبد الرزاق الشيخ علي وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد وناظم توفيق وسعدي يوسف ورشيد ياسين وكاظم جواد وزهير القيسي ويوسف العاني وكاظم السماوي ورشدي العامل والفريد سمعان وغيرهم , ومن نقاد تلك الفترة صلاح خالص وجبرا إبراهيم جبرا ونهاد التكرلي ومجيد الونداوي وعلي جواد الطاهر.

لقد كان للرأي النقدي تأثير على كتاب الرواية في تلك الفترة ويؤكد الراحل غائب طعمه فرمان بهذا : (إن للرأي النقدي تأثير علي ً, وأنا لا أسخر من الآراء النقدية , لكني عندما أكتب رواية لا أفكر برد فعل الجماعات والأحزاب والنقاد , المهم عندي أن أكون صادقاً) .

يذكر الأستاذ جلال الماشطه في مقالتهِ (النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل) إن : (غائب فرمان جعل النخلة رمزاً للوطن وللذات في آن , وعاين في رشاقة الحبلى في موسم الخير وبشاعة العذوق الذاوية عندما تدب إلى أصلها عقارب تضيف إلى سقائها سماً أو حينما ينقطع حبل السرًة) , وقد عشق غائب عبارة التوحيدي في حياته وكان يرددها مع بعض أغاني الموسيقار محمد عبد الوهاب: (إنى للغريب لا سبيل لهُ إلا الأوطان, ولا طاقة به على الأوطان),لكن التساق غائب بالسياسة فقد كوفيء من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة على إسقاط الجنسية العراقية مرتين , فضلً غائب مشدود للوطن, وقد عشق اللهجة العامية العراقية كلغة في قصصه ومنها (النخلة والجيران) عن قناعة , وهذا ما استخدمهٌ في عملهُ في دار التقدم بموسكو عندما كان يترجم القصص والكتب الأدبية , فقد منح وسام الشرف لقاء ترجماته التي كان يعتز بها ومنها ( بطرس الأول) لألكسي تولستوي.

فقد رأى غائب فرمان هنالك قاسم مشترك بين روسيا القيصرية وعراق صدام مع فارق بسيط هو إن الدكتاتورية في زمن الطاغية حققت (قفزه حضارية إلى الوراء) . وقد ظلت مؤلفات غائب عراقية رغم إنهُ استند إلى أرضية مركبة جمعت بين التراث العربي والأدب العالمي , فقد كان نهماً في قراءاته.

عمل غائب فرمان منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي في الصحافة الأدبية بشكل خاص , وأصبح محرراً أدبياً بارزاً في صحيفة الأهالي للحزب الوطني الديمقراطي , يصفهُ الأدباء والصحفيين بالإنسان الهاديء المتواضع بالفطرة والبعيد عن كل نزعة مشاكسة , وقد كان حتى أيامهُ الأخيرة ينظر إلى العالم بعيني طفل بريء , كان لا يطيق الرياء ولا يحبه , لا لنفسه و لا للآخرين , ميالاً للصمت , حتى عدم الاكتراث لما يدور حوله , فقد كان متميزاً في مجموعته الثانية (مولود آخر) التي صدرت عام1959 , ثم كتب سبع روايات بعد مجموعتيه القصصيتين, ثم قصة" آلام السيد معروف" عام1982 , وقد وضع الحد الفاصل بين الرواية اللارؤية في روايتهُ (النخلة والجيران) عام1966 حيث أرسى اللبنة المتحدية الأولى في صرحها.

إلا إننا لو استرجعنا ماضي غائب طعمه فرمان منذ منتصف الأربعينات , كان غائب أحد الشباب الديمقراطيين الطامحين إلى التغيير في العراق , لأنهُ نشأ في أسره فقيرة أصيب في وقت مبكر من حياته بالسل الرئوي , وأرسل بطريقة من الطرق إلى مصر للاستشفاء ولمواصلة الدراسة , وقد تسنى لهُ الاتصال بالوسط الأدبي المصري وقتذاك, قارئاً وكاتباً , لكنهُ اكتسب النفي السياسي منذ الخمسينات بسبب دافعهٌ السياسي اليساري للتغيير , فقد ساهم في إعداد كتاب (من أعماق السجون في العراق) وهو كتاب يتحدث عما كان يجري في السجون العراقية آنذاك, كما أن نشاطهُ قبل ثورة تموز 1958 فقد أصدر كتاباً بعنوان (الحكم الأسود في العراق) وهو كتاب مكرس لوضع الحكم الملكي في العراق , ثم عاد بعد ثورة تموز1958إلى العراق حيث شغل قبل قيام الثورة مترجماً في موسكو والصين , ثم عاد للعمل مترجماً في موسكو بعد تحول العراق إلى تجارب إرهابية من كل صنف ولون ضد الديمقراطيين عام1963 والانقلاب الأسود ,انضم غائب لحركة الدفاع عن الشعب العراقي وهو في الصفوف الأمامية للحركة مطالبه بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان .

صدرت لهُ رواية (خمس أصوات) عام 1967 , فقد كرسها لأجواء بغداد للنصف الأول من الخمسينات ودور المثقفين ومكانتهم في الحياة العامة , ثم صدرت رواية (المخاض) عام1974 وتعقبها ( القربان) عام1975 , ويذكر الدكتور أحمد النعمان في كتابه (غائب طعمة فرمان, أدب المنفى والحنين إلى الوطن)
ص81 : (أراد المنتج كمال العاني أن يحول رواية (خمسة أصوات) إلى فلم وذلك بعد النجاح الباهر الذي لعبتهُ (النخلة والجيران) في وقتها ... وإن يوسف جرجيس هو الذي أخذ على عاتقه إخراج فلم خمسة أصوات ... ولكن المحاولة باءت بالفشل " ثم يعقب د. أحمد نعمان" وهنا شعرت الحكومة العراقية بنقطة الضعف , عدم وجود الأموال الكافية للعرض والضرائب الباهظة , فبدأت تلعب ورقة المساومة ... وبدأت تتبجح بهذا السبب وذاك! وتماطل " لغاية في نفس يعقوب" كما يقال ,أما وزارة الاعلام فقد اعترضت على المخرج - السينارست – الذي أراد إدخال وثبة 1948 كتذكير للناس بأن أحداث ( خمسة أصوات) تمتد جذورها إلى الوثبة , هنا بيت القصيد , ... الوزارة طالبت (بالمقايضة) فجراء إبقاء الوثبة في الفيلم اشترطت الوزارة أن تعلوا المتظاهرين (متظاهري الوثبة) لافته كبيرة مكتوب عليها (حزب البعث العربي الاشتراكي) لإثبات انهُ كان يقود الوثبة أو هو متواجد فيها بشكل بارز , إلا إن يوسف جرجيس برهن للوزارة بأن حزب البعث تأسس بعد الوثبة , وهنا استشاطت الوزارة غضباً وأصرت على موقفها , ورفض يوسف جرجيس العمل) .

لقد كانت ميزة كتابات غائب طعمه فرمان لأحداث التأريخ اليومية الحياتية للناس البسطاء وعلاقاتهم وأفعالهم ودوافعهم وهذه ما تؤكده روايتهُ (القربان) حين يموت فجأه ملاًك ميسور الحال نسبياً (صاحب قهوه) ويترك وراءهُ قاصراً هي فتاة صغيرة ؟ وفي (ظلال على النافذه) حينما تتمرد كنًة شيخ من أهالي بغداد وتهرب من منزل العائلة إلى غير رجعة , فهذه العلاقات بين الأفراد والفئات والطبقات ترتبط بالأفراد وتظهر كأفراد, فالحوار الروائي تلتصق بالأفراد أو تجسد خصائص وسمات وسلوكية الأفراد أنفسهم وأفكارهم , قيمهم ونواياهم , ويؤكد الفنان التشكيلي محمود صبري إن غائب طعمه فرمان طلب منهُ قبل صدور رواية (خمسة أصوات) برسم غلاف الرواية إلا انهُ : (أصبحت بعد نشرها إحدى أهم رواياته , غير إن بقي عالقاً في ذهني هو فقرة الإهداء التي يفتتح بها الكتاب , " إلى أصدقائي في صراعهم مع أنفسهم ومع الآخرين" . فهي تلخص حقاً الديالكتيك الأساس لعلاقة الاإنسان مع عالمه الاجتماعي) .

كانت حياة غائب تمور بالعطاء ومسكونة بذات النبع الصافي الذي التصق وارتوى منه على الدوام ولكن كان الوطن لا يغيب عن رواياته بأناسهُ ومسحوقيه, ويصفهُ المفكر الراحل هادي العلوي بمقالته " قلت لك لا تمت" : (غايب كتب الفصل المفقود من تاريخ الأدب في العراق . حدث هذا دون ضجيج , لأن غائب لا يحب الطبول وينفرد من ضوضاء المجالس ولم يكن يعنيه أن يكرًم أو يقيًم ما دام جمهوره الذي يصونهُ من ضجيج الإعلام الثقافي والثقافة الإعلامية ويغنيهً عن الأوسمة والجوائز , كانت جائزتهُ أن يكتب رواية يقرأها الناس , وهمهُ الوحيد أن يتواصل مع جمهورهُ , فجمهورهُ هو جائزتهُ ووسامه! ).

بقيت روايات غائب فرمان العراقية رغم أن مؤلفها عاش في المنفى ثلاثين عاماً , فقد استندت هذه الروايات إلى أرضيه مركبه جمعت بين التراث العراقي والعربي , فقد كان همهُ بتحقيق مشروع روائي لتدوين تأريخ العراق , لكنهُ أراد أن يدون انقلاب شباط 1963 ويعتبرها عودة محاكم التفتيش في أوربا القرون الوسطى وهي مشابهه لها التي وقعت على رؤوس العراقيين والكارثة العظمى , إلا إن المرض داهمهُ ولم يتمكن من تحقيق ذلك.

أما رواية المخاض فهي تتحدث عن شخص مغترب أراد أن يعود إلى وطنه فبعث إلى أهله رسالة لكي يكونوا في استقباله في المطار,ولما وصل لم يجد أحداً في استقباله , تمثل هذه الرواية المنفي والفجوع من أهل العراق بوطنه وأهله وهي تمثل عودة غائب فرمان بداية السبعينات وخلال بحثه عن أهله وضعف الأمل في استقرار العراق وفترة حكم عبد الكريم قاسم وما بعدها ورافقتها للمغترب عن الوطن والشيء المؤلم هو أن يحس المغترب بالغربة في وطنه.

كانت شخصيات غائب فرمان في الرواية أغلبها إيجابية عدا رواية (المرتجى والمؤجل) سلبيون , وذلك لأن المنفى سلبي والسلبي لا يمكن أن يولد إلا سلبياً آخر , فيعتبر البطل الايجابي حسب المدرسة الواقعية الاشتراكية ورائدها الفكري مكسيم غوركي ونجد أسطورة البطل الايجابي والبطل الثوري والطليعي من المصطلحات السياسية البحتة , ولتأكيد ذلك إن جميع من قرأ رواية ( الجريمة والعقاب ) لدستوفسكي كانوا متعاطفين مع البطل راسكوليكوف الذي قتل العجوز المرابية , وهذا يدلل على إن كل القراء المتعاطفين معهُ سلبيون لأنهم مع القاتل وضد القتيلة , وفي (آنا كارنينا )لتولستوي الذي وقع آنا تحت عجلة القطار هكذا فعل ,وانتحار زنوبة في (القربان) عملاً سلبياً ؟

ونعود لأبطال (المرتجى والمؤجل) فهل هم سلبيون حقاً ؟ نلاحظ صالح جميل المدمن على الكحول , رغم ثقافته الموسوعية لم يستطع إنهاء معهد واحد من المعاهد الستة التي درس فيها في خمس دول من دول العالم , فهل يمكن اعتبارهُ إيجابي , أما في كل الروايات هو من الخطأ تعطيل المواهب الكثيرة والتقسيم الطبقي الذي يخلق بطل إيجابي وبطل سلبي في الواقع الاجتماعي, فرواية ( المرتجى والمؤجل) هي الرواية الوحيدة التي عكست المنفى والازدواجية التي عاشها فرمان كونهُ عاش في المنفى وهو يرنوا للوطن ومفارقتهُ للمكان والبيئة المحلية , إذ كتب أغلب رواياته خارج الوطن والمكان, ومن هنا بدأ بافتراق المكان الذي استهلك الذاكرة فيها , ولكن برواية (المخاض) يضيع المكان ليجد كريم الداوود بعد خمس أصوات إن بيتهم قد اختفى ومحلتهُ القديمة ولكن استحضار المكان ينشط الفعل والمخيلة والذاكرة , فالذاكرة الفعلية كالشكل المخروطي يشبههًا برجسون , إذ تنهض لملاقاة الطرف المدبب والحاضر يوجه النداء ليستجيب للذكريات , ويؤكد الناقد زهير الجزائري بمقالتهُ (ذاكرة المكان عن غائب طعمه فرمان) المنشورة في مجلة البديل العدد 17 لسنة1991 إن : (غائب يستخدم المخروط بالمقلوب في رواياته .. فرغم إنهُ يغلًب الفعل والحركة على المنلًوج الداخلي في رواياته إلا إن الفعل عنده وسيلة وليس غاية , والهدف هو تنشيط الذاكره), فيندمج المكان مع الحركة والفعل الصالح المكان وأحياناً تسبق الذاكرة عين التحرك ولكن التجربة لغائب خير لقاء بين المكان والزمان وهذه تقاليد القصة الواقعية, ولكن تناول المكان في المنفى (المرتجى والمؤجل) أماكن افتراضية فيها قيمة الرمز بسبب انفصال غائب عن بيئتهُ التي كان يتجول فيها من أماكن شعبية وأزقة وأحاديث ساكنيها , فغائب يتمتع بذاكرة أدبية وجدانية لكن المنفى والاغتراب عن البيئة قد فقد المثقف رأسهُ والغربة مخالب تنبش الذكريات وتثير الشجون , ذكريات العراق البعيد القريب , لقد عاش غائب أكثر أيام عمرة في المنفى ومات ودفن بعيداً عن الوطن الذي أحبهُ.


 



 

free web counter