| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

نبيل عبدالأمير الربيعي

 

 

 

                                                                                  السبت 10/9/ 2011




الباحث الاقتصادي والاديب والصحفي مير بصري

نبيل عبد الأمير الربيعي

(وطني وريحة أمي , لماذا يذبحونك اليوم وكل يوم, يا مسقط رأسي , يا عراق باسم الرحمن الرحيم) البروفسور سامي مورية

لقد خسر العراق عدداً كبيراً من المثقفين والكتاب والفنانين والسياسيين والأدباء ورجال الأعمال وذوي الكفاءة المتنوعة , من خبرات ومهارة , ممن هاجروا أو هجروا , من جميع القوميات والأديان, ومن ضمن هؤلاء الأديب مير بصري الذي ترك لنا الكثير من المقالات والقصص , كما وأرخ حياة زهاء ألف شخصية عراقية , مابين فنان وأديب ومؤرخ وسياسي ودبلوماسي ورجل دين وفقيه وصحفي , عمل في العديد من الوظائف العامة والخاصة ما بين عامي (1928-1952) , أمضى شطراً منها في وزارة الخارجية وحضر العديد من المؤتمرات الدولية , ممثلاً للعراق , إلى أن انصرف للأعمال الحرة ولكتابة الأدب والتأريخ , وعمل محرراً وباحثاً في الصحافة العراقية , فصدرت لهُ أعمال معروفة , من ديوان شعر بعنوان (الحرية 1928) و(مباحث في الاقتصاد العراقي 1948) و(رجال وظلال 1955) و(رسالة الأديب العربي 1969) و(إعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث 1983) و(أعلام السياسة في العراق الحديث 1987) و (أعلام الكرد 1991) و(أغاني الحب والخلود1991) و(أعلام الأدب العراقي الأدب العراقي الحديث في جزأين1994) .

ولد الأديب مير بصري في بغداد عام1911 من أسرة عراقية عريقة عرفت باسم (عوبيديا) كان أحد شخصياتها (عمه) الذي كان يشغل منصب رئيس المحكمة الشرعية في بغداد عام 1848 , أما والدتهُ من عائلة دنكور المعروفة برجال الدين والتجارة , فقد أسس دنكور مطبعة في بغداد عام 1902 وأصبح أكبر حاخام في بغداد عام 1923, درس في مدرستي التعاون والأليانس في بغداد وتخرج منها عام 1928 , إذ درس اللغة العبرية على يد الأستاذ (اسحق بوتفيس) , وتعمق في دراسة الاقتصاد والآداب العالمية ولازم الأب إنستانس الكرملي والدكتور مصطفى جواد حيث أخذ عنهما اللغة العربية , كما درس تأريخ العراق على يد عباس العزاوي والعروض على الشاعر محمود الملاح , كما ولهُ علاقات واسعة مع الادباء منهم الأديب جعفر الخليلي ويوسف يعقوب وفرات عباس والمؤرخ جرجيس عواد.

يذكر زميلهُ الباحث التراثي سالم الآلوسي في ندوه أقيمت في بغداد برعاية مؤسسة المدى بحق المؤرخ مير بصري :(فقد ترك آثار جمًه في مختلف المجالات العلمية والثقافية والفنية ... عند عمله في دائرة الآثار العراقية استضفناه في ندوه مع زميله القاص أنور شاؤول وكانا يختاران الموضوعات الأدبية البعيدة عن التعصب الطائفي أو المذهبي , أو تلك التي تستهدف الوحدة الوطنية , وهذا الخط تعلمناه من مصطفى جواد) .

تأثر الأديب والباحث مير بصري في مطلع شبابه بقصائد الشاعر تشرنخوفسكي وكان معجباً بشعره , إذ أخذ ينسج شعره على منوالهم لسعة أفقهِ , كما كان من أوائل من ترجم الملاحم العالمية مثل (الألياذه اليونانية) و (كاليغلا الفندلندية) ثم اهتم بالشعراء الفرنسيين والانكليز أمثال (لامارتين والفريد ديفيني وفكتور هيجو وموسيه وبودلير وبابرون وشيلي) وغيرهم, فقد زامل معظم أعلام العراق من اليهود والمسلمين ومن خلال تجاربه الشخصية ومعرفته الوثيقة بهم فقد أصدر كتاب بعنوان (أعلام اليهود في العراق الحديث) تلك الوثيقة المهمة لتأريخ العراق , فقد سار في صنوا ميزان عادل لم يبخس به أحداً منهم.

عمل مير بصري محرراً اقتصادياً في جريدة كل من (الاخاء الوطني , البلاد , الشعب) وقد تولى تحرير جريدة (الدليل) عام 1929 , ولهُ مساهمات في أبحاث اقتصادية عن العراق في المجلات الفرنسية والانكليزية , , انتخب عضواً في نادي القلم العراقي عام 1934,وتولى تحرير مجلة غرفة تجارة بغداد الشهرية منذ عام (1938-1945 , وحضر مؤتمر المستشرقين الدولي في كمبرج عام 1954 وميونخ عام1957 ,كما ساهم في مؤتمر الادباء العربي المنعقد في بغداد نهاية الستينات من القرن الماضي.

اهتم مير بصري بالذاكرة العراقية وتأريخ العراق , إذ يذكر في مذكراته عن فترة الحكم الملكي ودور الساسة المقربين من الملك والوصي عبد الإله: (خلفاءه من السياسيين الذين استولوا على مقاليد الحكم , بسبب صغر سن ملوك وادي الرافدين , قادوا العراق إلى هاوية التطرف واضطهاد الأقليات التي كان لها شأن في حضارة العراق , فبدأوا أول ما بدأوا بسحق الآثوريين عام 1933 وأعقب ذلك انقلاب بكر صدقي عام 1936 , ثم جاءت حركة رشيد عالي الكيلاني عام1941 التي سببت مذبحة الفرهود ضد يهود العراق, ثم كانت الوثبة عام 1948 فحصدت بنادق رجال الشرطة الطلاب المتظاهرين. وتلتها ملاحقة المثقفين والطلاب من الشيوعيين واليسار والقوميين , لسحق كل معارض, فزج بهم في السجون وعلقوا على أعواد المشانق . هكذا فقد العراق خيرة شبابه المثقف . ثم حاربوا الأكراد وشردوهم , ولاحقوا اليهود في أواخر الأربعينات بتهمة النشاط الشيوعي والصهيوني واعدموا شفيق عدس عام 1948 انتقاماً لفشلهم في حرب 1948 , حتى اضطروهم إلى الهجرة الجماعية عام (1950-1951).

هذه المذكرات التي كتبها مير بصري أحد كبار الأدباء والشعراء والمفكرين اليهود النازحين من العراق لها أهمية تأريخية لأنها ستسد ثغرة كبيرة في فهم الحياة الأدبية والاقتصادية والسياسية والصحفية والعلمية والاجتماعية في العراق عامة وعند يهودها خاصة.كما ويشيد في مذكراته بأواصر المحبة والمودة والصداقة والأخاء التي ربطتهُ بأخوانه من المسلمين والمسيحيين العراقيين , ولكن يشير في الوقت نفسه إلى الحيف الذي أصابهُ في الوظائف الحكومية بسبب يهوديته ورأسها إهمال إقتراح جريدة السجل العراقية على تعينهُ وزيراً للمالية ورفض رئيس الوزراء آنذاك الاقتراح المقدم من قبل داود باشا الحيدري بسبب أحداث 1948.

بعد مجيء البعث للسلطة بدأت الحملات على اعتقال أبناء الطائفة اليهودية بعدًت حجج منها التجسس لصالح اسرائيل أو امريكا, إذ كانت أسوأ الأيام التي عاشها يهود العراق وأعمقها أثراً في نفوسهم , فقد أعدم عشرة يهود دفعة واحدة وكانت جثثهم معلقة على أعمدة المشانق المنصوبة في ساحة التحرير , والسلطة تحث أهالي بغداد للتوجه إلى الساحة للتفرج والاحتفال , واعلنت حكومة البعث برئاسة احمد حسن البكر ذلك اليوم عطلة رسمية عامة ,بقيت جثثهم معلقة حتى ساعات الظهيرة , ثم بدأت حملات قتلهم داخل السجون وبدون محاكمة كما حدثت للمقاول داود زبيده ونسيم يائيير الذي وضعت جثتهُ في الثلاجة لمدة ستة أشهر ولم تسلم لعائلته , أما المرحوم فؤاد شاشا الذي قتل ولم تسلم جثمانه لذويه , والتاجر يشوع سوفير أغتيل داخل السجن وأبلغت زوجته بهروبه من السجن, والخياط عزرا قحطان وأخيه المحامي يعقوب عبد العزيز وشاؤول شماش وشاؤول رجوان والكثيرين غيرهم.

ثم عادت المذبحة على طريقة القاتل (حاتم أبو طبر) لعائلة قشقوش , فقد ذبحوا جميع أفراد العائلة في عقر دارهم , الأب والأم وولدين كبيرين وبنت واحدة وأخرى نجت لكونها غائبة عن العائلة ذلك اليوم, فقد ذكر البروفسور سامي مورية في مذكراته: (في وضح النهار ذبحوا جميع العائلة الذي قطعت جثثهم ثم وضعت في حقائب حملتها سيارات الشحن أمام أعين المحلة وفي وضح النهار).أما عائلة قشقوش الثانية المكونة من رجل وزوجته اغتالوهما بعد أن اغتصبوا الزوجة أمام أعين زوجها , كل هذا ولم يرتوي رجال البعث من دماء اليهود والنصارى والمسلمين وأبناء الشعب من التيارات اليسارية والدينية.

أما المضايقات التي تعرض لها الأديب والباحث الاقتصادي مير صبري فقد تم اعتقاله في بداية عام 1969 من قبل سلطات الأمن برئاسة ضابط الأمن (مخلف منير العاني) وجلاوزته , بعد إعلان البكر بامكانية السلطة البعثية سحق الجواسيس والقبض عليهم, فقد القي القبض على عشرات الشباب والصبيان من اليهود والمسلمين والمسيحيين بتهمة التجسس والقوا في غياهب السجون. كانت التهمة الموجه للباحث مير بصري هي زيارة احدى السيدات الامريكيات له , لتزويدها بمعلومات عن تأريخ العراق القديم لاطروحتها للدكتوراه وبموافقة وزارة التربية ولم تكن بسرية لتزويدها بمعلومات ما.

كانت آخر مقاله لمير بصري عام 1966 في العراق بعد أن عاش أكثر عمره في العراق وقد غادر العراق عام 1972 بسبب الضغوط التي واجهها من قبل السلطة البعثية فرفض الهجرة إلى إسرائيل بل طلب السفر والاقامة في انكلترا ليموت آخر أيامه فيها عام 2006 , وبهذا خسر العراق أديباً وشاعراُ وصحفياً وباحثاً اقتصادياً يتشبث بارض الوطن. لقد مضى على تهجيرهم من العراق مكرهين أكثر من ستة عقود ولكن كبار السن مازالوا يحنون للعراق ويتذكرون ويذكرون لونهم الذي زها به الطيف العراقي , وأنتج في حينها الثقافة والصحافة والبحوث الاقتصادية والأدبية.

لقد استوطنوا في العراق قبل حوالي 2600 عام بعد السبي البابلي وملكها نبوخذ نصر الثاني, لكن الخطاب العام بالثقافة العراقية مازال متشنجاً بصددهم لجهل الأجيال الصاعدة لسيرتهم وسماتهم واندماجهم العضوي داخل البدن العراقي , بعد أن استرسل من ماض قومي أو طائفي أوغل في مسخ الهوية الثقافية والذاتية العراقية.

يهود العراق لم يشكلوا يوماً ضلع من أضلع المؤامرة أو يكونوا سبباً في تأسيس إسرائيل عام 1947 , لكن تآمر حكام العهد الملكي ورجال الانكليز في العراق كان سبباً لترحيلهم من العراق , وليعلم العراقيين أن التاجر والسياسي ساسون حسقيل أصبح أول وزير مالية في الدولة العراقية الملكية وقد سلًف الحكومة مبلغاً من المال لتدفع مرتبات موظفي الدولة عام1941, كما وشارك في مؤتمر القاهرة عام 1921 برئاسة ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية , حيث تقرر انشاء المملكة العراقية وتنصيب فيصل الأول ملكاً ,وحين كان وزيراً للمالية في وزارة ياسين الهاشمي عام 1925 أصر في مفاوضات النفط مع الشركة البريطانية على أن تدفع الشركة العوائد على أساس الذهب لا على أساس العملة الصعبة (الدولار) وان العراق أفاد فائدة كبرى من ذلك بعد خروج بريطانيا على قاعدة الذهب, كما لم يجد الملك فيصل الأول سكناً لهُ في بلد خرًب ومتهالك تركهُ الأتراك ورحلوا إلا وتبرع (شعشوع) العراقي اليهودي بقصره لاستضافة ملك العراق. أما النائب عزرا مناحيم دانيال فقد عارض رغبة الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق في تعديل الدستور العراقي وتوسيع الصلاحيات الملكية عام 1943 , وان سليم ساسون صالح دانيال كان أول طيار مدني عراقي , وأن سلمان عنبر الصحفي اليهودي العراقي الذي أنشأ جريدة (تفكر) باللغتين العربية والتركية عام 1912 واشتراكه مع توفيق السويدي في المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس عام 1913 برئاسة الزعيم السوري عبد الحميد الزهراوي, وأنشأ المحسن مناحيم صالح دانيال أول دار تدعى (دار الميتم الاسلامي) عام 1928 في بغداد بدعم مالي منهُ. ولعائلة (دنكور) دور كبير في اضطلاعها بتجارة الورق والطباعة , وليهود العراق دور في الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين, وإذا راجعنا تأريخ المدن العراقية لنلاحظ التجمعات اليهودية التي كانت تشكل عصب المدن العراقية أمثال سامراء , إذ كان ربع سكانها من اليهود العراقيين , وما زال حي اليهود يقبع غرب الروضة العسكرية المطهرة يحتفظ بآثارهم وكنيسهم وكتاباتهم, ومدينة الكفل التي تقع غرب مدينة الحلة تشهد لذلك من آثار وتراث وأملاك اليهود العراقيين , وأول مدرسة نظامية أنشأت في العمار عام1901 واسمها (الأليانس) والطبيب داود كبابي من ابنائها أول من عالج بالمجان أبناء المدينة حتى رحيلهُ من العراق عام 1964,وكذلك مدن العراق الأخرى أمثال الديوانية والناصرية والنجف والبصرة ومنطقة كردستان العراق, لكن الطابور النازي الذي ترأسهُ رشيد عالي الكيلاني عام1941 لعب دوراً في الدعاية القومية ضد يهود العراق.

أما الصحف العراقية الأولى فلهم الدور الكبير في اصدارها منها ( هادوبير) التي صدرت في العراق باللغة العبرية عام 1863 وصحيفة الزهور عام 1909 الذي أسسها نسيم يوسف سوميخ والتي كانت تصدر بالعربية وصحيفة بين النهرين عام 1909 الذي أصدرها اسحق حسقيل ومناحيم عاتي وغيرها من الصحف التي ساهم باصدارها أدباء وصحفيين يهود أمثال أنور شاؤول ومير بصري وسلمان كوهين وعبد الله نسيم وس. اسحق ويعقوب حاسين ويوسف حوكي ومنشي زعرور ومراد العماري ونعيم قطان.

فقد اخترق يهود العراق كل جوانب الحياة وعلينا دحض الدعاوي العدوانية عند ذكر هذه الطائفة الذين ظلموا أكثر من مرة على أيدي حكام العراق حاملي الفكر القومي والطائفي والغاء الآخر, لقد خسر العراق بتهجيرهم هذا الرعيل المثقف الواعد الكثير من الكفاءات المهنية والنزاهة والاخلاص في العمل.
 



 

free web counter